فيلم -الأرجنتين ، 1985 -: كشف المحاكمة التي غيرت التاريخ

علي المسعود
alialmasoudi2002@yahoo.co.uk

2023 / 5 / 28

فيلم "الأرجنتين ، 1985": كشف المحاكمة التي غيرت التاريخ


مرت 37 عاما منذ محاكمة المجالس العسكرية التي حكمت خلال الديكتاتورية الأخيرة في الأرجنتين، بين 24 مارس 1976 و 10 ديسمبر 1983 . فيلم الأرجنتين ، 1985 مستوحى من القصة الحقيقية للمدعين العامين خوليو ستراسيرا ولويس مورينو أوكامبو ، الذين تجرأوا على التحقيق ومحاكمة أكثر الديكتاتوريات العسكرية دموية في الأرجنتين في عام 1985. لم يردعهم النفوذ العسكري الذي لا يزال كبيرا في الديمقراطية الجديدة الهشة ، قام ستراسيرا ومورينو أوكامبو بتجميع فريق قانوني شاب من الأبطال . وتحت التهديد المستمر لأنفسهم وأسرهم، تسابقوا الزمن لتحقيق العدالة . تجرأوا على اتهام الزمرة العسكرية رغم كل الصعاب وتحت التهديد المستمر بأكثر الديكتاتوريات العسكرية الأرجنتينية دموية . كتب السيناريو ميتري وماريانو ليناس . الفيلم بمثابة تكريم للجهود التي بذلها خوليو ستراسيرا (ريكاردو دارين) ولويس مورينو أوكامبو (بيتر لانزاني) للحكم على المسؤولين عن أكبر إبادة جماعية في تاريخ البلاد بأمر من الحكومة العسكرية للدكتاتورية. يمضي فيلم ميتري قدما أولا بطاقة فريق المدعي العام الشاب ضد عقارب الساعة ، مدعوما بدقة بتحرير نابض بالحياة وسيناريو رشيق . عرض المخرج سانتياغو ميتري لأول مرة في الدورة 79 من مهرجان البندقية السينمائي الدولي فيلمه الأرجنتين ، 1985 . فاز بجائزة الجمهور لأفضل فيلم في النسخة 70 من مهرجان سان سيباستيان. الفيلم يشكل وثيقة أدانته للطغاة ودرس في محاسبتهم على جرائمهم .

الذاكرة الجمعية للمحاكمة :

أعاد فيلم الأرجنتين 1985، بطولة ريكاردو دارين وبيتر لانزاني الى الذاكرة الجماعية لحظة تاريخية عاشتها الأرجنتين بمجرد عودة الديمقراطية مع محاكمة المجالس العسكرية التي كانت مسؤولة عن حكومة الأمر الواقع التي فرضت بالقوة بين عامي 1976 و 1983 . لقد كانت عملية معقدة وبسبب عدة عوامل . وزن أولئك الذين كانوا في قفص الاتهام والهشاشة التي كانت لا تزال تستعيد الديمقراطية الفتية في 10 ديسمبر 1983 وأهميتها في السنوات التالية ، وبالتالي تسببت هذه المحاكمة في نقطة تحول في الحياة السياسية للبلاد . استمرت المحاكمة 232 يوما ( بين 22 أبريل/نيسان و9 ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام ). فيلم الأرجنتين 1985، حائز على العديد من الجوائز عند عرضه في المهرجانات الأوروبية وتم اختياره لتمثيل الأرجنتين في حفل توزيع جوائز الأوسكار .

محاكمة المجالس العسكرية: السياق التاريخي

في 24 مارس 1976 ، أطاح انقلاب مدني عسكري بحكومة ماريا إستيلا مارتينيز دي بيرون التي ظلت رئيسة بعد وفاة زوجها خوان دومينغو بيرون في 1 يوليو 1974. في ذلك الوقت ، سيطر المجلس العسكري على البلاد . منذ ذلك الحين بدأت ما يسمى بعملية إعادة التنظيم الوطنية، التي كان لها أربعة رؤساء بحكم الأمر الواقع : خورخي رافائيل فيديلا، روبرتو إدواردو فيولا، ليوبولدو فورتوناتو غالتيري ورينالدو بينيتو بينيوني. نفذت الحكومة العسكرية استراتيجية قمعية ضد المعارضين للسلطة العسكرية والذين تم تحديدهم مع البيرونية واليسار ، مع عمليات الخطف والتعذيب والاختفاء القسري والقتل للثوار المناهضين للحكم العسكري . بعد حرب فوكلاند عام 1982 ، ضعفت الحكومة العسكرية لدرجة أن بيجنون دعا إلى إجراء انتخابات في العام التالي ، والتي أجريت في 30 أكتوبر 1983. ذهب النصر إلى الاتحاد المدني الراديكالي بتوقيع راؤول ألفونسين فيكتور مارتينيز الذي تولى منصبه في 10 ديسمبر .

من هم المدانون ؟ :

بعد خمسة أيام فقط من توليه منصبه ، وقع راؤول ألفونسين المرسوم 158/83 ، الذي أمر بإجراء محاكمة موجزة لتسعة القادة العسكرين الكبار من الأسلحة الثلاثة التي شكلت المجالس العسكرية: خورخي رافائيل فيديلا ، وأورلاندو رامون أغوستي ، وإميليو إدواردو ماسيرا ، وروبرتو إدواردو فيولا ، وعمر جرافيجنا ، وأرماندو لامبروشيني ، وليوبولدو فورتوناتو غالتيري ، وباسيليو لامي دوزو ، وخورخي أنايا. . وقد عرفت القضية منذ ذلك الحين "القضية 13/84" . في 15 ديسمبر 1983 ، أنشأ ألفونسين إنشاء اللجنة الوطنية للتحقيق وتغيب وأختفاء الأشخاص (كوناديب). كان هدفها التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان خلال فترة إرهاب الدولة في الأرجنتين في سبعينيات و ثمانينيات القرن العشرين ، التي نفذتها الديكتاتورية العسكرية تسمى عملية إعادة التنظيم الوطنية . تألفت اللجنة من رئيس، الكاتب إرنستو ساباتو، 5 أمناء و 12 عضوا آخر، قاموا بجولة لمدة 280 يوما في البلاد بحثا عن شهادات من الناجين والأقارب وأيضا من القمعيين فيما يتعلق بالأماكن المستخدمة كمراكز احتجاز . في 20 سبتمبر 1984 ، سلم ساباتو إلى الرئيس ألفونسين التقرير الذي تضمن الأدلة وجرد فيما يتعلق بمراكز الاحتجاز السرية البالغ عددها 340 ، وشهادات الناجين ، وسجلات الشرطة والمشرحة ، وبيانات عن الإجراءات المستخدمة لاستخراج المعلومات من المحتجزين - من بين أمور أخرى - عبر أكثر من 7000 ملف في 50 صفحة ، إلى جانب قائمة جزئية بالأشخاص المفقودين التي استخدمت لاحقا كأساس لمحاكمة المجالس العسكرية التاريخية .

لماذا كانت محاكمة غير مسبوقة :

حقيقة أن محكمة مدنية حاكمت جرائم ارتكبها الجيش أعطت العملية نظرة غير مسبوقة. ولكن بينهما كانت هناك اختلافات وطريق متعرج للوصول إلى مثل هذا الاستنتاج . في البداية أمر المرسوم الذي وقعه ألفونسين في 15 ديسمبر 1983 بمحاكمة أعضاء المجلس العسكري أمام المجلس الأعلى للقوات المسلحة دون تدخل المحاكم المدنية . وأشار إلى أن الادعاء سيشير إلى (جرائم القتل والحرمان غير القانوني من الحرية وتطبيق التعذيب على المعتقلين) . لكن في فبراير 1984، أصدر رئيس الدولة إصلاحا لقانون القضاء العسكري الذي وافق عليه الكونغرس قبل أسابيع، ومنحت محكمة بوينس آيرس الفيدرالية (وهي محكمة مدنية ) 180 يوما للتحقيق في وجود طريقة لانتهاك حقوق الإنسان . وكان القرار الذي اتخذته المحكمة الفيدرالية لمدينة بوينس آيرس في 4 أكتوبر 1984 كان تولي القضاء المدني سير المحاكمة وإبطال محاكمة المجالس العسكرية . وكان القضاة خورخي تورلاسكو، وريكاردو جيل لافيدرا، وليون أرسلانيان، وخورخي فاليرغا أراوز، وغييرمو ليديسما، وأندريس داليسيو، أعضاء محكمة بوينس آيرس الاتحادية، جزءا من المحكمة التي أجرت المحاكمة ضد قادة الطغمة العسكرية. في حين كان المدعون العامون خوليو سيزار ستراسيرا ولويس مورينو أوكامبو . وبدأت المحاكمة في 22 نيسان/أبريل 1985 واستمرت جلسات الاستماع حتى آب/أغسطس من ذلك العام. وأدلى 839 شاهدا بشهاداتهم في نحو 530 ساعة من جلسات الاستماع. وكانت أول ضحية للإدلاء بشهادتها أدريانا كالفو، إحدى مؤسسي رابطة المحتجزين المختفين السابقين. استخدم المدعون العامون في تقريرهم عبارة "لن يتكرر ذلك أبدا" كأساس للأدلة. في الواقع ، تم استخدام هاتين الكلمتين في ختام حجة المدعي العام ستراسسيرو : "أيها القضاة ، أريد أن أستخدم عبارة وهي رسالة بالفعل إلى جميع فئات الشعب الأرجنتيني ، أعزائي الحكام لن يحدث ذلك مرة أخرى أبدا ". وأصدرت المحكمة الاتحادية حكمها في 9 كانون الأول/ديسمبر 1985. على خورخي فيديلا وإميليو ماسيرا بالسجن مدى الحياة. أورلاندو أغوستي بالسجن لمدة 4 سنوات و 6 أشهر ؛ روبرتو فيولا إلى السجن 17 عاما ؛ وأرماندو لامبروشيني إلى السجن 8 سنوات. وبرئت ساحة عمر غرافيجنا وأرتورو لامي دوزو وليوبولدو غالتيري وخورخي أنايا . تم تأكيد الحكم في عام 1986 من قبل محكمة العدل العليا للأمة ، ومن بين الجرائم التي أدين بها الضباط الخمسة في المحاكمة (القتل عن طريق الغدر)، و (الحرمان من الحرية الذي تفاقم بسبب التهديدات بالخطف والعنف)، و(التعذيب) .

ماذا حدث للمدانين :

بمجرد تأكيد الأحكام، عانت حكومة راؤول ألفونسين من انتفاضتين عسكريتين، نظرا لإمكانية فتح هيئات قضائية جديدة ضد ضباط الجيش من الرتب الدنيا الذين شاركوا في الديكتاتورية. وفي سياق الضغط هذا، صدر قانونان يهدفان إلى منع ظهور عمليات قضائية جديدة: عرف قانونا الطاعة الواجبة وقانون التوقف التام باسم "قوانين الإفلات من العقاب". يضاف إلى ذلك العفو الذي أنشأه الرئيس آنذاك كارلوس منعم في 29 ديسمبر 1990 ، من خلال المرسوم 2741/90، الذي استفاد من العفو الرئاسي عن المدانين الخمسة: خورخي فيديلا، إميليو ماسيرا، أورلاندو أغوستي، روبرتو فيولا وأرماندو لامبروشيني . ولكن في عام 2003، خلال رئاسة نيستور كيرشنر، بدأت عملية التشكيك القضائي في دستورية العفو التي انتهت في عام 2010 بحكم صادر عن محكمة العدل العليا .

نقل المحاكمة الى شاشة السينما :

نقلت المحاكمة الى السينما وتمثل ب(فيلم الأرجنتين، 1985) الحائز على جائزة الجمهور في مهرجان سان سيباستيان وهو التعاون الثاني بين سانتياغو ميتري كمخرج وريكاردو دارين كبطل للفيلم، حيث يلعب دور المدعي العام خوليو ستراسيرا . ويرافقه بيتر لانزاني وأليخاندرا فليشنر وكارلوس بورتالوبي ونورمان بريسكي . تركز القصة التي شارك في كتابتها مخرجها وماريانو ليناس على شخصية خوليو ستراسيرا وأدائه في محاكمة قادة المجالس العسكرية بعد توقيع مرسوم الرئيس آنذاك راؤول ألفونسينو وعمل نائب المدعي العام لويس مورينو أوكامبو (لانزاني) وفريق من المحامين الشباب ، ضد عقارب الساعة للحصول على الأدلة اللازمة، وكونهم ضحايا تهديدات مجهولة الهوية مستمرة يبدأ الفيلم في عام 1984 بعد تولي راؤول ألفونسين منصبه كرئيس ومن خلال بعض النصوص على الشاشة ، يضع المشاهد في الموقف الذي يعيشه فيما يتعلق بمحاكمة المجالس العسكرية موضحا بالتفصيل الطريقة التي تجنبت بها المحاكم العسكرية تولي مسؤولية الأمر . إذا انتهى الموعد النهائي لإصدارها، يجب أن تقع المحاكمة في أيدي المدنيين، وبشكل أكثر دقة في المحكمة الوطنية للاستئناف الجنائي والإصلاحي في بوينس آيرس . المدعي العام يدعى خوليو ستراسيرا، يلعبه ريكاردو دارين كما لو كان قد تدرب طوال حياته لجعل تلك الشخصية حقيقية ومقنعة . ينتمي خوليو إلى الطبقة الوسطى ويدمج عائلة نموذجية مع زوجته سيلفيا (أليخاندرا فليشنر) وطفليهما فيرونيكا وخافيير. يشعر ستراسيرا بالقلق من الحياة الرومانسية لابنته التي تواعد رجلا أكبر منها بقليل . بعد فشله في تجنيد أسماء كبيرة، يتلقى ستراسيرا المساعدة من مجموعة من المحامين الشباب لا يملكون أي خبرة وينضمون لأسباب مختلفة، لكنه يفاجئ بمساعده الشاب لويس مورينو أوكامبو (بيتر لانزاني). أوكامبو مختلف بصفته سليل عائلة عسكرية ميسورة الحال ولديه صلة مباشرة بمشاعر الطبقة الحاكمة عن طريق ووالدته (سوزانا بامبين) على وجه الخصوص التي ترفض تطوع ابنها إلى فريق المدعي العام. من ناحية أخرى، يعتقد مورينو أوكامبو، مثل كل شاب، أن التغيير ممكن، على الرغم من أنه يأتي من عائلة ثرية، مع تقاليد عسكرية ومسيحية. يسافر المدعون العامون جنبا إلى جنب مع فريق مرتجل من الشباب المتحمسين الذين يمثلون أيديولوجية الأجيال الجديدة في جميع أنحاء البلاد بحثا عن الأدلة والشهود المحتملين. وكذالك يحتاج المدعي العام استشارة صديقة الكاتب المسرحي كارلوس سوميليانا (كلاوديو دا باسانو) الذي سبق وأن عمل في المحاكم . يبدأ المدعي العام بسماع شهادة الضحايا أو الأهل من المختطفين والمغيبين في سجون الدكتاتور . وهناك ضحايا مازالوا خائفين من الإدلاء بشهادتهم مثل الضحية (زيلايا) الذي يخبر المدعي العام أن أحد الجلادين يعمل الآن لدي المحافظ الجديد ، والطبيب الذي تفقد جروحي وأنا أتحمل المزيد من الصدمات الكهربائية في المعتقل هو الآخرأصبح الآن مديرا للمستشفى! ، لا يمكن حماية أحد طالما كلاب المجلس العسكري أحرار وهذه هي الحقيقة المؤسفة . هذه الشهادات وصمة عار تلاحق رجال النظام الدكتاتوري لارتكابهم الجرائم والممارسات اللإنسانية بحق المدنيين . محاولة المخرج سانتياغو ميتري ترسيخ الجانب الإنساني من التاريخ هو أحد إنجازات الرئيسية التي تسمح لنا بالدخول إلى الحقيقة نفسها في ملحمة المحاكمة . وقبل المحاكمة والمقاضاة، قام المدانون أيضا في تدمير الأدلة والسجلات الخاصة التي تثبت جرائمهم ضد الإنسانية .
روى أكثر من 800 شاهد قصصهم خلال المحاكمة التي استمرت خمسة أشهر. وصور ميتري مشاهده الطويلة والمقنعة التي تظهر هؤلاء الشهود للادعاء في قاعة المحكمة الفعلية التي جرت فيها المحاكمة، مما أعطى التصوير جوا مشحونا بالأسى ملموسا على الشاشة. وفي الحياة الواقعية حين تم عرض المحاكمة على شاشة التلفزيون الأرجنتيني وليلة بعد ليلة التي ساهمت في تغير العقول ، حتى والدة مورينو أوكامبو نشاهدها وقد تغير موقفها ووقفت بجانب المعتقلين والمعذبين . يعيدنا فيلم المخرج الأرجنتيني والمشارك في كتابة السيناريو سانتياغو ميتري المثير إلى الأيام المضطربة التي أعقبت إزاحة الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين مباشرة، يركز سرد الكاتب على التحقيق وإجراءات المدعون العامون خوليو سيزارستراسيرا (ريكاردو دارين) ولويس مورينو أوكامبو (بيتر لانزاني)، الذين على الرغم من التهديدات والضغوط المستمرة كانت لديهم الشجاعة لتنفيذ مثل هذه المهمة . يمكننا أن نتفق على أن التاريخ يعيش مرتين: عندما نعيش أحداثه، وأخرى عندما نستعيد مخزونه في الذاكرة . من إخراج سانتياغو ميتري وكتبه هو وماريانو ليناس، أهم عرض أول لهذا العام يتبع محاكمة المجلس العسكري، ولكن بالإضافة إلى هذه اللحظة المفصلية في تاريخ البلاد، يركز المخرج على إنسانية شخصياته، على وراء كواليس المحاكمة وكيف كان على هؤلاء الأشخاص مواجهة القوة الحقيقية للحصول على العدالة. هذا لا يتعرض فقط من خلال نص محكم ورائع مع اللمسات الضرورية من الكوميديا التي تكشف خصوصياتنا. ولكن أيضا للعروض ، التي تستحق كل الثناء ، من نجومها . من المناسب التأكيد على أهمية الأسرة والعلاقات الأسرية في الفيلم التي تدل على تغيير التقاليد ، وتفتح الطريق أمام عادات جديدة وطريقة جديدة لممارسة الأبوة وتصبح صداقة. وهذا يعني أنه في هذه العودة إلى الديمقراطية ، يبدو أن بعض الشكليات يتم تفكيكها وتحويلها مما يؤدي إلى مساحات جديدة من العلاقة الحميمة والحوارات بين الآباء والأطفال. تعلم ستراسيرا وسيلفيا أطفالهما تقدير الحرية والديمقراطية. لذا فإن إحدى القيم الرائعة التي ينقلها الفيلم هي إمكانية تربية الأطفال دون خوف . من ناحية أخرى ، فإنه يظهر أيضا ظهور التلفزيون كعنصر مدمج في الحياة الأسرية ، ومعه دور وسائل الإعلام .
مخرج فيلم الأرجنتين 1985 ، يأخذنا إلى الديمقراطية الأرجنتينية في ثمانينيات القرن الماضي في بلد يأمل في الحرية والسلام بعد سنوات من والقمع والتعذيب. يضعنا المخرج في سياق تاريخي يمثل "محاكمة المجالس العسكرية" التي سعى بها جزء كبير من المجتمع إلى تحقيق العدالة لتحقيق هذا السلام . نظام قضائي يجعل القادة العسكريين للديكتاتورية يدفعون ثمن عمليات الاختطاف والاختفاء والتعذيب والقتل التي ارتكبت بين عامي 1976 و 1983. شعور تشاركه أيضا حكومة هذه الديمقراطية الجديدة. حكومة تفهم في الوقت نفسه رفض القوة العسكرية المشاركة في التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان هذه على أنه تهديد لذلك السلام المنشود . يكشف فيلم الأرجنتين 1985 عن جزء معين من تاريخ الأرجنتين. معتمداّ على آلام مجتمع محطم لخلق الديمقراطية التي يستحقها المجتمع ، ويريد تحقيق العدالة ، يظهر سانتياغو ميتري صوت ضحايا الانتهاكات خلال الديكتاتورية . التاريخ يكتبه أولئك الذين يجرؤون على القيام بذلك ، بعيدا عن الجميع وعلى الرغم من الجميع على الإطلاق. كان خوليو سيزار ستراسيرا أحد هؤلاء الأشخاص، الذين تحملوا مع لويس ماريا أوكامبو وفريق من الشباب واحدة من أهم التجارب. يخبرنا المخرج سانتياغو ميتري عن حدث تاريخي كان بطوليا لديمقراطية البلاد . للقيام بذلك ، يسعى إلى نقل المشاهد إلى لحظة محددة من التاريخ وإبلاغ منظور الحدث. كما أنه يحاول ربطنا عاطفيا بالموقف ، على الرغم من أنه لا ينجح منذ البداية. بداية الفيلم هي مجرد معلومات لوضعنا في السياق ، والتي لا تزرع التعاطف الضروري للأبطال لجعل المشاهد يهتز. ومع ذلك ، مع تكشف القصة ، فإنها تقترب من إثارة حماسنا. إنه يلعب بالصور التي تتظاهر بأنها جمعت من الجلسات الحقيقية للمحاكمة ، وتبدو كما لو كانت فيلما وثائقيا ، وبالتالي تؤكد على مدى واقعية الحدث الذي يخبرنا به وتوقظ التعاطف مع الضحايا . يضيء سانتياغو ميتري القصة التي تعكس الأمل الاجتماعي الذي عاشت به هذه اللحظة والمعنى الكبير الذي كان لها لبداية الشكل السياسي الجديد . يسعى فيلم الأرجنتين 1985 أيضا إلى هذا الارتباط العاطفي من خلال السيناريو. يستخدم ميتري مع ماريانو ليناس مونولوجات من قبل بعض الشخصيات الفعالة في شرح العواقب الشخصية في الضحايا الذين تعرضوا للإساءة والتواصل من خلال قصة الشخصية المنبعثة .
في مؤتمر صحفي، تحدث مخرج الفيلم " سانتياغو ميتري" بعد العرض : "إذا كان هناك شيء اعتقدنا أن محاكمة 85 قد حسمته إلى الأبد هو العنف كإمكانية لحل النزاعات السياسية، فهو شيء نرفضه بشدة " ، و في مقابلة مع صحيفة لوس أنجلوس تايمز أكد المخرج ميتري "فيلم الأرجنتين 1985 هو فيلم عن الديمقراطية وعن كيفية بنائها بعد مأساة كبيرة أو حلقة مؤلمة في بلد مثل الدكتاتورية، وقبل كل شيء، دكتاتورية دموية مثل الأرجنتين، إن تسليط الضوء على قصة حقيقة بطولية – معقولة وإنسانية ومتماسكة – عن الديمقراطية هو أيضا إبراز لقيمة المؤسسات في اللحظات المتطرفة إلى حد ما عندما يتم التشكيك في بعض القضايا الأساسية. ولتذكير الأجيال الجديدة، وخاصة أولئك الذين يتظاهرون بتجاهل أهوال الدكتاتورية، بأن أيّ طريق آخر غير المسار الديمقراطي يؤدي إلى مصير أسوأ بكثير. لقد قيل آنذاك ويجدر تكراره الآن: لن يحدث ذلك مرة أخرى أبدا " . حاول المخرج من خلال السيناريو الذي ساهم في كتابته تجنب فكرة الانتقام السياسي التي ستحول الفيلم إلى كتيّب سياسي مؤدلج، بل أراد كشف الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان. حتى اللحظات التي تأتي فيها المشاهد الدرامية المؤثرة، مثل مشهد شهادة المرأة الحامل المختطفة التي تلد في سيارة الدورية والمرافعة الختامية لستراسيرا تمكنت من الابتعاد عن التقليدية من خلال العمل مع شريكه المنتظم في الكتابة ماريانو ليناس ، تعمق ميتري في البحث عن هذا الحدث، وأجرى مقابلات مع الشهود، والمشاركين في المحاكمة، والبحث عن في المحفوظات وزيارة بعض المواقع، وهي عملية تستغرق عامين .
في الختام : فيلم الأرجنتين، 1985 يروي بشكل توثيقي أحد أهم الأحداث في تاريخ الأرجنتين ألا وهي محاكمة العسكريين المذنبين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية . هو أيضا رسالة حب لنضال أمة تعرض نسيجها الاجتماعي لأكثر تضررا. وتجربة في الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات التي عرفنا كيف نستعيدها ،إنه نوع الفيلم الذي يظهر لنا قوة الفن وقوة السينما وأهمية الحفاظ على تاريخنا حيا. إنه نوع من دروس التاريخ للشباب الذين قد لا يكونون عاشوا بشأن الأحداث القاسية التي وقعت في أمريكا اللاتينية وفي أي مكان في العالم ودور الولايات المتحدة ألامريكية في الانقلابات العسكرية وصعود الديكتاتورية وسعارها المحوم في تدمير الشعوب التي تتطلع للحرية والاستقلال .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن