( جواد طليق في سهوب الشعر ) مع الشاعر العراقي الخلّاق جواد غلوم في ديوانه الجديد مراجعة محمود يعقوب

محمود يعقوب
mahmoodyeaqop@gmail.com

2023 / 9 / 16

( جواد طليق في سهوب الشعر )
مع الشاعر العراقي الخلّاق
جواد غلوم في ديوانه الجديد
مراجعة محمود يعقوب

حين تحثّكَ القصيدة على تكرار قراءتها مرّة أخرى ، أو بضعة مرّات أخر ؛ فهذه إشارة على مدى تملّكها من أحاسيسك ومشاعرك وذائقتك ، وعندها لابدّ من أن يترسّخ شيء من تلك القصائد في ذهنك . هذا ما يقع لقرّاء أشعار جواد غلوم . وبدلاً من رمي ديوان الشعر جانباً ، بعد الفراغ من قراءته ، كما اعتدنا فعله في هذه الأيام ، فإن المتتبع الأدبي المخلص يبقى متشبّثاً بالديوان الذي يضم شذرات من قصائد جواد غلوم ، وهو يأمل أن يعود إلى قراءته ثانية . إنه الفعل الذي لا تفعله إلّا الكلمة الشعرية الحرّة ، الأصيلة ، في نفس كل متلقٍ ، ومحبّ حقيقي للشعر .
في ديوانه الأخير ، الموسوم " حجر نبيل ، وآخر من سجيل " ، من منشورات إتحاد الأدباء ـ بغداد ، ٢٠٢٢ ؛ ما إن تقلّب أولى الصفحات ، سوف يلفحك وهج أوار قصائده ، ففي أول قصيدة له في الديوان " أخذت لهذا الشعر مناسككم " ، نراه يملأ قلمه من حبر الوطن الأحمر ، ويشرع بالقول ، وهو ينفخ البخار الثائر عن سن القلم :
" نحن شعوب بلاء النهرين وخواء النيلين وسمُل العينين وزمّ الشفتين نهرٌ من عنفٍ ، وبحرٌ من خوفٍ وجداول حزنٍ من حيفٍ وحبالٍ تمتدّ بأطول من أفٍّ "
وبعد أن تشرع بتقليب صفحات الديوان ، تسمع صوته مجلجلاً في الكثير من القصائد ، وهذا ما يجعل صداها قويّاً وعميقاً في النفس . ولا غرو في ذلك ، لابدّ أن تنتفخ أوداج ذلك الصوت ، وتصخب نبرته حماساً في هذه المرحلة التي يكون فيها الوطن ، ومحيطه العربي ، أحوج ما يكون إلى التحرّر من براثن الأجنبي الدخيل ، ومن الظلم الاجتماعي . في هذا الفصل التاريخي الحسّاس ينبغي أن ترتفع عقيرة الأصوات الواعية ، وتتقاسم المسؤولية في تشكيل أدب جاد يعبّر بصدق وأمانة عن آمال الشعوب وطموحاتها في الحياة الكريمة .
غلوم : أديب ، ذو موهبة شعرية لامعة ، موسِر بالتجارب الأدبية المرتبطة بوطنه وشعبه مصيريّاً . كتب بإفاضة قصائد متميّزة ، وبلغة شعرية صافية المنبع ، وتمكّن جلي ، سواء في العمود الشعري ، أو التفعيلة ، أو النثر الفني . وقد تَعلّى في ظل تلك الموهبة إلى مصاف شعراء العراق الكبار ، في الوقت الذي عضدته فيه ثقافته الغزيرة والعميقة من دون ريب .
شعره يرتكز إلى أصالة شعرية حقّة ؛ فعلى الرغم من إبداعه في قصائد الشعر الحديث إلّا أن رنّة الشعر العمودي ، وفخامة القصيدة التقليدية ، وصدى بلاغتها تظل تنعكس في مجمل أشعاره ، مهما كانت الطريقة التي يكتب فيها تلك الأشعار :
" يوم دسستُ قصاصة الورق في جيبك أيها الحظّ الغافل واضعاً أمانييّ غير العريضة فيها غير أنك نسيتها فتهرّأت في ماكينة الغسيل ودارت دوراتها كعمرٍ خائر القوى كناعورٍ أعمى لا يسمع سوى خرير الكلمات " .
في لغته السلسة ، الصافية ، الخالية من أي لحن نحوي أو صرفي ، تتدفّق أشعار جواد غلوم محافظة على نكهتها الوطنية الناصحة ، والمطعّمة بروح إنسانية طاهرة ، وبملامح فنية عالية ، وهي سمات واضحة تمام الوضوح في قصائده .
يغوص جواد عميقاً في روح الإنسان العراقي ليستشفّ معاناته ومشاعره على مرّ الأزمان ، إلى حدّ تكتسب فيد قصائده كينونتها من عرق ودماء أبناء شعبه ، وهي ، من غير شك ، قصائد تعمل على رفع قيم الإنسان التي يمكن أن يحيا بها كريماً وعزيزاً :
" أحمل نفثات سجائري ورمادي المؤرّخ بالحرائق أزفرُ كل نزقي والتياعي المدجّج بالأحزان حالما أصل إلى عقب سيكاري وتكتوي أصابعي ؛ أجفل وأنا في غفلتي وشرودي أرمي هلعي ووحدتي ودخاني في مطفأة أيّ تاريخٍ متورّم بالدخان أعيشه !! " .
ولكن لا بدّ من أن نتساءل ، هل الجانب السياسي ـ الوطني ، الذي يغلب في أشعار ديوانه الأخير ، يطغى على الجوانب الجمالية الفنية فيه ؟ الجواب بالتأكيد سيكون حاضراً لدى القارئ عقب قراءة الديوان .
وطالما كان الشعر يخاطب الإنسان في وضوح والتزام ، نتبين النهج الواقعي الذي يسربل قصائد الديوان ؛ ولا يشكّل هذا النهج خللاً بقدر ما تتزيّن به أشعاره ببهاء وسطوع المعنى الشريف ، الذي يمسّ قلوب القرّاء على الفور . إن لغته زمزمية ، رائقة القوام ، بعيدة عن التقعّر أو الإسفاف ، ويمكن النفاذ إلى جوهر النص في يسر . وشعره بعيد كل البعد عن خطابية الكلام المنمّق ، مع أنه قويّ العبارة ، وجملته الشعرية بليغة المعنى . بل أنني آخذ عليه لجوئه إلى بعض المفردات " الخشنة " على الأذن الحسّاسة ، في بعض الأحيان ؛ وله في ذلك الأمر ما يبرّره ، إذ أن حماسته الثورية ، ومراراته العميقة حيال الظروف العسيرة ، والمحن التي تلحق بالوطن ، هي من تجرّه إلى تداول تلك المفردات في قصائده ، بشكل تلقائي ، لا زيف ولا مراء فيه . غير إن الشاعر غلوم سرعان ما يعود ليؤكّد أصالته ، فيهبّ إلى مرجعياته العربية الكبيرة ، التي يحتذي بها ، ليقتبس منها ، أو يجاريها القول في الشعر ، لأجل إضفاء لمسات تعبيرية جميلة على بعض نصوص قصائده ، كما هو الحال في قصيدة " تحليق إلى الأسفل " ، إذ يختتم القصيدة ببيتين شعريين شائعين للشاعر امرئ القيس :
" تأوّبني دائي القديم فغلّسا ٠٠٠٠٠ أحاذر أن يمتدّ دائي فأنكسا
فلو أنها نفسّ تموت جميعها ٠٠٠٠٠ ولكنها نفسّ تساقــط أنفسـا " أو كما يستوحي من هجائيات ابن الرومي في ثلاثة أبيات يختتم فيها قصيدة " لا صخب في سوق الصفّارين " .
٭٭٭٭٭
الشاعر جواد غلوم ، مبدع حقيقي ، عاش عقود حياته يتعبّد الشعر ، أو كما يُقال " تعكّفه عكوف العاشق المتأمّل " . وهو يتحلّى بفكر نيّر ، واستطاعة على النظر الدقيق، وتحليل مدرك لمختلف الأمور بعمق . هو صاحب موهبة تخيّلية ، تسعى لرسم الواقع بكافة تناقضاته ، مثلما تسعى لبناء الإنسان الجديد ، وهذا ديدن الأدب الملتزم في كل الأوقات . وقف جواد إزاء الحاضر الراهن مفجوعاً بتحطّم كل الأعراف والقيَم ، التي صار فيها المال يشتري كل شيء بابتذال ، حتّى الإبداع والعظمة ، بل بات فيها الإنسان سلعة تباع وتشترى ببخس . وحمل الشاعر هذا الواقع الجارح على ظهره حتّى شيخوخته . إن العبء الذي ينوء بحمله ، إنما هو ، أيضاً ، عبء قصائده المترعة بهموم الإنسان وعذاباته ، التي ترافقه في حلّه وترحاله ، وقد عبّر عن هذا الأمر ، ببساطة ، شاعر الإنسانية الكبير رسول حمزاتوف قائلاً : " الشاعر هو رسول الشعب وحامل كلمته المقدّسة " . وكان الشاعر غلوم يبدو في بعض قصائد الديوان ، كمثل من ابتلى بداء الشعر السقيم ، بيد أن هذا الشعر يبقى مجدافه الذي يدفعه منزلقاً في أنهار الحياة . فكم من مرّة يعود فيها الشاعر ليندب عمره الذي مرّ خفيفاً كالظل ، ولم يورثه سوى الخيبات ، وكثيراً من الذكريات المرّة والحلوة ؛ ويشعر بأنه لم يحصد غير الهباء :
" كيف لي أن ألقي قطرة مائي النقيّة في هذا البحر الأجاج والزبد العريض الكاسح !! كيف لي أن أظفر بنبتتي المفعمة بالعافية وسط كل هذه السموم ! كيف لي أن أطأ سهلاً معشباً ؟؟ أمام كل المنعرجات والأودية المخيفة ! وقد اكتفى الشاعر بأنيسه ، وسنده الشعر . وفي قصيدة " إلى من دخلت غيبوبة الجفاء " يقول : " إنما هذه الحياة نواحٌ ومراحٌ وبينها الحب يتعبْ
....... فما لي غير أشعاري سميراً ترافقني إلى أقصى المشيبِ سأبقى صادحاً ما دمت حيّاً أغني الآه في لحن طروبِ وملء فمي قصائد من فؤادي أوزعها إلى كل الدروبِ
إنه ، ومهما يحصل معه ، لا يستطيع أن ينفكّ عن إسار الشعر ، سواء قلّت أم كثرت متاعبه ، ومهما سبّب له ذلك من نكد ومتاعب ؛ وهنا يرد في البال قول الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة :
" لعنة اللاعن يا شعر عليك ما الذي أوقعني بين يديك دَعْكَ مني ! كل جرح قاتل كل بؤس جاء يقفو خطوتيك " .
إن اليأس الذي يطفح في بعض قصائده لا يمكنه أن يغلق الطريق تماماً في نهاية الأمر ، " ستبقى نعمة اليأس ممتزجة بالأمل العنيد " ، وعلى الرغم من أنه قد يبدو متردّد من هذا الأمل ، إلّا أنه لا يني أن يقول :
" وعدٌ مني وعهدٌ حززته في رقبتي سأدسّ أملك تحت وسادتي وآتيك طواعية ريثما ترتوي يقظتي حالما يصحو وطني مفعماً بالعافية " إذن ثمة أمل مخبوء تحت وسادته .
ومهما يقسو الشاعر غلوم في عتاب الوطن ، وأبناء الوطن ، ذلك العتاب القاسي ، الفظ في أغلب الأحيان ؛ لكنه سرعان ما يعود ليحتضن صدر الوطن ، ويتمسّح به باكياً ، وهو يثير أصداءً مقلقة في دخيلة القارئ ...
والمتأمل في قصيدة جواد غلوم ، ينتبه إلى توفّر عدّة طبقات داخل القصيدة الواحدة ، وهذا لا يشتّت أفكارها ورؤاها ، بل إن القارئ المتذوّق يشعر بتساوق المعاني فيها ويغنيها ، ويزيد من قوّة الأداء الشعري فيها .
إن هذه الإلمامة القصيرة ، التي أكتبها ، والتي لا تصح أن تكون إلّا قراءة مختصرة وسريعة لشعر غزير ، يزخر به هذا الديوان ، وحيث أن كل قصيدة فيه تتطلّب وقفة تأملية وافية ، وإلى نظرة معمّقة ، بغية التوفّر على جوانبها الفكرية والجمالية . وفي هذا الزمن الذي تذبل فيه الثقافة ، وتذوى شجرة الأدب ويتساقط سحرها ، ويصاب بالخرس جرس الشعر الجميل ؛ سيبقى هذا الجواد الحر يصهل بحنجرة صادحة تملأ السهوب بصداها .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن