سيولُ ربيع الشمال: 5

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 5 / 21

الربيعُ يزداد ملاحةً، وكانت إحدى أجمل زهوره تلك الفتاة، صديقة تاجر المخدرات، التي أمِلَ دارين لو تسنحُ الفرصةُ كي يراها مرةً أخرى وإكمالَ حديثٍ بدأه معها ولا يعلم إلا الله إلى أينَ سيؤدي بعدئذٍ. في مقابل ذلك، كانت علاقته مع ماهو قد بدأت تسوء أكثر فأكثر. أخبرته ذات يوم أنها حاملٌ، وليسَ بدون ملامح الشاعرة بالذنب. لكن ظهرَ سريعاً أنها مشاعرُ مُمَثلة، حَسْب. إذ ما أن طلبَ منها الذهابَ إلى الطبيب، بهدف إسقاط الحمل، إلا وثارت في وجهه: " أنتَ إنسانٌ أنانيّ، بل لستَ إنساناً أصلاً! "
" تذكّري، أنتِ الإنسانة جداً، أننا اتفقنا منذ البداية أن نكون صديقين "، قال لها بهدوء. قلبت عند ذلك صفحاتِ الدفتر، رجوعاً إلى الوراء، لا لكي تبرهن عكسَ تأكيده بل لتأكيد كلامها عن أنانيته: " أجبرتني في الفراش على ممارسة أشياء مذمومة، مثلما أنني لم أصل مرةً إلى النشوة في الممارسة المألوفة "، قالتها وهيَ بغاية الغيظ. ثم انتزعت صحيفة عربية كانت بيده، فمزقتها شرّ تمزيق كما لو كانت تتمنى لو تفعل به ذلك. غبّ مغادرتها الغرفة، تمنى بدَوره لو أنها لا تعودَ أبداً.
لكنها عادت بعد نحو أسبوع، على أمل أنها ستبهره بهيئتها الجديدة. رآها في ذلك الصباح تنتظره في المطبخ، تلبسُ على غير العادة تنورةً قصيرة، برز منها فيزونها الأسود البرّاق. وكان شعرها مصبوغاً بمادة الأوكسجين، وكذلك كل جسدها ( كما تبيّنه لاحقاً في الفراش )؛ وهوَ أمرٌ لم يألفه أيضاً منها. سألها بنبرة ساخرة، بهدف إثارة غيظها مجدداً: " هل أنتِ قادمة من الديسكو؟ "
" أيّ ديسكو، بابا، ونحنُ في أول النهار؟ "، ردّت ضاحكة ومعتقدة أن هيئتها أثارته فعلاً. بيدَ أنه احتفظ ببرودته، مُصمماً على ألا تخونه الإرادة. إنه في ذلك الأسبوع المنقضي، حصلَ مرةً على الجنس من خلال لقاءٍ عابر مع إحداهن، كان قد تعرّفَ عليها في الملهى.
كان نورو يُراقص امرأةً ثلاثينية، ثمة في الملهى، ومن ثمّ اصطحبها إلى طاولةٍ يجلسُ إليها دارين مع " رمّو ". هذا الأخير، تعرفنا إليه عندما كان يُقيم قبلاً في شقة تركي. وما عتمَ أن تركه كي يستأجر مسكناً آخر، بالمشاركة هذه المرة مع ملّاك الأراضي. هذا الشاب العشرينيّ، الذي بدا سابقاً لدارين أنه كتومٌ ومتحفّظ، سيُنحّي الآنَ تلك الصفتين ليظهرَ مُنطلقاً وبلسانٍ ذربٍ؛ بالأخص مع النساء. ها هوَ يتلقى " أميلي " بوابلٍ من العبارات، المُظهرة اتقانه للسويدية. إلا أنّ المرأةَ لم تعره اهتماماً خاصّاً، وفي المقابل، ظلت ترمقُ دارين بنظراتٍ مواربة وذلك قبل أن تدعوه للرقص. دمدمَ نورو عندئذٍ من فمه، المُزيّن بشاربٍ أنيق: " أحدهما هجمَ عليها بلسانه الجميل، والآخر سحرها بلحية غيفارا! "
" إطمئن، لن أزيد عن الرقص معها "، ردّ عليه دارين قبل لحاقه بالمرأة إلى صالة الرقص. احتفظ بهذه الشهامة فيما تبقى من الوقت، ثم مضى مع الصديقين في سيارة أجرة لإكمال السهرة في شقتهما؛ وكانت أميلي معهم. عادوا ثمة لمقارعة الشراب. وفي الأثناء، كان رمّو يُترجم للضيفة هذيانَ شريك الشقة. فلما أطنبَ هذا الأخير بغناه ورغبته باصطفاء أميلي كشريكة حياة، فإنها ألقت نظرةً على ساعتها: " سنلتقي في العطلة المقبلة بنفس الديسكو "، قالتها ثم نهضت وهيَ تترنّحُ. لكنها عادت وجلست ريثما تصل سيارةُ أجرة، طلبها رمّو من خلال الهاتف. ومن ثم أعربَ دارين، بدَوره، عن رغبته الركوبَ مع الضيفة إلى المدينة. في السيارة، راحت هذه تلاطفُ مرافقها وكانَ الشرابُ قد تمكّن منها. لما وصلت السيارة إلى العنوان المطلوب، سأل السائقُ رفيقَ المرأة: " أنتَ ستكملُ معي، أليسَ صحيحاً؟ "
" لا، ستكملُ الطريقَ لوحدك! "، ردّت المرأة الثملة وهيَ تدفعُ الشابَ أمامها إلى خارج السيارة. سرعانَ ما احتوتهما حجرة النوم، فخلعَ كل منهما ملابسَ صاحبه قبيل الارتماء في ملعب المتعة. لكن دارين تفقّدَ صاحبته في الشوط الثاني، عقبَ عودته من الحمّام، ليراها مستغرقة في النوم. بعد يومين، دعته أميلي إلى السهر في بار معروف يقع بالقرب من المكتبة العامة. وكأنما انتقلت عدوى الكتب إلى جلستهما، فأمضت أميلي الوقتَ في الحديث عن العباقرة المجانين ـ نظير غوغول ونيتشة وفان غوغ ودالي ـ لدرجة أن أرواحَ هؤلاء كانت تطيرُ في فضاء البار مع تهويمات السكارى. إلا أنها، في هذه المرة، لم تفرط في الشراب؛ وكانَ ذلك، إلى حدّ ما، من سوء حظ رفيقها: في حجرة النوم، ثمة في شقتها، استلقت عاريةً على السرير وراحت تداعبُ نفسها بأداة كهربائية على شكل الذّكر. لقد تجاهلت عندئذٍ وجودَهُ، مريدةُ العباقرة المجانين، ما حَمَله على مغادرة منزلها إلى غير رجعة.
الآنَ مع عودة ماهو مُجدداً، استعادَ دارين ذلك الموقف الأخير في شقة المرأة السويدية. شاءَ أن يتصرف أيضاً مع صديقته بطريقةٍ ما، تجعلها تغادرُ حياته أبداً. لكن بروده لم يكن كافياً، على ما يبدو. وهيَ ذي تتأثرُ خطاه باتجاه حجرته، لترتمي من ثم على السرير: " لقد أعطتني ابنة عمي زجاجتيّ نبيذ، وأرغبُ بالشرب معك ليلاً. بودّي أن أثمل، لكي أتورط معك في أفعال منافية تماماً للحشمة! "، قالت الجملة الأخيرة بالفارسية.
وإذاً، لم تترك وسيلةً لإرضائه، وذلك لما جمعهما السريرُ في نفس الليلة بغرفتها. وكانَ دارين قد سلا أمرَ هجرانها حينَ حصلَ ما لم يكن بالحسبان. فدفعاً للملل، نهضت إلى جهاز الفيديو كي تضع فيه شريطَ فيلمٍ دنماركيّ مترجمٍ للسويدية، يتضمنُ حكاية إباحية. تابعا أحداثَ الفيلم، لحين أن ظهرت إحداهن مقيّدة إلى السرير وبضعة رجال يمارسون معها الجنس. التفتَ دارين عندئذٍ إلى ماهو، ليتساءل دونَ سابق قصد: " هذا ما جرى معكِ في السجن، هناك في إيران. أليسَ كذلك؟ ".
انتفضت على الفور، مصوبةً إليه نظرةً سوداء: " كيف تجرؤ على تشبيهي، أنا المناضلة، بهذه القحبة؟ "، قالتها ثم نهضت لتشعل سيجارة. مع مرور الوقت، وبالرغم من تكراره للاعتذار، فإنها ظلت محتفظة بالصمت فيما هيَ تدخن. أدرك دارين، حزيناً ومتوجّساً، أنه نكأ جرحَ مرضها النفسيّ. لما آبت أخيراً إلى السرير مع القدح، ارتجفت يدها ما أدى إلى اندلاق شيءٍ من الشراب على بطنه العاري. " آه "، قالتها بطريقة اعتذار وما لبثت أن أطلقت ضحكة عالية. إذاك تفاقمَ قلقُ دارين على حالة صديقته، فدعاها للخروج معاً من المسكن بهدف التمشي في هواء الربيع. ردّت بجفاء دونَ أن تنظر إليه: " إذهب لوحدك، فأنا أرغبُ بالنوم ". دقائق أخرى، ورأى نفسه على ضفة النهر، وكان ما فتأ يتنفسُ بعمق عقبَ إنجلاء الموقف الكابوسيّ.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن