سيولُ ربيع الشمال: 2

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 5 / 18

وكان هناك على الطابق الثاني للكريدور، غرفٌ أخرى للاجئين، شغلَ غالبيتها الفتيات مع بعض العائلات. " ماهو "، كانت إحدى أولائي الفتيات، ولأنها إيرانية فقد تعثّر بها دارين في نفس يوم انتقالها إلى المسكن. كان خارجاً من الباب الرئيس للمبنى، لما مرتّ به ورمقته بنظرة شبقة. ثم التقى معها لاحقاً في حجرة الغسيل، فقالت له أنها رأته أول مرة في عام مضى، لما كان كلاهما في صالة انتظار الطبيب النفسي. فتذكّرَ أنه كان آنذاك بحاجةٍ لشهادة من الطبيب، لكي لا يشحنوه إلى معسكر اللاجئين، المنتظرين الإقامة، وكان يبعد عن المدينة بأكثر من نصف ساعة ركوباً بالحافلة الكبيرة. ماهو، في المقابل ( وكما لحظه دارين بنفسه لما أضحت صديقته )، كانت بحاجة للعلاج النفسي بسبب تجربة اعتقال قاسية في سجون الخميني قاموا خلالها باغتصابها بشكل متواتر. كان ثلاثة من أشقائها ينشطون في التنظيم الراديكالي، مجاهدي خلق، وتم إعدامهم في إحدى الحملات القمعية. كذلك لاحظ دارين، أنها أثناء نومها كانت تُردد كلمة " انتقام! "، المُستعارة من العربية.
" ضع ملابسك في الغسالة، وأنا سأهتمُ بها "، قدمت له ماهو هذا العرض يومئذٍ. بعد نحو ساعة، استأذنت في الدخول إلى غرفته وكانت بغاية الحَرَج: " يا إلهي، كم أنا خجلة منك! لقد وضعتُ حقيبة يدي في الغسالة، وهذه كانت النتيجة "، قالتها وهيَ تريه ملابسه البيضاء وقد تلطخت بلونٍ أسود. هوّنَ عليها شعورَ الخجل، بأن أطلق ضحكة مرحة. طفقت تنظر إليه في حيرة، فأظهرتها براءتها أكثر جمالاً مما هيَ عليه في الواقع. هذا مع أن ملامحها كانت متناسقة، وحظيت أيضاً بعينين سوداوتين كبيرتين. ولعل قِصَرُ القامة، كان الشيءَ الوحيد المُعيب في جسدها.
في منتصف ليلة اليوم نفسه، قرعت بابَ حجرته كي تشكو له جارتها: " إنها تمنعني من النوم، بشكلٍ متعمّد "
" ولِمَ تتعمّد ذلك؟ "
" لأنها بهائية من حزب الشاه! "، أجابت فيما كانت تجمعُ الفتحةَ العليا لثوب نومها. لكنها بدت أقل تحفّظاً حينَ دعاها للدخول، وما لبثت أن أبدت رغبتها بالنوم على السرير الوحيد في الحجرة. في الفراش، ما عتمَ دارين أن صارَ يتخبط بلا هُدى بين ساقيها، وكانَ حذراً لاعتقاده بأنها عذراء. إلى أن همست بالإنكليزية، أخيراً: " فك ". على الأثر، مع سيجارة مشتعلة، روت له تفاصيلَ من تجربتها المريرة في سجن النظام.
إكراماً له، على الأرجح، ادّعت ماهو ذات مرة أنها من أسرة كردية الأصل: " جاء أبي في شبابه إلى العاصمة، قادماً من مسقط رأسه في كرمنشاه. في حين أنّ أمي أساساً من طهران، من أسرة مُعتبَرة ". كانت تحاولُ إرضاءه بأيّ شكل. ولأنها طباخة ماهرة، اعتادت أن تعدّ له أشهى الأطباق، المتأصلة تاريخياً في بلاد العجم. لم يكن لها من الأقارب في السويد سوى ابنة عم، مقيمة في ستوكهولم، وكانت تزورها دورياً في العطلات. هذه الأخيرة، حضرت أكثر من مرة إلى اوبسالا بسيارتها القديمة كي تصحبهما إلى منطقة البحيرات طالما الطقسُ يسمح بذلك. لما كانت العلاقة تسوء بين دارين وماهو، لسبب من الأسباب، كانت ابنة العم تسعى لرأب الصدع من خلال الهاتف. ولأنّ صديقته تعاني كما قلنا من مشاكل نفسية، فقد تناولته بسوء الظن في حالاتٍ معينة.
في منتصف ذلك الشارع، المُنتهي بمبنى الكوريدور، كان ثمة محلٌ للمنتوجات الشرقية، أعتاد دارين على التعامل معه كون صاحبه من مواطني بلد الأرز، المعروفين ب " الماردلّية ". كان يدّعي أمام الزبائن العرب بأنه من ملّتهم، وعلى خلاف ذلك مع الكرد. بالرغم من بلادته وبرودته، لم يكن يُغلق المحل قبل أن يتأكّد من خلو بارات الشارع من مريديها؛ بالأخص أيام العطلة، التي كان يبقى ساهراً فيها إلى ساعة الفجر. أحياناً، كان من الارهاق أن ينامَ واقفاً وراء الصندوق، مُصدراً غطيطاً مُنتظماً. إذاك، كان يستحيلُ إلى أشبه بالثور الغافي في المرعى؛ هوَ المُفرط البدانة مع رأسٍ في غاية الضخامة، يبرز من جسده ـ كما الصخرة، الناتئة من الجبل.
في أوقات إياب دارين من أماكن اللهو، كانَ يحلو له أن يقضي ساعةً في المحل، ينصت إلى حكايات صاحبه عن زمن النضال اليساريّ قبل نشوب الحرب الأهلية اللبنانية وخلالها. بهذه الحالة، أضحت المناضلة ماهو من زبائن المحل أيضاً. إلى أن كانَ يوماً، ركبَ فيه صديقها إلى ستوكهولم منذ الصباح لزيارة أحد الأصدقاء. ظهراً، ظهرَ الثورُ في حوز الدور الثاني من الكوريدور، أينَ حجرة ماهو. وقد صُدمت عندئذٍ، لما فتحت البابَ. قدّم لها، على سبيل الهدية، كيساً امتلأ على الأغلب بأغذية منتهية الصلاحية. بالطبع، طردته مع نفاياته دونَ إبطاء. لكن في مساء اليوم التالي، حينَ عادَ دارين من ستوكهولم، انفجرت في وجهه: " أأخبرتَ أصحابك أنني قحبة، أُشترى بالمال؟ "، قالتها مجهشةً بالبكاء. خففَ عنها بالقول، غبَّ سماعه القصة المُخزية، أنها لا تقل حماقةً عن ذلك البليد الأرعن.
" يا لها من كاذبة، تلك الإيرانية..! "، أطلق الثورُ عبارته مع خاتمة بذيئة. ثم أضافَ بوجه الخزي، الأسوَد كعمله: " كل ما هنالك، أنني جئتك ببعض الحاجيات. لكنك لم تكن في غرفتك، فصعدت إلى صديقتك للسؤال عنك. ومن ثم وضعت الحاجيات أمام باب غرفتها، وأردت أن أقول أنها لك، حينما هبّت بوجهي كالمسعورة ". وإذا أخذنا في الحسبان لا واقعية روايته ( لم يسبق أن طلبَ منه دارين إيصال أغراض له )، يستنتج المرءُ أنه كاذبٌ. مع ذلك، مرّرَ المسألة دونما حاجةٍ إلى شجار أو قطيعة.
بعد فترة قصيرة، وكانَ دارين قد رأى نفسه في ذلك المحل في ساعة متأخرة من الليل، أخرجَ صاحبه حقيبة جلدية صغيرة وطلبَ منه ان يُسقطها في فتحة البنك على الناصية. ولعل هذه كانت طريقة حسم الضريبة في ذلك الزمن، بالرغم من أنه وقتئذٍ لم يستفهم عن ماهيتها. كل ما فعله، أن تملّص من المهمّة المُريبة. بحيث أنه كان يواصل الكلام، لما كان دارين قد اختفى في العتمة خارجاً. وكان محقاً في هواجسه تلك الليلة، مثلما ثبتَ من الواقعة التالية.
ففي ليلةٍ أخرى، كان دارين شاهداً على واقعةٍ مشينة لا يمكن أن يتذكّرها بعد مضي كل تلك الأعوام إلا ويحمر وجهه؛ كما لو أنه الملومُ. صديقان سويديان، لاحَ أنهما خارجان تواً من أحد البارات الطلابية في ذلك الشارع، دخلا إلى المحل لشراء حاجةٍ ما. أحدهما، كانَ قد ناولَ الثورَ ورقة خمسمائة كرون، لكن هذا الأخير أعاد للشاب فكّة ورقة المائة. عندئذٍ قال الشاب للبائع، مُصححاً بلطف: " أنتَ أخذتَ مني ورقة الخمسمائة "
" ماذااا؟ أصلاً لا يوجد في صندوقي ورقة خمسمائة واحدة! "، صرخَ الثورُ وهوَ يسحبُ درجَ الصندوق بحركة عصبية. بعد مجادلة قصيرة، قال الشاب وعلى فمه ابتسامة هازئة: " إعتبرْ ورقةَ الخمسمائة هدية مني لك ". عقبَ ذهابهما، تهيأ الثورُ لإغلاق المحل. أخرجَ عندئذٍ من كل جيب في بنطاله، الحائل اللون ( ربما لم يبدله مذ لحظة وصوله للسويد )، مجموعةً من الأوراق المالية ذات فئة الخمسمائة. قال لدارين بعَظَمة: " هذه فقط حصيلة اليوم، ولا علمَ لمصلحة الضرائب بها. رئيسُ بلدكم، هل يحصل على هكذا دخل يومي؟ ". لم يُجب الشابُ بشيء. أدارَ ظهره وانصرفَ دونَ تحية. تلك، كانت المرة الأخيرة، تواجدَ فيها دارين بمحل صاحب البنطال المُنتفخ بالمال الفاسد والملطّخ بالقذارة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن