قمة جدة – تحول جيوسياسي هائل

زياد الزبيدي
ziadsz@yahoo.com

2023 / 5 / 22

نافذة على الصحافة الروسية
نطل منها على أهم الأحداث في العالمين الروسي والعربي والعالم أجمع



كيريل سيميونوف
كاتب صحفي وعالم سياسي، خبير في مجال نزاعات الشرق الأوسط و الحركات الإسلامية والمنظمات الإرهابية وخبير المجلس الروسي للشؤون الدولية

19 مايو 2023

• تعريب د. زياد الزبيدي بتصرف*

شارك الرئيس السوري ، بشار الأسد ، في 19 أيار / مايو ، في القمة العربية المنعقدة في جدة في المملكة العربية السعودية. الزعيم السوري يشارك للمرة الأولى منذ عام 2010.
في 7 مايو ، قرر وزراء خارجية الدول الأعضاء في الجامعة العربية إعادة سوريا إلى المنظمة بعد استبعادها في عام 2011 ، عندما كانت البلاد غارقة في حرب أهلية طاحنة.
بالنسبة لرئيس الجمهورية العربية السورية ، فإن زيارة جدة ، حيث لقي ترحيبا حارا من قبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ، بالطبع ، يمكن اعتبارها بمثابة "انتصار" دبلوماسي أنهى أخيرًا عزلة دمشق و أكد الشرعية الدولية للأسد كرئيس للدولة السورية.
وبالتالي ، فإن مشاركة الرئيس السوري في قمة الجامعة العربية هي نقطة رمزية في نهاية الحرب الأهلية والاعتراف الكامل بالأسد باعتباره المنتصر في هذا الصراع.

الأسد "يوازنه" زيلينسكي

أثارت استعادة عضوية سوريا في جامعة الدول العربية ومشاركة رئيسها في قمة المنظمة بالفعل ردود فعل قوية في الولايات المتحدة ، حيث دعا أعضاء في الكونغرس إدارة جو بايدن إلى فرض عقوبات جديدة على دمشق.
وقالت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب في بيان وقعه الجمهوري مايكل ماكول والديمقراطي جريجوري ميكس إن "إعادة قبول الأسد في جامعة الدول العربية خطأ استراتيجي خطير سيدفع الأسد وروسيا وإيران لمواصلة قتل المدنيين وزيادة زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط".
في الوقت نفسه ، أخذ البلد المضيف ، في شخص المملكة العربية السعودية ، في الاعتبار مثل هذا الرفض من قبل الولايات المتحدة والغرب. ومن أجل عدم تفاقم العلاقات المتوترة بالفعل مع واشنطن ، تقرر موازنة مشاركة الأسد في الحدث من خلال دعوة رئيس نظام كييف ، فولوديمير زيلينسكي ، إليها. هذه الخطوة ، كما تصورها المنظمون ، كان ينبغي استقبالها بشكل إيجابي في الغرب.
إيغور سوبوتين ، الخبير في العلاقات الدولية و الشرق الأوسط ، قال معلقا لوكالة أنباء REGNUM تحديدًا "إن رحلة زيلينسكي وخطابه في قمة جامعة الدول العربية يهدفان إلى إعادة ترتيب التركيز على أهمية هذا الاجتماع العربي البيني. كان من المفترض في الأصل أن تكون المحادثات في جدة انعكاسًا لنجاح الدبلوماسية الروسية ، والتي من أجلها اتضح أن عملية إعادة سوريا إلى حضن الأسرة العربية تتطلب الكثير من الموارد. واعتبر وصول الأسد لحظة محورية في القمة الإقليمية.
من المرجح أن البيت الحاكم السعودي ، بموافقته على إستضافة زيلينسكي ، قد قرر إسكات الاعتراضات الغربية. أي على المستوى الإقليمي ، تنتهج المملكة سياسة تتعارض مع المقاربات المقبولة عمومًا وتستعيد مكانة دمشق ، وعلى المستوى العالمي ، على العكس من ذلك ، تحاول تلبية توقعات حليفتها في شخص الولايات المتحدة. و مما يدل على ذلك تنويع اتصالاتها الدبلوماسية واستعدادها للعب دور الوسيط في المشكلة الأوكرانية.
وقال سوبوتين "يمكن القول إن المملكة العربية السعودية لعبت على تغيير الحجم" (كما يحدث عند تكبير او تصغير الصورة على شاشة الكمبيوتر-المترجم) في القمة من أجل تجنب خلاف محتمل بشأن القضية السورية والقمة العربية مقدما".

التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط

من جهة ، وكما أشرنا أعلاه ، فإن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية لا يمكن أن تتم دون تدخل روسيا في الصراع السوري وقدرتها على إنشاء نظام متعدد المستويات من الأطراف المعنية حول التسوية السورية ، وتوفير الإتصال فيما بينها ودمشق.
بدأ ذلك بالتطبيع التدريجي لعلاقات الجمهورية العربية السورية مع الإمارات والبحرين ومصر وانتهى في المرحلة الحالية بإعادة العلاقات مع السعودية وكذلك مع تركيا التي تتطور الاتصالات معها. في كل هذه العمليات ، لعبت الدبلوماسية الروسية دورًا نشطًا ، وبدون ذلك ، لا يمكن أن يكون هناك أي حديث حول انتصار الأسد.
من ناحية أخرى ، هناك أيضًا العامل الإيراني: من غير المرجح أن بكون الدعم العسكري الروسي قد ساعد حكومة الأسد بأي شكل من الأشكال لو لم يأت الإيرانيون لمساعدته في بداية الحرب الأهلية.
كان دعم طهران هو الذي استطاع إبقاء النظام السوري واقفاً على قدميه حتى خريف عام 2015 ، عندما وصلت أول مجموعة من الطائرات الروسية إلى سوريا. وإيران هي أقرب حليف لسوريا ولها التأثير الأكبر في صنع القرار في دمشق.
لذلك ، كان شرط عودة سوريا للمشاركة في الجامعة العربية هو تطبيع العلاقات بين طهران والرياض ، اللتان كانتا في حالة استعداد لمواجهة عسكرية مع بعضهما البعض. في الوقت نفسه ، كانت الحالة اليمنية ، وليس السورية ، هي التي كانت حاسمة في عملية إعادة العلاقات الإيرانية السعودية.
أي يمكننا القول إن الطريق إلى موقف أكثر قبولا من السعودية تجاه سوريا يمر عبر اليمن وتوقف حلفاء إيران في هذا البلد (المتمردين الحوثيين) عن مواصلة الهجمات الصاروخية على السعودية.
وأخيرًا ، فإن المنصة المشتركة التي استندت إليها الاتجاهات المذكورة أعلاه هي أزمة العلاقات بين الملكيات العربية في الخليج العربي ، وخاصة المملكة العربية السعودية ، مع الولايات المتحدة.
إن "الركود" في العلاقات بين الولايات المتحدة والأنظمة الملكية العربية هو الذي جعل هذه الدول محصنة ضد رغبات واشنطن، ومنها رفضها القاطع لتطبيع العلاقات بين الدول العربية والأسد ، وعودة سوريا إلى الجامعة العربية.
وبالتالي ، فإن استعادة عضوية سوريا في جامعة الدول العربية هي خطوة مهمة في تحول إقليمي جيوسياسي أكبر ، ونتيجة لذلك دخلت دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في عدد من التحالفات الدبلوماسية الجديدة التي تتحدى النظام الإقليمي القائم .
كما أن إعادة توحيد سوريا مع العالم العربي هو بالتأكيد مؤشر على الدور المتزايد للمملكة العربية السعودية كقوة إقليمية. حتى إخفاقات الرياض في الصراع اليمني لم تمنع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان من قيادة المملكة على طريق صيرورتها قطبًا آخر في العالم متعدد الأقطاب.
بعض الدول العربية مثل قطر والكويت والمغرب رفضت تطبيع العلاقات مع دمشق وتواصل القول بأن حكومة الأسد غير شرعية. رغم ذلك ، استخدمت السعودية نفوذها كقائدة في العالمين العربي والإسلامي لإقناعها بعدم الاعتراض على عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية.
الخطوة تأخذ طابعا براغماتيا عمليا من جانبهم ، حيث تفضل الرياض وعواصم عربية أخرى التعامل مع دمشق على أساس كيفية فهمهم للمصالح الوطنية لبلدانهم.
في الأشهر الأخيرة ، تصرفت هذه الدول بشكل مستقل وبشكل متزايد. في الوقت نفسه ، دخلت قوى فاعلة جديدة مثل الصين ، لتحدي الولايات المتحدة وحلّت محل واشنطن بصفتها الوسيط الرئيسي في المنطقة ، ودفعت بالصفقة الإيرانية - السعودية.
بالإضافة إلى ذلك ، لا يمكن تجاهل تداعيات الزلزال المدمر الذي وقع في 6 شباط فبراير المنصرم ، والذي أثر بشكل خطير على جزء من سوريا، وهو ما سبب تسارع القرار الذي اتخذته العواصم العربية بتخفيف ضغطها على دمشق في وقت كانت تكافح فيه للحصول على المساعدة التي تشتد الحاجة إليها في ظل العقوبات الحالية.

مراقبة النجاح والفشل تحت المجهر

يجب أن يؤخذ في الاعتبار أيضًا أنه لا توجد "وجبات مجانية" في سياسات دول الشرق الأوسط. لن تقتصر رحلة الزعيم السوري إلى جدة بأي حال من الأحوال على إلقاء التحية و "الطبطبة" على كتفه . هذا ، بالطبع ، مهم ورمزي أيضًا ، لكن القضايا الموضوعية لا تزال في المقدمة.
على وجه الخصوص ، حول كيف وبأي طريقة تنوي الحكومة السورية الوفاء بالشروط التي طرحتها دول الجامعة العربية على دمشق كخطوات ضرورية. ارتبطت استعادة عضوية سوريا في الجامعة بتنفيذ الحكومة السورية "لخارطة الطريق" المقابلة. أي أن قرار عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية كان بالطبع "دفعة" لقيادتها تحت الحساب.
وجاءت عودة سوريا للمشاركة في جامعة الدول العربية في أعقاب مبادرة أردنية أعلن عنها في اجتماع لوزراء خارجية سوريا والدول العربية في عمان في الأول من أيار / مايو. تضمنت المبادرة خطة عمل لإنهاء الصراع الأهلي في سوريا. وتشمل حل موضوع اللاجئين والبحث عن الأسرى و المفقودين والإفراج عنهم ووقف تهريب المخدرات وسحب المسلحين الموالين لإيران.
الأردن هو طريق العبور الرئيسي للمخدرات السورية "الكبتاغون" إلى دول الخليج العربي وهو على استعداد لاتخاذ إجراءات أحادية الجانب إذا لم يرى تحركًا حاسمًا من دمشق للحد من تجارة المخدرات.
لقد أرسلت عمان بالفعل إشارة كهذه عشية رحلة الأسد إلى جدة. هاجم سلاح الجو الأردني ، في 8 أيار مايو ، مقرًا لتجار المخدرات السوريين في جنوب سوريا في محافظة السويداء. نتيجة الغارة الجوية الأردنية ، قُتل أحد قادة مهربي المخدرات السوريين ، المدعو مرعي الرمتان.
كذلك ، وبحسب مسؤول أردني ، فإن سوريا بحاجة إلى إظهار جديتها في التوصل إلى حل سياسي ، لأن هذا سيكون شرطا مسبقا للضغط من أجل رفع أي عقوبات غربية. وهذا بدوره يعد خطوة مهمة في تمويل اعادة البناء في الجمهورية العربية السورية وجذب الاستثمارات من دول جامعة الدول العربية.
بالإضافة إلى ذلك ، لتتبع مسار الحركة السورية على طول "خارطة الطريق" التي اتفق عليها مع الجامعة العربية ، تم تشكيل لجنة خاصة لرصد نجاحات وإخفاقات دمشق في هذا المسار واستخلاص النتائج المناسبة.

وما هي مكاسب روسيا من كل ذلك ؟

بالطبع ، لعبت روسيا دورًا رئيسيًا في العملية التي أعادت سوريا إلى حظيرة الدول العربية. ومع ذلك ، لا ينبغي للمرء أن يكون متفائلاً للغاية بشأن المكاسب المحتملة لموسكو من هذه الخطوة.
بطبيعة الحال ، فإن استعادة العلاقات الاقتصادية بين سوريا والدول العربية يمكن أن تحول سوريا إلى عنصر آخر في نظام الالتفاف على العقوبات ضد روسيا. قد تساهم مناطق "رمادية" عديدة في سوريا في تحويل هذا البلد إلى مركز آخر للتغلب على القيود الغربية. لكن من أجل ذلك ، من الضروري إنشاء بنية تحتية مناسبة في البلاد ، والتي لم تظهر روسيا اهتمامًا متزايدًا بها بعد.
على وجه الخصوص ، لم يكن هناك أي استثمار كبير في ميناء طرطوس منذ توقيع الاتفاقية الروسية السورية قبل بضع سنوات حول إدارة منشأة البنية التحتية هذه ، والتي هي بحاجة إلى تحديث وإعادة إعمار جديين.
من ناحية أخرى ، لا ينبغي للمرء أن ينغمس في التشاؤم المفرط بشأن حقيقة أن التقارب بين الجمهورية العربية السورية والدول العربية سيزيد من تقليص النفوذ الروسي في هذا البلد ، حيث كان من الصعب بالفعل على روسيا التنافس مع إيران.
نعتقد أنه طالما بقي الأسد في السلطة ، فإن سوريا لن تبتعد عن روسيا.
لا تزال هناك مناطق في البلاد تحت سيطرة المعارضة والجماعات المتطرفة ، والتي يمكن مقارنة قدرتها القتالية وأعدادها بقوات الحكومة السورية. في ظل هذه الظروف ، سيصبح رحيل روسيا مشكلة وجودية للأسد.
أخيرًا ، إذا تحدثنا عن المحتوى الاقتصادي للعلاقات الروسية السورية ، فلم يتم وضعها في المقام الأول أبدًا ، بل كانت عنصرًا مصاحبًا للتعاون العسكري - السياسي بين موسكو ودمشق. بالنسبة لروسيا ، فإن بؤرة الاهتمام بسوريا هي في المقام الأول "موقعها الجيوسياسي".
هذا البلد عنصر مهم في السياسة الخارجية الروسية ، لأنه من المنصة السورية ، تبسط روسيا قوتها على المنطقة بأكملها. يمنح الوجود العسكري روسيا الفرصة للمشاركة في سياسات الشرق الأوسط كلاعب كامل في المنطقة ، وليس مجرد لاعب من خارجها.
أخيرًا ، لا تؤكد روسيا وجودها العسكري والسياسي في الشرق الأوسط فحسب ، بل إنها تهدد أيضًا الجناح الجنوبي لحلف الناتو. بالإضافة إلى ذلك ، فإن القواعد الروسية في منطقة سوريا هي نقطة وسيطة للتقدم نحو إفريقيا.
لذلك ، فإن روسيا ستكون مستعدة للعمل كضامن للاستقرار في سوريا ، بما في ذلك في مسألة تأمين الاستثمارات من الدول العربية. بطريقة أو بأخرى ، ستستفيد موسكو من استعادة عضوية دمشق في جامعة الدول العربية ومن غير المرجح أن تخسر شيئًا.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن