سيولُ ربيع الشمال: 4

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 5 / 20

في كلّ مرة، كان ينتقلُ نزلاءٌ من الكوريدور ويحل آخرون بمكانهم. " عباس "، كانَ من هؤلاء الأخيرين. إنه شابٌ من جنوب لبنان، كان يظنّ أنّ الوسامة متحددة بالقامة المشيقة ولون الجلد العاجيّ. لكنهما لا شيء، هنا في السويد، حيث العمالقة الأكثر نصاعة من ثلج بلدهم الأبديّ. إلى ذلك، كان ذا لسان متحذلق مع الفتيات؛ وأحياناً يقلبه إلى الصفاقة والقحّة. على خلافه، كان مسلك اللبناني الآخر، " ربيع "، الذي انتقل معه إلى المسكن في نفس اليوم. كون دارين ما فتأ في ذلك الوقت على شيءٍ من الاهتمام بالسياسة، فقد علِمَ أنّ الأول من مناصري حركة أمل، فيما الآخر كانَ شيوعياً. وإنه ربيع، مَن فاجأ دارين ذات يوم بالقول لما أعربَ له هذا عن استغرابه من برودة مواطنه معه: " لأنك على علاقةٍ بفتاة من مذهبه! ".
حقّ لدارين أن يقلّبَ لاحقاً هذا الكلامَ في رأسه، وذلك بملاحظته كيفَ توثقت صداقة عباس مع " كمال "؛ فتى من كرد تركيا، علويّ المذهب، انتقل أيضاً إلى الكوريدور مؤخراً. منذئذٍ، بدأ كلاهما يضفيان حالة من التوتر والقلق على المسكن، المتّسم بالهدوء والدِعَة: كانا نهاراً يلعبان بالكرة في الرواق الضيّق، المنتظم على جانبيه أبوابُ الحجرات، وعقبَ نوم الآخرين كانا يعمدان إلى سرقة المؤن الغذائية من ثلاجتيّ المطبخ. لم يكن عباس ليمتنع حتى عن سرقة أغراض مواطنه، اللبنانيّ.
دارين، كانَ عادةً يؤوب متأخراً من الخارج، أينَ يقضي بضع ساعاتٍ في هذا البار أو ذاك الملهى. وكانت ماهو تكره هكذا أماكن، مفضّلةً أن تنتظره في حجرتها ريثما يعود. في منتصف إحدى تلك الليالي الربيعية، كانت في الحمّام تمرر أداةَ الحلاقة على أماكن حساسة في جسدها، لما قرع أحدهم بابَ الحجرة. معتقدةً عندئذٍ أنه صديقها، أشرعت البابَ وهيَ عارية وبيدها أداتها، لتفاجأ بعباس يتطلع إليها بابتسامة هازئة من علو قامته.
في اليوم التالي، قال مُعتذراً لدارين وليسَ بدون ابتسامته الجميلة: " أردنا مجرّدَ التفكّه، كوننا نعلم أنها لا تنام قبل رجوعك من الخارج ". شاركه صديقه كمال شعورَ المرح، فيما تبرأ ربيع من ذلك التصرف الطائش. هذا الأخير، سيُعلم دارين فيما بعد أنّ عباس أخذ يتعاون مع حسين في تصريف المخدرات ليلاً لفتية الملاهي، المراهقين. أدرك دارين عند ذلك، لِمَ صارَ يلتقيهما، معاً، في بعض تلك الأماكن. حسين، من ناحيته، كانَ نادراً ما يَحظى المرءُ برؤيته في المسكن. اعتادَ أن يغيبَ عدّة أيام، ما دلّ على أنه يُقيم عند صديقةٍ ما. في الأثناء، كان ثمّة فتية من الجنسين يحضرون إلى الكوريدور كي يسألوا عنه؛ وغالبيتهم من السويديين. بعضهم كانَ ينتظره في المطبخ، وآخرون كانوا يستندون على جدران الرواق أو يتململون في مدخل المبنى. عندما كانَ يظهر أخيراً، يلوحُ متضايقاً من وجودهم فيما يُسرّع خطاه باتجاه حجرته؛ وهم يتأثرون خطاه ـ جراءٌ، تجري وراءَ الكلبة الأم.
في صباح أحد الأيام، كانَ دارين يَهمّ باجتياز عتبة حجرته باتجاه المطبخ، بهدف إعداد الفطور. وقفَ ثمة مذهولاً، مبحلقاً بعينيه، اللتين أفاقتا للتو من النوم: صبيّةٌ بديعةُ الحُسن، تكسي قامتها الفارعة بثوبٍ ربيعيّ قصير، كانت واقفة بالقرب من حجرة ذلك الإيراني. قهرته خصوصاً بالنصاعة الصاعقة لبشرتها، وبهالة شعرها العسليّ، المتناثر خصلاً على بدر سحنتها. غبَّ افاقته من شعور الدهشة، قدّرَ أنه أمامَ جمالٍ يمتّ للشاطئ الغربيّ من البحر المتوسط.
خاطبها عندئذٍ، موجوعَ القلب بالنظر لمعرفته سببَ حضورها: " حسين لم يُرَ منذ بضعة أيام، وهوَ على الأغلب عند صديقته ". رمقته بعينيها الآسرتين، اللتين يتداخل فيهما طيفٌ أخضر حول الإطار البنيّ الفاتح: " أنا صديقته! "، قالتها ثم ابتسمت. مُحرجاً قليلاً، بادرَ إلى نطقِ جملةٍ بلا معنى: " آه، طبعاً أنتِ.. ". مع أنه لا يعرف شيئاً عن هذه الفتاة، فإنه شعرَ بالمرارة في داخله: " ضحيّةٌ متكاملة لتاجر المخدرات! ". مع ذلك، وَجَدَ من الذوق أن يدعوها إلى المطبخ، أينَ الطاولة المستطيلة، المحتلة جزءاً كبيراً من مساحة المكان. قبلت دعوته بشيءٍ من التردد، وما لبثا أن تعارفا. كان اسمها " جوليا ". دارين ( مثلما سبقَ القول في مكانٍ آخر )، لطالما اهتمّ بالتاريخ والآثار، الرومانيين، وكان من الطبيعي أن يمرَّ ذلك الاسم في ذاكرته. على ذلك، سألها: " أأنتِ إيطالية؟ "
" ليسَ تماماً. إنني من أبٍ إيطالي وأم سويدية "
" حزرتُ ذلك من اسمكِ، الذي كان شائعاً في أسر روما الحاكمة "
" إنه اسمٌ سويديّ، أيضاً "، صححت له وهيَ تحتويه بعينيها في نوعٍ من الاهتمام. شاءَ لو امتلك الجرأة عندئذٍ، لكي يقول لها: " ولكن جمالكِ، مُحالٌ أن يكون له قرينٌ في السويد ". حلّ الصمتُ بينهما، ثم ما عتمَ دارين أن تذكّرَ فطوره. نهضَ من مكانه متمتماً بعبارة اعتذار، ليتناول من الثلاجة بعضَ المؤونة الخاصة به. التفتَ على الأثر إلى الموقد الكهربائي، ليبدأ بإعداد الشاي. كانَ يرغبُ بدعوتها لقدح شاي، على سبيل المجاملة، لما سمعَ أحدهم يدفعُ بابَ الكوريدور. كان حسين نفسه، الذي فوجئ بصديقته حينَ دخل إلى المطبخ وبيده بعض الأغراض: " أرجو ألا أكونَ قد تأخرتُ عليكِ؟ "، سألها وهوَ يهمّ بوضع الأغراض في الثلاجة. ما لبثت أن تلقّت قبلته، وأجابت بنعومة: " أنا هنا من فترة قصيرة، كما وتسليتُ بالحديث مع جارك ". رمقَ حسين هذا الأخيرَ، بابتسامة ودّ. ثم عادَ ليخاطبه متأففاً، مومئاً إلى الثلاجة: " لقد سرقوا المؤنَ، مرة أخرى. يا لهم من سفلة وَضيعين.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن