الفصل الرابع ..قضايا الحل السياسي في فكر الصهاينة المغاربة (الأخيرة)

سليم يونس الزريعي
salimyouns44@gmail.com

2023 / 9 / 17

إن مراقبة مواقف شاس من الصراع الفلسطيني الصهيوني يكشف أن مواقف هذا الحزب تتلون حسب رؤية زعيمه في القضايا غير المفصلية، من ذلك أن شاس كانت في بداياتها تتبنى مواقف صنّفها البعض على أنها معتدلة من عملية السلام ؛ إذ أيد الانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، معللًا ذلك بالرغبة في تجنب إراقة الدماء اليهودية، كما اعترف الحزب بوجود قضية فلسطينية وأبدى استعدادًا لإجراء تنازلات إقليمية في سبيل حلها(1)
وموقف شاس من العملية السلمية كان انعكاسا لموقف الحاخام (عوفاديا يوسيف)، قبل وفاته الذي أعلن خلال زيارته لمصر عام 1990م، " بأن حياة الإنسان أغلى وأثمن بكثير من قيمة الأرض، فمن أجل إنقاذ حياة اليهود يجب إرجاع الأراضي الفلسطينية، ومبادلة الأرض بالسلام ".
هذه القراءة المتسرعة جعلت البعض يعتقد أن شاس تنادي بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة ومن الجولان أيضا، انطلاقا من المبدأ الديني (من أنقذ روحا في شعب إسرائيل، أنقذ عالما بأكمله).
ويتضح هنا، أن الحاخام (عوفاديا يوسيف)، ينطلق في موقفه من هذه المسألة من قاعدة أساسية، ألا وهي (أن حفظ النفس من الهلاك أسمى من أي شي آخر )، وهذا الموقف يحتمل وجهين، هما:-
الأول:- إذا كان بقاء إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة باستثناء القدس، سيؤدي إلى نشوب حرب ووقوع ضحايا يهود، فانه يمكن لإسرائيل بغية منع هذه الحرب وتحقيق سلام حقيقي الانسحاب من هذه الأراضي.
الثاني:- عدم الانسحاب من الضفة والقطاع إذا كان هذا الانسحاب سيعرض أمن إسرائيل للخطر، أو يزيد من احتمالات نشوب الحرب.
وبناء على ما سبق ذكره، نستنتج أن شاس تنطلق في مواقفها هذه من معايير أيديولوجية دينية بحتة، وذلك من أجل تحقيق أمن إسرائيل أو بعبارة أخرى من اجل تحقيق الأمن لليهود في دولة إسرائيل.(2)
وكانت شاس قد أيدت بدء التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، ويتضح هذا من خلال موقف (إسحق بيرتس) وكذلك (أرييه درعي)، الذي كان يرى أن على إسرائيل أن تبدي مرونة أكثر في عملية السلام هذا من جانب، وأما الجانب الآخر، فعليها التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، أو على الأقل عليها التفاوض مع أشخاص يحصلون على موافقتها، وإلا فإنها ستفشل في المفاوضات واعتبر أيضا أنه لا مناص أمام إسرائيل من التنازل عن أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة من أجل تحقيق السلام، فهو حسب وجهة نظره يعتقد بأن هذا التنازل عن هذه الأراضي سيسبب الآلام لشعب إسرائيل، ولكنه، من جهة أخرى سيحفظ أمنها. ويتضح هذا من خلال قوله (ربما كانت الخليل أو نابلس أكثر قدسية بالنسبة لليهود من تل أبيب، لكن هناك قداسة أكبر بكثير من قدسية الأرض، هي حياة الإنسان، وحتى نمنع سفك الدماء من كلا الجانبين، علينا أن نسعى من أجل التوصل إلى حل سياسي).
هذا وقد وصف أربيه درعي الانتفاضة الفلسطينية في أواخر عام 1987م بأنها ( أصعب حرب خاضتها إسرائيل، فالخسائر التي ألحقتها صعبة جدا، ولا يمكن تعويضها، والحل لا يكمن في استخدام القوة بل يجب أن يكون سياسيا ).
وأما بالنسبة لموقفها من اتفاقيات أوسلو، فقد دعمت حركة شاس هذه الاتفاقيات، ولم تكتفي بهذا فقط بل حثت رئيس الحكومة (بنيامين نتنياهو) على السير قدما من أجل تطبيق هذه الاتفاقية مع الفلسطينيين، وعلى الرغم من كل هذا، إلا أن مواقف شاس تجاه عملية السلام ودعمها القوي للانسحاب من الخليل لم يؤثر على مدى الدعم لها، ويتضح ذلك من خلال تضاعف عدد الأصوات التي حصلت عليها شاس في انتخابات عام 1996م، حيث حصلت على(260) ألف صوت في انتخابات عام 1992م.
وبالنسبة لمفاوضات الحل النهائي، فإن شاس ترى بأن هذه المفاوضات ستكون صعبة ومعقدة، خاصة قضيتي اللاجئين والقدس، فعلى الرغم من الإجماع الإسرائيلي على عدم تقسيم القدس، إلا أنها ترى أنه يجب الدخول الحر للأماكن الدينية، وأن تكون إدارتها من صلاحية كل طرف، كذلك ترى بأنه يجب أن تكون الأطراف مبدعة وخلاقة وعاقلة في الاستجابة لطلب الفلسطينيين في موضوع القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية، وأنه في نهاية المطاف لا بد من أنه سيكون هناك كيان وسيادة فلسطينية في الضفة والقطاع، لذا فهي ترى بأن على إسرائيل التنازل عن الأراضي مقابل تنازل الفلسطينيين عن فكرة العودة لحيفا ويافا، وانسحاب إسرائيل الكامل لحدود عام 1967م.
وبناء على كل ما سبق ذكره، نستنتج أن شاس حركة أكثر اعتدالا من الأحزاب الدينية الأخرى، وذلك بناء على قاعدة (حفظ النفس) فهي تؤيد إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين وذلك من أجل منع سفك الدماء من كلا الجانبين.

2) الاستيطان:-
يعتبر موقف شاس من الاستيطان تابعا لموقف الحزب الأم ( أغودات يسرائيل)، الذي قام في الأساس على عدم الاهتمام بهذه الجوانب، إلا أنه وبعد قيام إسرائيل، واشتراك ( أغودات يسرائيل) في المؤسسات الرسمية، فقد كانت مواقفها دائما مؤيدة للحكومة، فهو مثلا لم يعارض العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م، ولا عدوان عام 1967م، كما أيد هذا الحزب اتفاقيات كامب ديفيد، وعلى صعيد الاستيطان فهو حزب ليس له أي نشاط استيطاني، نظرا لعدم وجود حركة استيطانية تابعة له.
وبعد أن انشقت شاس عن الحزب الأم ( أغودات يسرائيل) استمرت في تطبيق سياسة خاصة بها، فهي كانت أكثر اعتدالا في المواقف السياسية من الأحزاب الدينية الأخرى، حيث أنها أيدت التنازل عن الأرض مقابل سلام حقيقي يضمن أمن إسرائيل، أما في حالة عدم ضمان أمن إسرائيل فإنه يتوجب على إسرائيل
عدم الانسحاب أو التنازل عن هذه الأراضي، هذا وقد اعتبرت أيضا أن إقامة دولة فلسطينية آت لا محال، وفي هذه الحالة فإنها تتخذ موقفا معينا من المستوطنات والاستيطان يتمثل بآلاتي:-
إنه في حال قيام دولة فلسطينية، فإنها ترى بأن أغلب المستوطنات الصغيرة سوف لا تكون تحت السيادة الإسرائيلية، وفي هذه الحالة، فعلى المستوطنين إما القبول بالعيش تحت السيادة الفلسطينية، وإما العمل على تفكيك هذه المستوطنات، وهنا وفي حالة قبول المستوطنين بالعيش تحت السيادة الفلسطينية، فإنه يجب توفير الأمن لهم، وأن وضعهم سيكون مماثلا لوضع العرب في إسرائيل.
وهذا يتضح من قول درعي ( إذا أرادت المستوطنات الصغيرة أن تبقى تحت السيطرة الفلسطينية فلها ذلك، وإذا أرادت الرحيل فلترحل، إنه لمن التخريف الاعتقاد بأن كل المستوطنات الصغيرة ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية).
وبناء على ما سبق ذكره، نستنتج أن شاس تعتبر أن ( أـرض إسرائيل) كلها تابعة ( لشعب إسرائيل) تبعا( لتوراة إسرائيل). لذا فإنه يحق لليهود الاستيطان في أي جزء منها، وأن التخلي عنها يكون فقط من أجل الأمن، ويكون فقط بواسطة إعلان من الحاخامين، أي أن شاس تنطلق قي موقفها من قضية دينية، وذلك من أجل ضمان أمن إسرائيل، لذا فهي ترى أنه يجب حل قضية المستوطنات حلا سلميا، وذلك إما عن طريق القبول بالعيش تحت السيادة الفلسطينية مع ضمان الأمن لهم، وإما العمل إلى تفكيك هذه المستوطنات. (3)
غير أن كل مواقف شاس تلك باتت من الماضي، ذلك أن هذه الحركة الدينية المتطرفة ترفض الآن تماماً وقف الاستيطان خلافاً لما يطالب به الفلسطينيون ودول غربية وعربية . وترفض الحركة حتى مجرد التفاوض حول مصير ووضع مدينة القدس ، بل إنها تطرح مطالبة الدول العربية بتعويض اليهود الذين هاجروا منها إلى الكيان الصهيوني.(4).
ويمكن القول أن كذبة السياسة المعتدلة لحزب الصهاينة اليهود المغاربة قد كشفتها موافقه المتطرفة حول القدس والاستيطان ورفضه إقامة دولة فلسطينية .
------------
الهوامش
1- محمد عمارة تقي الدين، حزب شاس وموقفه من الصراع العربي الصهيوني، 23/4/2018، العدد 5854، https://www.ahewar.org
2- يوسف عودة، حركة شاس ودورها في المجتمع الإسرائيلي، 29/5/2005، العدد: 1212، https://www.ahewar.org/
3- يوسف عودة، المصدر السابق.
4- ممدوح مكرم، خريطة أحزاب الصهيونية الدينية في "إسرائيل"24/11/20222، https://www.ida2at.com/

الخاتمة
بدلا من الاعتذار عن تواطئها في تهجير اليهود المغاربة إلى فلسطين ليحل محل أهلها ولكي يكونوا جزءا من المشروع الصهيوني الذي استهدفهم وما يزال. يستمر الموقف الملكي المغربي المعادي للشعب الفلسطيني وهذه عبر تمرير خدعة الجالية المغربية للصهاينة اليهود المغاربة.
وليس لدينا شك في أنها محاولة لتزييف الوعي أقدم عليها النظام الملكي المغربي، لتبرير علاقته مع الكيان الصهيوني في ظل أشد سياسيات الكيان الغاصب توحشا ضد الشعب الفلسطيني طالت كل مظاهر الحياة، وارتكابه جرائم ضد الإنسانية وفق منظمات دولية معنية بشؤون الإنسان، فيما يدعي النظام الملكي الغربي أن إقامة هذه العلاقة هي للتقريب بين الشعوب، بما يعنيه ذلك أن تجمع المستجلبين اليهود من 99 إثنية بالنسبة للمغرب هو شعب؛ في حين أن اليهود المتشددين دينيا( الحريديم) لا يعتبرون البعض من الشعب.
لكن من قال إن سكان فلسطين المحتلة المستجلبين من أربعة أرجاء الدنيا يكونون شعبا يود الملك المغربي أن يقارب بينهم وبين الشعوب الأخرى التي بعض منها، أقامت دولها اتفاقيات سلام مع الكيان لكنها على مدار عشرات السنين رفضت التطبيع مع هذا الكيان، وهنا لابد من استحضار المؤرخ اليهودي الإسرائيلي شلومو ساند الذي فند مقولة أن هناك شعبا يهوديا، وأن مقولة شعب يهودي هي خرافة أكدتها الوقائع المادية العلمية. والصحيح أن هناك دينا يهوديا لكن لا يوجد شعب يهودي، وإنما هناك مجموعات بشرية من إثنيات مختلفة اعتنقت الديانة اليهودية، ومثال على ذلك الأمازيغ اليهود ـ هل ينتمون إلى خرافة الشعب اليهودي؟ أم هم سكان المغرب الأصليين الذين اعتنقوا الديانة اليهودية، وليس لهم علاقة بمفهوم الشعب اليهودي؟
وخلاصة القول إن المغرب ممثلا في مؤسسته الملكية العائلية قد تواطأ مع الحركة الصهيونية مقابل ثمن مادي أو خدمات أمنية من الكيان، وهو يعيد إنتاج التواطؤ على الشعب الفلسطيني بتوصيف مرتكبي المجازر ضده ومصادري أرضة ومنتهكي حرمات مقدساته بأنهم مغاربة، فيما يسمى الجالية الصهيونية اليهودية المغربية!! وهذا هو التدليس بعينه.ومقابل ذلك فإن أغلبية الشعب الفلسطيني التي تخوض الاشتباك اليومي مع الاحتلال تعرف جيدا من هم اليهود المغاربة وبالاسم والجرائم .. وهم حسب توصيفها مغتصبون وأعداء للشغب الفلسطيني وليسوا جالية مغربية، إذا ما اعتبرنا أن المغرب حتى الآن هي دولة عربية إسلامية.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن