هل الانسان كائن اخلاقي؟ هل ان اخلاقنا اصيلة وتكوينية ام طارئة؟

محمد اسماعيل السراي
alsraym492@gmail.com

2023 / 9 / 14

هل الانسان كائن اخلاقي؟ او بصيغة أخرى؛ هل ان اخلاقنا اصيلة تكوينية ام مبتكرة و طارئة، شديدة البنيان ام سهلة التلف ؟
بادئ ذي بدء، يمكننا ان نفترض هذه الحقيقة الواضحة، والبديهية كما اعتقد، وهي انه: متى ما ينهار الخبز فستنهار الاخلاق، ومتى ما انتعش الخبز فستنتعش الاخلاق. ان الحضارة البشرية رهينة اقتصادها، وان الانسان اسير ظروفه الاقتصادية والمجتمعية، وهي من تقوده وليس هو من يقودها، وهي من تصنعه وتصنع اخلاقه. ولكن ليس الاقتصاد وحده فقط سيكون معيارا لانهيار او انتعاش الاخلاق، فأيضا سيكون الجنس كذلك امتحانا صعبا للأخلاق، لكن بصورة مؤقتة وليس كفعل الظروف الاجتماعية والاقتصادية القاهرة. وفي الحقيقة فان كل موقف او ظرف تكون فيه مصلحة او انانية بشرية ربما سيشكل امتحانا صعبا للأخلاق الانسانية.
ان هذه الاخلاق البشرية في الحقيقة ستكون اكثر هشاشة وعرضة للتهشم حتى من البلور الرقيق. ولكن هذا الامر لا يعتبر عيبا خلقيا في الانسان ذاته، بل عيبا في الحضارة وفي منظومتها الثقافية ذاتها. فالإنسان كائن غير مخلوق اساسا للحضارة، حيث يذكر ويلسون: (ان اريك فروم يميل بشدة الى الارتكاز على اراء فرويد الى ان البشر لم يخلقوا للحضارة، كما لم تخلق الحضارة للبشر، فهي تزعجه وتخيفه عند كل منعطف من منعطفاتها وتؤدي به الى العصاب النفسي وتدمير الذات. ويرى فرويد ان البشر الاوائل قضوا اعمارهم يجرون بعضهم البعض من شعور رأسهم، ضاربين اعداءهم بالهراوات، وان كوابح الانسان المعاصر تمنعه من اتيان نفس السلوكيات وهو ما يصيبه بالعصاب والخلل النفسي)١
ان الانسان حاول ان يرتقي يوما ما فوق واقعه التكويني النفسي والاجتماعي والثقافي هذا، والذي اكتسبه عبر عصور تاريخية طويلة، من خلال ما وِضع له من مرتكزات اخلاقية حضارية، زورا، من قبل ثلة من المنظرين الطبقيين، الذين زرعوا في كيانه مشاعر الخطيئة والندم، حيث اوهموه انه كائن خطاء دوما ويجب ان يشعر بالعار والندم من افعاله البهيمية وغير اللائقة والتي لا تراعي الآداب والذوق العام، حتى وان كانت افعاله هذه افعال طبيعية، نابعة من طبيعته البشرية التي لا محيص له عنها. أن واضعي اسس الحضارة- وهم قلة من الاشخاص التاريخين، وبعض حماتها الحديثين والمعاصرين- قد وضعوا هذه الاسس بما لا يراعي مصلحة الاكثرية من البشر، بل ما يراعي ويحمي مصالح طبقة صغيرة غالبا هي الطبقة الثرية التي تمتلك السلطة والمال، واذنابها من المنظرين البرجوازيين الذين أطروا الاخلاق طبقيا، ضاربين بعرض الحائط الواقع الحتمي التاريخي ، النفسي والاجتماعي وربما البيولوجي، للانسان عموما، والواقع الظرفي الاقتصادي والاجتماعي للجموع البشرية العريضة او المجتمعات كل حسب واقعه وظروفه، وعلى طوال تاريخ الانسان الحضاري الزراعي، منذ ان أرست الحضارة الزراعية قواعدها والى اليوم. ولا ننكر طبعا ان لكل طبقة اخلاقها النابعة من ظروفها الحتمية، فللفقراء والبروليتاريين طباعهم واخلاقهم وشمائلهم ووعيهم النابع من صميم وضعهم الطبقي، لكن ان الانموذج الامثل للاخلاق كان هو انموذج اخلاق الطبقة العليا وبما نظر له وايده وجمله المنظرين من البرجوازية القبيحة الروح، التابعة، التي جعلت اخلاق النبلاء واصحاب السمو، كما يطلق عليهم نيتشه، هي المعيار العالمي للأخلاق العامة. وبهذا فحتى الطبقات والفئات المجتمعية الاخرى، ومنهم الطبقات والفئات الدنيا والشغيلة، اخذت تقلد او تحاول ان تقلد اخلاق الاسياد، على الرغم من اجترارها اخلاقها الخاصة من وضعها الخاص.
في بحثه عن اصل الاخلاق، يذهب (فريدريك نيتشه) الى اعتبار الاخلاق من صنع اولئك البشر الاقوياء ذو المكانة الرفيعة والسمو( النبلاء). حيث يعارض آراء مؤرخي الاخلاق، والذين يطلق عليهم في بحثه اسم (النفسانيون الانكليز) الذين يعتبرون ان اصل الاخلاق هي المنفعة من خلال الافعال غير الانانية، وحيث تم نسيان هذا الاصل لاحقا من قبل الناس واخذوا يرون ان الافعال الخالية من الانانية هي افعال طيبة. لكن نيتشه يعود بمنشأ او اصل الاخلاق الى غير ذلك الامر، حيث يقول: ( ان البشر الاقوياء، ذوي المكانة الرفيعة والسمو، اولئك الذين هم ارفع وارقى بموجب وضعهم وسمو انفسهم، هم الذين اعتبروا انفسهم "طيبين" وحكموا على افعالهم بأنها " طيبة " اي انها افعال من الدرجة الأولى، فأوجدوا بذلك تسعيرة الافعال هذه في مقابل كل ما هو منحط ودنيء ومبتذل وسوقي ورعاعي. وهم انما انتحلوا لأنفسهم هذا الحق في خلق القيم وتحديدها، من علياء ذاك الشعور بالفوارق بينهم وبين الاخرين) بل ان نيتشه يذهب الى اكثر من ذلك، باعتبار ان اللغة ذاتها هي ايضا من انتاج هولاء البشر الاقوياء، او ما يعبر عنه بالسلطة، حيث يقول: ( ان حق السؤود هذا، الذي يخول صاحبه اطلاق التسميات، يذهب شوطا بعيدا جدا، بحيث ان بوسعنا ان نعتبر اصل اللغة نفسه بمثابة فعل من افعال السلطة، صادر عن اولئك الذين لهم الغلبة والهيمنة. لقد قالوا ان " هذا الشيء عبارة عن كذا وكيت" فألصقوا بشيء من الاشياء، او بفعل من الافعال لفظة من الالفاظ، ومن هنا تملكوا، اذا جاز القول، ذلك الشيء او ذلك الفعل)٢
ولكن من ناحية اخرى ايضا، فان نيتشه يعتبر ان هنالك اخلاقا اخرى قد صنعها الكهنوت ازاء اخلاق النبلاء الاقوياء تلك، الا وهي اخلاق الضعفاء او اخلاق العبيد. وقد اوجد هذه الاخلاق الكهنوت اليهودي خصوصا، حيث يقول: (ان اليهود هم الذين تجرأوا، بطريقة منطقية عظيمة، على قلب معادلة القيم الأرستقراطية رأسا على عقب " طيب، نبيل، قوي، جميل، سعيد، محبوب من الله". وقد حافظوا على هذا القلب المذكور بتسعير إوار الكراهية التي لا حدود لها، كراهية العجز. واكدوا، ان المساكين وحدهم هم الطيبون. والفقراء والعجزة والصغار هم وحدهم الطيبون. والمتألمون والمحتاجون والمرضى والمشوهون هم وحدهم، ايضا، اصحاب التقوى، ووحدهم مباركون من الله، والغبطة والسعادة وقف عليهم، ليس الا. اما انتم، بالمقابل، انتم النبلاء والاقوياء، فما زلتم منذ الازل معشر الخبثاء والطغاة والجشعين والنهمين، والكفرة. وستظلون الى الابد منبوذين، ملعونين، هالكين)٣
ويبدو جليا لنا، من خلال عرض افكار نيتشه في بحثه حول اصول الاخلاق، ان المفكر العظيم هذا يذهب نحو تمجيد اخلاق الاقوياء، الارستقراطيين،الاسياد، ويبغض اخلاق الضعفاء او العبيد. ويعتبر ان الكهنوت هو من أطر اخلاق الضعف هذه، والتي يعتبرها نيتشه اخلاق تبعث على الكسل والتواكل وبغض العمل، عكس اخلاق النبلاء الاقوياء التي تبعث على النشاط والعنفوان. وان ذلك التآمر الكهنوتي يمثل حقد الطبقة الكهنوتية على طبقة النبلاء واخلاقها والتي كانت تنافسها على المكانة والدور. كما يعتبر نيتشه ان الانسان الواحد ذاته يمكن ان يكون سلوكه مزيجا من تلك الاخلاق المتناقضة، اي اخلاق الاسياد واخلاق العبيد. وهذا صحيح الى درجة كبيرة ان يكون واضعي اخلاقنا، تاريخيا، أشخاص من مشارب وخلفيات ثقافية متنوعة او متناقضة حتى، واننا فعلا ورثنا كل ذلك الكم من الاخلاق المتباينة. وايضا فاننا نوافق مفكرنا العظيم بان الاخلاق التي كان وراء ايجادها او خلقها هم رجال الكهنوت بانها اخلاق تبعث على التواكل والكسل وتبغض الحياة وتبعث نحو الضعف والاستكانة، وربما الخبث احيانا، خصوصا ازاء من يحمل القيم المناقضة لقيمهم او من هم من غير الملتزمين بأخلاق المنظومة الدينية. ولكن مع ذلك فان لتلك الاخلاق الدور الاكبر في تحجيم وازالة قيم البرجوازيين البغيضة، وان تنتصر للعامة وتحررهم من نير استعباد الاسياد النبلاء، والبراجزة، ومن سخافة اخلاقهم التي تضعهم في طبقة خاصة او ابراج عالية يطلون منها برؤسهم السخيفة باستصغار واشمئزاز على طبقة العامة، او الرعية الأوسع، او الشغيلة. لكن مع ذلك يجب ان لا ننسى خطورة مقاييس اخلاق المنظومة الكهنوتية والمتأثرين بها او من يتحركون في محيطها من الاتباع الاكثر تمسكا وايمانا بها، فمثل هؤلاء سوف ينظرون للآخرين وفق مسطرة أيديولوجية او عقائدية من الاخلاق، ويقيمون اخلاق كل الناس الاخرين وفق مسطرتهم الخاصة تلك، فيقسمون الناس وفق ثنائية ضيقة الى اخيار واشرار، اخلاقيين واوباش، طاهرين ومدنسين. لكن، ومع كل ذلك، فان الاخلاق الكهنوتية لربما هي الاكثر محاولة لكبح أنانية الانسان في زمن الازمات والكوارث والمحن، بما تبعث من شعور ديني يحث على تجاوز الانانية والفردانية لصالح الجموع البشرية عموما والمؤمنة خصوصا، ومحاولة كبح الانانية وكبح الانهيار القيمي ايضا ازاء الالتزام الروحي امام الله او الدين.
اتدري ما الذي يصيب المجنون؟؟ وكذلك المخمور ايضا، بدرجة اقل!!؟
ان الانسان في الواقع اذا اصابه عارض الجنون فسيفقد ببساطه وعيه الاجتماعي، وكذلك يفعل المخمور لكن بدرجة اقل من المجنون. لذا يقال: ( لا حرج على المجنون) اذا اتى بشيء مخالف للأخلاق او للذوق العام او ان قام باعتداء ما. وكذلك يشيع هذا المثل الشعبي، الذي يضرب اذا ما قام مخمور ما بأفعال قريبة لأفعال المجنون ، فيقال: ان السكران لا عتب عليه. واذ نقول ان المجنون يفقد وعيه الاجتماعي اي اننا نعني انه لم يعد يشعر بوجود الناس من حوله ولم يعد يعبئ بأخلاق وقيم المجتمع، فما بالك بالمسائل الذوقية! انه يبتلع وعيه وادراكه في ذاته اكثر فاكثر ولم يعد يهتم الا لغرائزه البهيمية، وسيعود الى احد اكثر تلك الغرائز ارتكازا في تكوينه النفسي، الا وهي غريزة العدوان. ليس جميع المجانين يفعلون ذلك بالتأكيد، لكن الكثير منهم يفعل ذلك، وانه لمن الغريب والمريب ان يكون المجنون هادئ ووديعا، الا ان تكون غريزة الجبن والخوف لديه اكثر سطوة على ذاته، او انه تعرض لأمر ما خصوصا في المشافي النفسية التي تجعل منه شخصا وديعا. نعم، يمارس بعض العنف في المشافي النفسية ضد نزلاءها لضبط سلوكهم، وقد مرر لي احد الاصدقاء العاملين في مشفى نفسي وعقلي هذه المعلومة بانهم يستخدمون القوة احيانا لضبط سلوك المجانين، وربما هذا الاجراء يؤدي الى التجبين الذي يصيب اغلب نزلاء هذه المشافي وما نلاحظه من هدوء نسبي على سلوكهم!! لكن ربما نرى سلوكا مغايرا لدى المخمور، فان المخمورين وان كان الكثير منهم في حالة السكر ينفلت عن عقال الاخلاق العامة ويجنح الى العنف او التعبير عن نفسه بصلافة وتحدي كبيرين للأخرين وللمجتمع، الا اننا نجد الكثير من المخمورين تشب في ذواتهم عاطفة الرحمة بشكل مبالغ به ازاء الاخرين وازاء الكائنات الاخرى حتى، فنجدهم يتعاطفون جدا مع آلام الغير وقد يذرفون الدموع الحارة في مواقف لا تستحق ذلك الانفعال الحاد، او نجد بعضهم احيانا يصبحون فجأة كرماء جدا واسخياء ينفقون كل ما تبقى في جيوبهم لاي شخص يصادفهم يشعرون انه بحاجة الى اموالهم. ان حالة الجنون وحالة السكر، وبالأخص حالة الجنون، تدل دلالة واضحة على ان الاخلاق مصنوعة وليست من صميم التكوين الانساني او البشري. هي ليست جزء من كيان الانسان بل هي ثقافة مكتسبة اجتماعيا، يكتسبها الانسان من محيطه الاجتماعي، ومتى ما فقد الانسان هذا الاتصال بمحيطه فقد اخلاقه الجماعية وعاد إلى طبيعته الفردية الانانية . فالمجنون لما يفقد عقله يفقد وعيه الاجتماعي وبالتالي يفقد اخلاقه، فلو كانت الاخلاق صميمية كالغرائز الاخرى: كالجنس مثلا او الجوع او العطش او الانانية او العدوانية، لبقيت على الاقل بعض اثارها في سلوك المجنون. الرشد هو رديف الاخلاق، والرشد ايضا مفهوم ثقافي انتجته السلطة الاخلاقية المجتمعية، ومن يفقد رشده فسيفقد اخلاقه في تلك اللحظة التي ضاع فيها رشده، حتى وان لم يكن مجنونا او مخمورا، لكن هذا يحدث في لحظات العصاب والهستيريا التي يمر فيها اغلب الناس حتى اشدهم كياسة وحلما.
تضرب السيدة (سارة هاردي)، المتخصصة في حقل الانثروبولوجيا والرئيسيات من جامعة هارفرد، مثالا لتثبت لنا جذور الطيبة في ذواتنا، اي ما يمكن ان يدلل على وجود الفعل الاخلاقي في التكوين البشري كحقيقة اصيلة، حيث تقول( لنفترض انك الان في طائرة مزدحمة بالركاب، وهناك هرج ومرج واصوات عالية وانت جائع جدا، لكن لا يمكن لك ان تحصل على وجبة العشاء بسهولة. في اثناء ذلك كله هنالك طفل ما، عمره نحو اربعة اشهر، ولا يتوقف عن البكاء، يحاول الناس ايقافه بكل الطرق الممكنة لكنه لا يفعل، وها انت ذا تجلس في كرسيك على مسافة دقيقة واحدة من الانفجار، لكن هل ستفعل ذلك؟ ان ما تحكيه هاردي هو مشهد مألوف في رحلات الطيران، لكن احدا لا ينفجر، بل يتحمل الناس الأمر ويحاولون تهدئة الاوضاع، لكن ماذا لو كان سكان تلك الطائرة من الشمبانزي، هل كانوا سيتحملون اياً من ذلك؟ بالطبع لا، ستصل الطائرة الى المطار وبها عدد لا بأس به من الجثث المقطعة إربا. تستخدم هاردي ذلك لتقول لنا: نحن اكثر طيبة من اقرب رفاقنا في هذا العالم)٤
هل مثال السيدة (هاردي) هذا مثالا جيدا وقاطعا على اصول الفعل الاخلاقي في تكويننا السيكولوجي ؟ لا اعتقد ذلك. اننا ايضا ومن هذا المنطلق يمكننا ان نعطي مثالا افتراضيا بموازاة مثال العالمة الأنثروبولوجية اعلاه، فنقول: اننا لو تخيلنا مثلا جولة يومية يقوم بها مجموعة او ثلة افراد من البشر البدائيين في العصور الحجرية القديمة، وهو تجوال روتيني وعادي لتلك الاقوام في ذلك الزمن الغابر، وحيث كان العصر الجليدي يسود الاصقاع آنذاك، وتشح نتيجة لذلك الموارد الغذائية، ويصدف ان يكون بين هولاء الافراد البدائيين طفلا صغيرا ، وكان الجميع جائعا جدا انذاك، وصادف ان عثروا على قطعة من اللحم خلفتها احدى المفترسات بعد ان شبعت، مطمورة تحت الثلج. ولكن يصدف ان كتلة اللحم تلك لا تكفي لإطعام الا فردا واحدا من هذه المجموعة، او ربما اثنين على الأكثر، ترى ما ستكون ردة فعل وتصرف هولاء البدائيين فيما بينهم وازاء قطعة اللحم تلك، وهم في اشد الجوع!!؟ افترض انه من الطبيعي والحال تلك ان يتعارك الجميع على تلك القطعة اللذيذة ولكن ستكون الغلبة حتما للأقوى بينهم او لسيد المجموعة، ولا اعتقد قطعا ان كتلة اللحم تلك ستقسم بين جميع الافراد اولئك، مؤكد!! ربما سيفوز بها واحد او ربما اثنين من الاقوياء فيهم، لكني اعتقد بقوة ان الطفل الجائع بينهم لن يحصل على شيء !!
اننا اذ نضرب هذا المثل، وقد استوحينا فكرته من بشر العصور القديمة، ازاء مثل السيدة (هاردي) المعاصر، كي نوحي للأذهان بالعودة الى اصولنا القديمة، وبالتالي اخلاقنا القديمة، الغضة، الفطرية، التي هي حقيقتنا، والتي تم امرارها بشكل مؤكد الى الأجيال اللاحقة في جنسنا. اما مثل السيدة (هاردي) فانه لا يدلل على الاصول او الفطرة، بل يدلل على الثقافة، على الأخلاق المكتسبة، التي اكتسبها الانسان المعاصر من الحضارة ومن المدنية ومن الاديان ومن كل شيء، وهي اكيد ليست حقيقتنا التكوينية، او ما يدلل على تغلغل الفعل الاخلاقي فينا. نحن جنس اشرار بالفطرة، او لنقل بتعبير ادق واكثر لياقة اننا كائنات انانية وفردانية، اي ان انانيتنا ومصلحتنا هي المقدمة على كل مصلحة ومن خلالها نقيس تعاملنا مع الاخرين، وان حقيقتنا ستكون اكثر جلاءً في زمن الازمات والكوارث والاحداث المهولة، ولا تقاس على حدث محدود معاصر حصل في طائرة!!! بل ان مثل السيدة (هاردي) على افتراض لو ان ركاب الطائرة كانوا من القردة وليسوا بشرا لربما حدثت مجزرة وتقطيع للأشلاء، إنما هو مثال يدل دلالة واضحة ان طيبتنا واخلاقنا انما هي مكتسبة ثقافيا وليست موروثا بايلوجيا او سايكولوجيا او انها اخلاقا اصيلة، وان من يشتركون معنا في الاسلاف البعيدة، اي القردة في مثالها اعلاه، يفضحون تلك الحقيقة.
ولمَ لا نأخذ قصة واقعية اخرى، بدلا من قصة السيدة (هاردي) كدلالة على هشاشة اخلاقنا، وضعف طيبتنا، واصالة الانانية فينا. انها تلك القصة الحقيقية التي يذكرها (كولن ويلسون) في كتابه (التاريخ الاجرامي للجنس البشري) عن قبيلة (آي-ك) الافريقية، وغالبا ما استشهد في كتاباتي بهذه القصة المرعبة. فتلك القبيلة التي سُلبت منها ارضها ومصادر غذائها الوفيرة التي كانت تعتاش عليها هنالك من خلال الصيد والالتقاط، وسُلب استقرارها النسبي الاقتصادي والاجتماعي، من قبل السلطة المحلية هناك وتم تعويضها بارض اخرى بعيدة لزراعتها. لكن الارض الجديدة كانت شحيحة الموارد وقليلة المطر، مما جعل افراد القبيلة يعانون الجوع والحرمان. وان هذا الامر انعكس سلبا على اخلاقهم العامة وعلى سلوكهم وعلى مشاعرهم الانسانية. حيث برزت اخلاق اخرى لدى القوم تدل على الانانية المفرطة وضمور المشاعر تجاه الأفراد الاخرين في القبيلة بل حتى بين افراد العائلة الواحدة. فقد لوحظ ان كبار السن والعجزة هناك في القبيلة لم يجدوا بعد هذا الحدث من يهتم بهم، مما ادى الى موتهم ببساطة. وكذلك لوحظ انهيار العلاقات الاسرية، فكثير من العوائل في تلك القبيلة اخذت تتخلى عن رعاية ابناءها، فتقوم برمي الصغار بعد سن الثالثة خارج الكوخ ليدبروا امرهم ويعولوا انفسهم. ومن الحوادث المؤلمة في هذه القصة ان طفلة صغيرة كانت تحاول تكرار العودة الى كوخ والديها لأكثر من مرة طلبا للطعام والرعاية والعطف، فقام الوالدان بحبس الصغيرة في مكان مغلق حتى ماتت جوعا.
ان (كولن ويلسون) يبرر هذه الافعال الرهيبة التي قام بها افراد القبيلة، بانهم تعرضوا لصدمة حضارية شديدة ومفاجئة وذلك انهم خسروا نسقهم الحياتي المعتاد مما ادى الى تحويلهم الى حالة من عدم التآلف مع نمط الحياة الجديد المفاجئ. لكن الا يدل هذا الامر على ضعف مشاعرنا وروابطنا الانسانية وسطحيتها وهشاشتها، بحيث ان اي حدث مهول طارئ يمكن ان يحرف استقرارها ويظهر الى سطحها الوحش الاناني الكامن في اعماقنا!!؟
لا شك ان الاحداث المهولة والكوارث العظيمة سوف تحرف شيئا من اخلاقنا ومشاعرنا في زمن الازمات، وهذا شيء طبيعي فالانسان كائن ضعيف، واناني، وذاتي جدا. لكن ان يصل الامر حد ان يتخلى الاباء عن ابنائهم، وتغلب انانيتهم على ايثارهم لابناءهم على انفسهم، فهذه مصيبة عظمى!! لا يمكن تبريرها او قبولها بعذر الازمات او الكوارث او الصدمات الحضارية، الا اذا كانت مشاعرنا هشة الى هذه الدرجة؟ ان علاقة الانسان بذويه وبالخصوص صغاره، وبالذات مشاعر الام، لا يمكن ان تفصم بهذه السهولة بان تتخلى عن صغارها زمن الجوع، استحالة!! الا ان كنا فعلا كائنات مقيتة وانانية في الصميم!
يصف القران الكريم مشاعر الضعف والانانية هذه، وقت الازمات والاحداث المهولة خير وصف، فيقول( يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت وتضع كل ذات حمل حملها)٥



1. كولن ويلسون، التاريخ الاجرامي للجنس البشري، ص٧٥.
2. فريدريك نيتشه، اصل الاخلاق وفصلها، ص ٢٢٢٣.
3. نفس المصدر السابق، ص٣٠.
4. شادي عبد الحافظ (جذور الخير والشر.. هل لدى الأطفال أخلاق؟ )، مقال، ٨/٤/٢٠١٩، الجزيرة نت.
5. قرأن كريم. سورة الحج. الآية٢.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن