الصديقُ الوحيد

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 5 / 11

أحسّ سابقاً بالبغض نحوَ ما كان يعدّها ساحةً فقيرة، يتهافتُ النصارى من بلدانهم الغنية بالقدوم إلى مراكش من أجلها: " ولعلهم يستمتعون بتأمل الفقر، على الأقل لفترة العطلة الوجيزة، قبل العودة إلى حياتهم الرغدة المألوفة في بلدانهم ". كذلك كان تقديرُ " لُوْحا " حينَ رأى نفسه في مدينة السّحر هذه، لأول مرة منذ حوالي ثلاث سنوات. لكنّه غيّرَ رأيه بالتدريج، بحُكم التجربة الغزيرة التي أتيحت له في خلال تلك السنوات. فإنّ ساحة جامع الفنا، أقنعته أنها ليست فقيرة بحالٍ من الأحوال؛ هيَ المُغدقة مالاً سخياً على أغلب مَن يتعيّش فيها من بضاعته أو مأكولاته أو ألعابه وحيله. النصارى، من ناحيتهم، لا يتجشّمونَ جميعهم عناءَ السفر لأجل هذه الساحة: " فبعضهم يجذبه إلى هذه المدينة، الإباحية المترسّخة فيها منذ زمن الجواري والغلمان. والبعض الآخر، يرغبون بالحصول على الكيف، الرخيص الثمن وشبه المشروع "، على حدّ قول معلّمه. ولكن ماذا دفعه هوَ، الفتى الغريبُ، إلى القدوم لمراكش والإقامة فيها؛ وكانَ لا يعرفُ أحداً فيها وبالكاد ينطقُ اللهجةَ الدارجة؟
أساساً، قَدِمَ لوحا إلى الحياة نفسها دونَ رغبة أحد. مع أنّ والده كان من سراة إقليم السوس، وكان يرغبُ بالتأكيد إنجابَ إبنٍ يرثُ أمواله وأملاكه. لقد وقعَ الرجل في شبابه بخطأٍ بسيط، لم يتصوّر قط أنه يُمكن أن يُحدد مصيرَه ومصائرَ آخرين أيضاً: إحدى خادمات القصبة، استمالته بفتنتها أثناء تأديتها لعملها كغسّالة ملابس، وبالنتيجة أنها حملت منه. قبل أن تُدوّي الفضيحة، حاولا بشتى الوسائل إسقاطَ الجنين. بعدئذٍ قررَ الملّاكُ الشاب الاقترانَ بالخادمة، ضارباً بعرض الحائط معارضةَ أشقائه الكبار، الناقمين على الحسناء لأنها تمنّعت عليهم فيما مضى. أغضبه ولا شك قولهم، أنه كانَ في وسعه مواصلة التمتع بخادمته دونَ حاجةٍ للزواج أو للاحتفاظ ب " وِلْد الحرام ". الصفة الأخيرة، التصقت بلوحا فيما بعد ـ كما يفعل القرادُ بجلد كلب الأزقة ـ وذلك بالرغم من الزواج الشرعيّ لمن أتيا به إلى العالم.
كبرَ الطفلُ في ظلّ والدته على هامش حياة القصبة، وكانَ لا يشعرُ تماماً أنّ لديه أباً. مع ذلك، لم يكن ينقصهما شيءٌ من الزاد طالما كانَ راعيهما بمزاجٍ طيّب. فضلاً عن حنان الأم، وجدَ الصغيرُ صدراً رحباً لدى جدّته لأبيه، التي كانت تسمحُ له باللعب في مقصورتها وتدفع عنه أذى أبناء أعمامه، المعتادين على تعييره بالنعت المعلوم. فلما توفيَ الأبُ على حين فجأة، ولم يكن يشكو من أيّ مرض، أراد الأعمامُ نفضَ أيديهم من لوحا ووالدته. إلا أنهم رضخوا على مضض لإرادة والدتهم، التي ظلّت تعطف على الكنّة والحفيد، فتركوهما يواصلان العيش في ظهرانيهم.
زوجاتُ الأعمام، كنّ قد محضنَ بدَورهن والدة لوحا نظرةً دونية ورفضن مجرّدَ التفكير باستقبالها في دُورهن. لما أضحت امرأة أرملة، غيّروا نوعاً ما من معاملتهن لها. ثم بالغوا يوماً في الاحتفاء بها، فدعَوْنها إلى وليمة عائلية، وذلك أثناء غياب حماتهن في سفرةٍ إلى مسقط رأسها. عقبَ عودة الأرملة إلى حجرتها، أحسّت بمغصٍ شديد. منذئذٍ وحتى وفاتها بعد بضعة أشهر، كانت تلوحُ مثل وردة ذاوية على أعتاب الشتاء. في أثناء ذلك، كانَ لوحا قد أكملَ دزينةً من أعوام عمره، وعليه كانَ أن يشعر بوحدة مطلقة لولا وجود الجدّة. خشيةً منها أن يدفعه الأعمامُ إلى العمل الشاق بالمزارع، وهوَ بهذه السنّ الحدثة، اتخذت من الطفل اليتيم بمثابة الخادم الخاص لها. وكان معتاداً على خدمتها قبلاً وبكل إخلاص، مدفوعاً ولا ريب بحمايتها له ولأمه. عامٌ واحدٌ على الأثر، ثم شاءَ القدرُ أن تعاني الجدّة من المرض الأخير. فانفردت به ذات يوم بين الدموع والتأوهات، لتحذّره بالقول: " سيلحقونك سريعاً، دونَ رحمة، بمصير والديك المعروف. هل تدرك ذلك؟ ". طفقَ الطفلُ صامتاً، وكان متأثراً لحال راعيته. استطردت وهيَ ما تفتأ تشرق بعبراتها: " أفهمْ ما أقوله لك، يا بنيّ. إنهم سيتخلصون منك بالسم، كيلا تحظى بنصيبك الشرعيّ في الميراث "
" الوالدة كانت تُردد نفسَ الكلام، لما وقعت مريضة "، قاطعها وقد استولى عليه شعورُ الحيرة أكثر منه الخوف. أومأت العجوز إلى ناحية الخزانة، قائلةً: " خذ الآنَ ما تجده من المال في صندوق مدّخراتي، فضعه في جيبك. اهربْ منذ هذه الليلة من الدار ولا تعُد أبداً! "
" ولكن إلى أينَ أهرب، يا جدّتي؟ "
" إلى مراكش. إنها مدينةُ المهاجرين والمظلومين، الذين لا أصدقاء لهم في هذا العالم "، أجابت وهيَ تتلوّى من الألم. انخرطَ في نوبةٍ مريرة من البكاء، فيما كان يودّع المرأةَ العطوف. ثم استعادَ سريعاً رباطة جأشه، ليمضي في التقيّد بالنصيحة المُحْتضِرة؛ هوَ مَن أدرك تماماً، ولا غرو، ما يحيق به من الخطر المهلك. كانت السماءُ تومضُ ببرق مشئوم، لما تسلل قبيل الفجر من القصبة مع زوّادة مُقتصَدة والمالُ في جيبه. فتذكّر أمه الراحلة، وكيفَ كانت تفزع في فترة مرضها من صوت احتكاك أشجار النخيل بعضها ببعض بفعل الرياح النازحة من الجبال. وهوَ ذا في سبيله للنزوح إلى المجهول، وكانَ وحيداً أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى. أجهشَ مرةً أخرى باكياً خلال الطريق، لما رفعَ بصرَهُ إلى الهضبة المُقفرة، المحتوية مقبرة البلدة، أينَ ترقدُ والدته بمنأى عن ضريح رجلها.
ظهرَ ذلك اليوم، توغلت الحافلةُ الكبيرة في شوارع مراكش، ليستقبل لوحا بعينين مبهورتين المشهدَ تلوَ المشهد من عجائب المدينة. قدّرَ بشيءٍ من السعادة، المُتماهية مع القلق، أنّ سكان بلدته الأولى يكادون لا يُسْتَوْعَبون في إحدى هذه الشوارع الأنيقة، البالغة الإتساع. عندما غادرَ محطة الأوتوبيسات، بقيَ يمشي دونَ هدفٍ مُحدد إلى أن استقبله شارع محمد الخامس بزحام مركباته. ثمة برزت لعينيه منارةُ الكتبية، المتطامنة إلى الأعالي، وما لبثت أن أضحت دليله إلى المدينة القديمة؛ مثلما تهدي منارةُ الفنار، السفنَ التائهة، باتجاه الميناء. وكانَ قد تجاوزَ البوابةَ العريضة، التي تشقّ سورَ المدينة من ناحية " غيليز "، لما شعرَ بجوعٍ ضارٍ. أخلدَ عندئذٍ إلى العَرَصَة، المليئة بأشجار الزيتون والبرتقال، ففك من ثمّ الزوادة ليتشارك فطورَهُ مع بعض العصافير. حتى ذلك الوقت، لم يتساءل أينَ سيبيت ليلته الأولى في هذه المدينة، لكنه عقبَ امتلاء معدته كانَ عليه أن ينهمكَ بالتفكير: " أمتلكُ من المال ما يكفي لاستئجار حجرة متواضعة، وبعدئذٍ أعرضُ خدمتي على مَن لديه عمل ولو كان شاقاً ". سيجدُ فعلاً المسكنَ الرخيص، هناك في أحد أزقة باب دُكالة، فيقيمُ فيه قرابة أربعة أشهر. ما لم يكن يتصوّره إذاك، أنه سيعيشُ نحوَ عامين متشرداً، يلتقط رزقه بالتسوّل أو يتطفّل على موائد النصارى في ترّاس هذا المطعم أو ذاك المقهى. وكانت ظلّات مداخل المنازل والرياضات، مأواهُ المُرتجل ليلاً. هكذا كان الحالُ، لحين أن تعرّفَ لوحا على المعلّم، المَدْعو ب " الحلايقي " وذلك بحَسَب مهنته، التي تستوعب حلقة من الجمهور في ساحة جامع الفنا.
تلك الساحة، كانت منذ أقدم العصور كرنفالاً يومياً، حافلاً بشتى مظاهر البهجة والتسلية، علاوة على المقاهي والمطاعم وأكشاك العصير والنقل، كما وانفتاحها على أهم أسواق المدينة القديمة والدروبِ المفضية إلى الأحياء العريقة. لوحا، مثلما سبقَ القول، انغرست في أعماقه كراهية هذه الساحة، حدّ أن يتجنّب غالباً المرورَ بها وبالأخص ليلاً. إنه كانَ قد ضجرَ سلفاً من كائنات الساحة، المألوفين؛ من " العيساوية "ـ حواة الأفاعي ـ وملعّبي القردة ومروّضي الجوارح، من " الحلايقية "ـ رواة الحكايات ـ والعازفين على الآلات الموسيقية وقارعي الدفوف والراقصين المخنثين، من قارئات الكفّ وناقشات الحنّاء. لكنّ باعثَ كراهيته للساحة، كان تعرّضه فيها للتحرّش الجنسيّ أكثر من مرة: ثمة تحت جنح الظلام، التصق به أحدهم من الخلف عندما كان واقفاً في حلقة إحدى الفرق الموسيقية الشعبية؛ ومن ثم لاحقه من حلقة إلى أخرى، مُطلقاً نَفَسَهُ الكريه مع دخان سيجارته. في حادثة ثانية، وكان الوقت ليلاً أيضاً، تنكّبَ ذراعَهُ عاملٌ شاب في أحد أكشاك الأطعمة هناك، عارضاً عليه بصفاقة مرافقته لمنزله في مقابل المال. في كلتا الحالتين، تملّصَ لوحا دونَ أن يدخلَ في شجار.
في خميس أحد أيام الربيع، وكان الطقسُ رائعاً بعدَ العصر، انجذبَ الفتى عند مروره في الساحة بمشهد الحلايقي العجوز، الذي كانت حكاياته تُقاطع بعواصف من الضحك والتعليقات من لدُن أفراد الحلقة، الملتفة حوله، وغالبيتهم من الشباب. شاركهم لوحا شعورَ المرح، وكان يتمكّن من فهم حديث الرجل العجوز، المَمزوج بجُمَل كاملة من لغة الشلوح. لكنّ لوحا كانَ يعلمُ مسبقاً، أنّ العجوزَ يمتلك مهاراتٍ أخرى. وهوَ ذا يعرضُ إحداها، فيطلبُ من مساعده الشاب أن يستعيرَ البطاقات الشخصية لبعض الموجودين، فيقوم هوَ بقراءة بياناتٍ معيّنة فيها وقد أدارَ ظهره لهم.
" مع كوني ريفياً، إلا أنني لا أخلو من الذكاء لكي أحزر كيفَ يقرأ المساعدُ البطاقات بطريقةٍ مختلفة كل مرة "، قالها لوحا في نفسه ساخراً. أرادَ مجرّدَ التسلية بكشف اللعبة للجمهور، فرفعَ صوته مُخاطباً العجوز: " يا معلّم، هل تسمح لي أن أقرأ إحدى البطاقات؟ "
" بما أنك دَعوتني بالمعلّم، فإنني لا أسمحُ لك! "، قالها العجوزُ مقهقهاً وشاركه الآخرون الضحك. على حين فجأة، أرتفعت أصواتُ المؤذنين تُعلن صلاةَ المغرب؛ فصَمتَ كرنفالُ الساحة دفعةً واحدة، مثلما هيَ العادة. انفضّ على الأثر جمهورُ الحلايقي، فلم يبقَ أخيراً سوى ذلك الفتى المُتحدّي. وكانَ لوحا يهمّ بدَوره بالانصراف، لما أوقفه العجوز وهوَ يقيسه بعينيه الحادتين كأعين جوارح الساحة: " واضحٌ أنكَ متشرّدٌ، بالرغم من أنّ ملامحك تشي بنبل محتدّك "، قالها ثم أضافَ: " عندي لك عملٌ يُناسب ذكاءك، لو شئتَ؟ ". بالطبع، وافقَ لوحا على الفور حتى دونَ أن يسأل عن ماهيّة العمل. عندئذٍ رمقه المساعدُ بنظرة كراهية. مضى لوحا معهما باتجاه درب " البرنس "، فاخترقوا زحامه بشق الأنفس. وهناك عند ناصية فندق " التازي "، افترقَ عنهما المساعدُ. ثم وصلا عند كشك أطعمة محلية، يطل على الشارع الفرعي المتصل مع " الملّاح "، حيث تسلّمَ العجوزُ دراجته النارية من البائع. دعا الفتى للركوب خلفه، قائلاً وقد استعاد حيويته: " سأجزيك معروفاً آخر، بإيوائك في داري ".
كانت هذه المرة الأولى، يرى فيها لوحا منطقة " أوريكا " الجبلية، المُشكّلة مجموعة من القرى والمتنزهات، مترامية معظمها على كتف وادٍ تنهمر إليه عدة شلالات ذات شهرة في عالم السياحة. في قرية " ستّي فضمة "، التي ارتقت الدراجةُ النارية دربَها الوعر مع أذان العشاء، كان ينتصب منزلُ العجوز، المُنعزل نوعاً بينَ أكمة من أشجار الجوز وظهره إلى الصخور. شأنَ مساكن الجوار، كان المنزلُ من دور واحد؛ وبسبب الطبيعة الجبلية، لم يكن ثمة حديقة. اجتازا عتبة المدخل، لتستقبلهما رائحةُ طاجين طازجة، منبعثة من المطبخ. من فوره بدأ العجوزُ ينادي بصوتٍ مرتفع: " فاطي! ". ظهرت من ثمّ فتاةٌ في مثل عُمر لوحا تقريباً، وكانت على قدر كبير من الجمال سحنةً وجسداً. طفقَ الفتى مبهوراً بهذا الجمال، لدرجة اغفاله ردّ تحية صاحبته. لاحَ أيضاً من ابتسامتها المُشعّة، أنها بدَورها أعجبت بوسامة لوحا. على المائدة، بادرت ببساطة إلى سؤال العجوز، مومئةً إلى المعنيّ: " مَن يكون الضيف؟ "
" ليسَ ضيفاً. منذ اليوم، سَيُقيم لوحا معنا بشكلٍ دائم "، ردّ العجوز ثم استطردَ مُشدداً على بعض الكلمات: " اعتبريه أيضاً بمثابة أخيك، بما أنك حُرمتِ من أخوة وأخوات من دمك "
" نعم، مثلما أنتَ بمثابة أبي "، كان هذا جوابُ الفتاة والذي لم يفهمه لوحا إلا فيما بعد. صدرت عن " الأب " ايماءةٌ منزعجة باتجاه ربيبته، ودمدمَ بكلامٍ مُبهم.
غبّ فراغه من شرب الشاي، قال العجوز أنه يرغب بالنوم: " في وسعكما السهرُ ما طاب لكما ذلك "، قالها ثم التفت إلى لوحا ليُضيفَ: " غداً، أنتَ معفيّ من العمل حتى المساء ". ثم عادَ ليُخاطب الفتاة وهوَ يتثاءب: " قبل نومه، دعيه يتحمّم بشكلٍ جيّد، وتأكّدي من أن رأسه خالٍ من القمل. أرمي ملابسه في القمامة خارجاً، وأعطيه برنساً من خزانتي مع ملابس داخلية ".
بعدما سمعَ لوحا صوتَ باب حجرة النوم يُغلق على العجوز، بادرَ إلى سؤال الفتاة: " ألا تعيش والدتكِ معك؟ ". هزّت رأسها نفياً، وأجابت باقتضاب: " إنها ميتة ". ثم أشارت بيدها إلى ناحية حجرة النوم، قائلةً بنبرة ازدراء: " وهذا كان زوجها بعد وفاة والدي ". شعرَ لوحا عندئذٍ بوشيجةٍ تربطه بالفتاة، فعلّق بالقول: " أنا أيضاً يتيمُ الأبوين، وكنتُ وحيدهما ". سكتَ قليلاً، ثم قال بسهوم كأنه يكلم نفسه: " ولم أحظَ بصديقٍ قط "
" إذاً، عدّني بمنزلة صديقك الوحيد "، عقّبت على كلامه بعينين فاتنتين بلون الجوز الأخضر. رمقها بنظرة امتنان: " طبعاً ". وإذا بها تهبّ واقفة، كما لو أنها نسيت شيئاً، فأمسكت بيده وجرّته باتجاه باب الحمّام في حركة طفولية: " أخلع هناك ملابسك ثم ارمها إليّ، وأظنك لن تحزن لو أنني وضعتها في القمامة. أليسَ كذلك؟ "
" لا بأس، إنها بالية لكنها نظيفة والله. فأنا كل يوم جمعة أذهب إلى حمّام السوق، وأغسل هناك ملابسي "
" على أية حال، ستحظى بملابس جديدة كل مرة طالما أنك تعمل مع العجوز "
" في الحقيقة أنني حتى الآن لا أعرف ماهيّة عملي، خصوصاً بوجود المُساعد؟ "
" ستعرف ذلك غداً مساءً "، ندّت عنها بغموض. كانا يتكلمان من وراء باب الحمّام، وبصوتٍ منخفض كيلا يزعجان العجوز النائم. لقد قال له هذا الأخير نفسَ الكلام، فألحّ عندئذٍ على السؤال: " أنتِ إذاً تعرفين ما يكونه عملي؟ ". فقالت مغيّرةً مجرى الحديث، بنبرة نفاد صبر: " سأمضي لأجلبَ لكَ أشياءَ نظيفة تكتسي بها ". بعدَ نصف ساعة، كان لوحا مستغرقاً في أمتع نوم حظيَ به منذ حوالي ثلاث سنوات.
كلامُ فاطي، كان حقيقةً فيما يتعلق بالملابس الجديدة. إذ قبل غروب شمس اليوم التالي، كان أحدهم يُسلّمها عند باب البيت سترةً سوداء من قطعتين مع قميص حريريّ ناصع البياض. حملتهم إلى لوحا في حجرته، وكان آنذاك يتململُ على جمر الغضا لمعرفة ما يخبئه له المساء: " هذه السترة الجديدة لك، وهيَ على مقاسك على ما يبدو "، قالت له فيما تضع الملابس على سريره. ثم ناولته حذاءً أسودَ اللون، يلمعُ بالجدّة. خرجَ لوحا بعد قليل إلى الصالة، يشعّ بالأناقة: " حقاً، كلّ شيءٍ على مقاسي تماماً؟ "، تساءل باستغراب. أخبرته عندئذٍ مع ضحكة فاترة، أنّ المعلّم كانَ قد أخذ مقاسه بمتر الخياطة لما كان نائماً. شددت على صفة " المعلّم "، لأنّ لوحا استخدمها عدة مرات في خلال حديثهما على مائدة الفطور والغداء في إشارةٍ إلى العجوز. هذا الأخير، ما عتمَ أن حضرَ في مستهل المساء وكان على شيءٍ من التوتر. خاطبَ ربيبته، المُكتسية بقفطانٍ ورديّ زاهٍ، مومئاً إلى ناحية الفتى المُتأنّق بدَوره: " إنه الآنَ لائقٌ بصحبتكِ ". ثم أردفَ يستعجلهما بالخروج، قائلاً أن ثمة سيارة تنتظرهما. خرجا من المنزل ثم انحدرا في الطريق الوعر، وصولاً إلى مبتدأ الشارع العام، تكتنفهما من الجانبين ظلالُ الأشجار، المُتمايلة بفعل لعبة النسيم مع أعمدة النور. كانت هناك سيارة أجرة واقفة بانتظارهما، وما لبثت أن انطلقت بهما. شرعَ السائقُ بالثرثرة مع لوحا، الجالس بقربه، فيما كان يرمقُ الفتاة بين الفينة والأخرى من خلال المرآة الصغيرة. بعد نحو نصف ساعة، لما أضحت السيارة على الطريق السريع، حثّته الفتاة على زيادة السرعة: " يجب أن أكونَ في الرياض قبل الساعة الثامنة "
" سنكون ثمة في الوقت المحدد، لا تقلقي فلن يهرب الزبون "، ردّ الرجلُ وعلى شفتيه ابتسامةٌ خبيثة. نصف ساعة أخرى، وكانت السيارة تُحاذي أسوارَ المدينة، من ناحية " القصبة "، ومن ثم تلجُ عبرَ المدخل ذي الرأس المقوّس، الهاذي بنقوشه المعقدة. ومن ثم تناهت السيارة إلى زنقةٍ شبيهةٍ بالرواق، يتصدّرها الرياضُ المقصود. طلبت فاطي من مرافقها الفتيّ الانتظارَ قليلاً، وذلك قبيل دخولها إلى الرياض. آبت بعد دقائق قليلة، لتسلّمه مبلغاً جسيماً من المال: " أعطِهِ لعجوزنا "، قالت له ثم أضافت توصيه بحرص: " عليك العودة حالاً إلى الدار، مُستخدماً السيارة الكبيرة، المتجهة إلى أوريكا. قل للسائق، حَسْب، أنك تبغي النزول في ستّي فضمة ". ثم استدركت تسأله: " أنتَ تتذكّر جيداً الطريقَ إلى منزلنا، أليسَ صحيحاً؟ ". ظلّ صامتاً كما لو أصابه الصمم، فهزته من كتفه: " ولكن، ماذا دهاك؟ "
" فهمتُ "، ردّ باقتضاب وكما لو كان في سبيله للبكاء. هزّت رأسها بحركة تُعبّر عن الحيرة، أو الأسف، ثم استدارت لتهرول في ممشى الرياض. وقد انهمرت دموعه، فعلاً، مُذ لحظة اختفائها ولحين وصوله إلى موقف السيارات الكبيرة، المطلوب: لقد أدركَ حقيقةَ عمل الفتاة، وبالتالي، حقيقةَ عمله هوَ. كان على ريبةٍ من الأمر مُسبقاً، ثم تيقّنَ منه تقريباً حينما تكلمت فاطي مع السائق في خلال الطريق.
" ستعتاد على هذا العمل، لأنه أقل مشقّة وأكثر حفظاً للكرامة من حياة التشرّد "، قال له المعلّم لما لحظ مبلغ كآبته حينَ رجعَ بالمال. بعدَ ساعات أيقظَ الفتى كي يؤدي معه صلاة الفجر، مثلما فعلَ البارحة. عندئذٍ، انتبه هذا الأخير إلى أنّ الفتاة لم تعُد بعد إلى المنزل.
وعندما انقضى الشهر، كانَ الفتى قد تآلف مع عمله، لدرجة أنه أحياناً لم يرَ بأساً في انتظار فاطي ريثما تُفرغ فجراً آخرَ شحنات زبونها. إذاك، كان يقضي الوقتَ بالتجول في الليل الحافل لساحة جامع الفنا بعدما تصالحَ أيضاً مع كائناتها وموجوداتها. على خلاف ما كانَ يُقنع به نفسه، فإنّ هيامه بالفتاة بدا كأنه لم يلفت نظرها أو لم تهتم به. في المقابل، فإنّ بغضه للمعلّم عليه كانَ أن يتزايد في أثناء ذلك. فعدا عما حمّله لوحا له من مسئولية عن ضياع ربيبته، فقد اختبرَ مدى شحّه وجشعه علاوة على طبيعته الماكرة واللئيمة. لقد سأله لوحا ذات يوم: " لِمَ لا تَمضي بنفسك مع ربيبتك إلى مواعيدها، طالما أنك تُنهي عملك في الساحة في ساعة الغروب؟ ". وكان جوابُ المعلّم وقحاً، بالرغم من أنه نطقه بوقار كأنه حكمةٌ تستحق نقشها على أحد أقواس المدينة: " أولاً، لأنك لا تكلفني سوى دراهم قليلة مع المأكل والمشرب. ثانياً، وهوَ الأهم، لأنني أخشى أن تكون ربيبتي مُراقَبة فأقع في فخ الشرطة "
" ولكن، ألا تخشى عليها؟ "
" تعني، لو وقعت هيَ في الفخ؟ أبداً. لأنها عند ذلك ستمنحهم جسَدَها الرَخِصَ، فتخلّص نفسها. أما أنا، فلا نفعَ مني ولا وساطة لديّ، فأُقدّم لقاضٍ متزّمت يحكم عليّ بأشهر في السجن.. وشيخوختي، كما ترى، لا تحتمل سوى الفردوس في الدنيا والآخرة! ". في اليوم التالي، على الغداء، نقلَ للفتاة كلامَ العجوز؛ وكانا متضامنين معاً ضده منذ البداية. فعلّقت بالقول مُتهكّمة: " إنه تجاوزَ السبعين ولا يشكو مرضاً، وأجزمُ أنه سيكون حياً عندما نكون نحن في سنّ الشيخوخة "
" ما الذي يبقيكِ، إذاً، في خدمته؟ "
" إنه من الخبث ألا أتمكن الفكاك من أسره. لقد هددني مراراً، أنني لو تركته سيسلط عليّ أحدهم لكي يشوّه وجهي بالشفرة. سأكون عندئذٍ بالفعل فريسةً سهلة، لأنني أعملُ بدون حماية أحد القوّادين "
" كنتُ أظنّ أنني ذلك القوّاد "، قالها بحزن. ربتت على ظاهر يده بحنان، وقالت: " لا، إنه هوَ القوّاد. أما أنتَ، فصديقي الوحيد ". تعمّقَ حزنُ لوحا على الأثر، كونها لم تقل أنه حبيبها مثلما تمنى في أعماقه.
ذاتَ يوم، وكان جمعة أخلدت فيه فاطي للراحة منذ ليلة أمس، سألها لوحا ما لو كانت بحاجةٍ لشراء شيءٍ من سوق البلدة. قالت له بنبرة عملية: " أحتاجُ زيتَ الأرغانة لحمّامي، لأنه نفدَ عندي. فلا تتأخر عليّ ". كان الطقسُ ما زال ربيعياً في الجبل، وتمنى لوحا لو أنه يقضي النهارَ بطوله في إحدى المقاهي، المتغلغة بمياه الوادي. لكنه من أجل فاطي، عاد بعد نحو ساعة وبيده غرضها المطلوب. لما أحسّت بدخوله إلى المنزل، نادت عليه من الحمّام: " لو أشتريتَ زيتَ الأرغانة، فأعطني إياه من فضلك ". طرقَ بابَ الحمّام، فطلبت منه الدخولَ. تردد لحظةً، ثم فتحَ البابَ بشكل موارب ومدّ يده بقارورة الزيت. هتفت ضاحكةً: " أدخلْ! أدخل! ". وجدَ نفسه من ثم بمواجهة عريها الفادح، وكانت جالسة على طرف حوض الحمّام، ظهرها للباب، وبطريقةٍ تكوّرَ فيها كفلها بشكلٍ غاية في الإثارة. كان لوحا، كما علمنا، فتىً في سنّ المراهقة وتجاربه معدومة مع النساء. ومع أنه يمتلك إرادةً صلبة قياساً بسنّه، فإنّ المشهدَ بلبله كليّةً. وضعَ بسرعة القارورةَ بمتناول يدها، والتفتَ كي ينسحب. قالت له برجاء، وهيَ تلتفت برأسها نحوه: " ستحك ظهري بكيس الحمّام، ممكن؟ ". بالكاد خرجَ صوته بالايجاب. ما عتمَ أن تناول الكيسَ وبدأ بدلك ظهرها اللدن، فوجده أكثر نعومة من حرير قميصه، الذي يخرج به تحت السترة في أثناء مرافقته لها ليلاً. على الأثر، حلّ الصمتُ في الحجرة. وكأنما انتقلت إليها عدوى الاثارة، فإنّ حركة يدها أضحت أكثر توتراً وهيَ تدلك بالليفة جانبَ جسدها الأماميّ. ثم نهضت بعدئذٍ كي تفتح ماءَ الدوش، فلحظ لوحا كيفَ وضعت يدها على فَرْجها. قال لها بجرأة، لما آبت إلى مكانها: " لِمَ أخفيتيه عني بيدكِ؟ ". وكان جوابها الجدّي، الذي أطلقَ عقالَ ضحكته الساخرة: " لأنه عورة! ". استاءت على ما يبدو، فقالت وهيَ تجذب كيسَ الحمّام من يده: " شكراً، سأتولى أنا الباقي ". تركَ لها الكيسَ، لكنه لم يتحرك من مكانه. وتمادى في جرأته، فمدّ يده إلى أمام ساعياً لتلمّس ثديها. دفعت يده ثم انحنت على الحوض، لتتكوّر ثمة دافنةً رأسها في حضنها: " أرجوك أخرج! "، قالتها بنبرة غاضبة. بقيَ حائراً، لا يدري ما يفعل من شدّة حَرَجه. تمتمَ بعد لحظة: " فاطي، أنتِ تعلمين أنني أحبك ". عادت تكررُ له أمرها أن يخرجَ، ولو بصوتٍ أهدأ. بعد نحو ساعة، ظهرت في الصالة وكانت مُضَمّخة بعطور حمّامها. قالت له، وهيَ تجلس على الأريكة بقربه: " أنا أيضاً أحبك، يا لوحا. لذلك أريدك أن تَعِدَني الآنَ، بأنك لن تلمسَ جسدي إلا بعد زواجنا ". أسعده جداً قولها، ولا غرو، فهتفَ ضاحكاً: " وإلا لو رغبتِ أنتِ! ". أومأت موافقةً، مبتسمة. ثم مدت له يدها، فتناولها ولثمها فيما كانَ يشمّ عطرها بوَلَهٍ.
على مائدة الفطور، في اليوم التالي، ناول العجوزَ قدح الشاي المُطيّب بالنعنع. فأمسك هذا الأخير بيد لوحا وشمّها، ليخاطبه بنبرة متوعّدة: " إنها رائحةُ جسد فاطي؛ فماذا فعلتما في غيابي بالأمس؟ ". انتزع الفتى يدَهُ، وردّ باستهانة: " طلبت مني أن أحكّ جسدها بكيس الحمّام، لأنها تودّ أن تكون نظيفةً عندما تلتقي بزبائنك "
" لو تجاوزتَ حَدّك، أيها القرد الصغير، سأطردك إلى الشارع حتى بدون ملابسك المُستعارة "، قالها بنفس النبرة. نهضَ لوحا عن المائدة، فألقى نظرةَ تحدّ على العجوز، فلما تجاهله هذا، مضى إلى خارج المنزل. بقيَ لوحا يتمشّى عند ضفة الوادي، وضحك من نفسه حينَ شاهدَ أطفالاً يلاحقون أحد قردة الجبل. بعدئذٍ ركنَ إلى أحد المقاهي، المُنسابة عبْرَ قسمه الأسفل ساقيةٌ خضراء، تنهلُ مياهها من الوادي. ثمة، لاحظَ وجودَ العديد من النصارى، الذين كانوا ينفقون بسِعَة. فكّرَ عند ذلك، باحتمال أنّ يكونَ بعضُ هؤلاء من زبائنَ فاطي: " ولا شكّ أنهم تمرغوا بجسدها الفاتن بعدما فقدوا صوابهم سلفاً بالخمرة ومعجون الكيف ". ثمّ قدّرَ أنّ فاطي قد أفاقت الآنَ من نومها، وربما هيَ بحاجةٍ لشراء بعض لوازم وجبة الغداء. فغادرَ المقهى باتجاه دكان الجزّار، ومن ثم انتقل إلى جاره بائع الخضار. عند دخوله المنزل، كان ما فتأ يلهثُ بسبب ارتقائه للطريق الوعر، وهناك تلقّته فاطي المنشرحة غبّ استيقاظها من النوم. قالت له وهيَ تستلم منه الحوائج: " حسنٌ يا حبيبي أنك فكّرتَ بشراء ما يلزم الغداء، دونَ أن تنتظرني "
" خرجتُ من الدار كيلا أُجبَرُ على العراك مع العجوز "
" ماذا جرى بينكما؟ "، سألته وقد اتسعت عيناها. لما سمعت منه ما جرى، علّقت بشيءٍ من التوجّس: " الخنزير الحقير، إنه يخشى أن أهرب معك بدولاراته المكنوزة "
" إنها دولاراتُ عملكِ، وهيَ من حقكِ "
" لا أستطيع مسّها قبل أن أراهُ جثةً "
" ولكنك قلتِ قبلاً، أنه لن يموتَ قبل بلوغه التسعين أو ربما المائة؟ "
" إذاً، علينا التفكيرُ بطريقةٍ تعجّل في موته "
" يا لكِ من بلهاء، يا صديقتي! أنرتكبُ جريمةً لنحصل على المال، فيما أننا بوسعنا الهروب به الآنَ والعجوز غائبٌ عن الدار؟ "
" أقسمُ لك أنه في هذه الحالة سيتمكن من العثور علينا ولو تحتَ سابع أرض، وعندئذٍ لن يُتيح لكَ حتى أداء الشهادة "
" أنتِ تبالغين في قدراته، وتصدّقينها مثلما يُصدّقون حيله في ساحة جامع الفنا "
" لقد هربتُ مرةً، فاستعادني الخنزيرُ بعد أسبوع واحد "، صرخت بقوة ثم أضافت مجهشةً في البكاء: " ومَن هرّبني، اختفت آثاره أبداً ". بُهتَ لوحا من هذه المعلومة، وطفقَ ينظر إليها بعين الريبة. سألها بعد قليل، وكانت لا تزال تمسح دموعها بكمّ منامتها: " أكانَ من هربتِ معه، يمارسُ نفسَ عملي؟ "
" أجل "
" ولعلكِ ما زلتِ تحبينه "
" لا تكن أحمقَ، فهل سأحبّ شبحاً؟ "، قالت ذلك ثم ضحكت وهيَ تضمّه إلى صدرها. تنهّدَ لوحا ببعض الارتياح، ثم قال لها: " الحماقة، هيَ أن نرتكبَ جريمةً مجانية "
" قد يُخفي المالَ في مكانٍ آخر، لو راوده الشكُ من ناحيتنا؟ "
" لندع الأيامَ تمرّ، فلعلّ القدَر يمنحنا فرصةً مناسبة للفوز بمرادنا "، قالها بصوتٍ كالهمس وكأنما يُكلّم نفسه. وبينما كانا في حيرةٍ من أمرهما، كانت الفرصةُ المناسبة تسيرُ على قدميها بتؤدة، يقودها العجوزُ بالذات ـ كما يُقاد كلبٌ مؤهّل من سلسلته.
ذات مساء، وكان الجو قد مال إلى السخونة، تهيأ لوحا لمرافقة صديقته إلى عملها. وإذا بالعجوز يدخل الدارَ كالعاصفة، شاتماً لاعناً. رمى بجثته النحيلة على أقرب أريكة في الصالة، ثم طفقَ يتأمّل فاطي كأنه يراها لأول مرة: كانت طوالَ ساعاتِ النهار قد منحت جسدها بسخاءٍ لحبيبها الفتيّ، الذي جعلها تبلغ النشوة لأول مرة مُذ اختفاء أثر سلفه.
خاطبَ العجوز ربيبته، وهوَ ما زالَ مهتاجاً: " الخنازير! يقولون عني أنني حلايقي مزيّف، وأتوا بالشرطيّ المُرتشي كي يطردني من مكاني المعتاد "
" مَن هم؟ "، قاطعته فاطي بنبرة غير مكترثة. أجابَ مع حركات يديه المتوترة: " إنهم العيساوية، المحسودون بسبب كثرة جمهوري وندرة مَن يهتمون بثعابينهم اللعينة وآلاتهم الموسيقية المزعجة. لقد زعموا أنّ جمهوري يتجاوز المكانَ المُحدد للحلقة، وأنه قلبَ السلال المحتوية على الزواحف "
" بسيطة، انتقل إلى مكانٍ آخر في الساحة وسيأتي جمهورك إلى الحلقة مجدداً "
" بل لديّ فكرةٌ أجدى، تجعل أولئك العيساوية يتركون الساحة لي وحدي: سأتقمّصُ بنفسي صفةَ العيساوي! "، قالها بمزاجٍ طيّب هذه المرة. عندئذٍ خاطبت فاطي فتاها، الذي ينتظرها بنفاد صبر: " هلّمَ نسيرُ في سبيلنا، لنوفر على أنفسنا سماعَ المزيد من هذا الهذيان "
" مهلاً، أيتها الفتاة المُتَعجّلة "، قال لها العجوز ثم أضاف موضّحاً: " ما أسعى إليه ليسَ أن أكون عيساوياً بمعنى الكلمة، بل أن استعمل أحدَ الثعابين في لعبةٍ جديدة فكّرتُ فيها لتوي وأنا عائدٌ من الساحة. سأوعزُ لمن يبيعني الثعبان، ولا بدّ أن يكونَ من نوع الكوبرا، أن يفرغه من السم. بعدئذٍ سأظهر في حلقتي، لأجعل الثعبانَ يعضني وأنا أطلقُ تمتمةً ربّانية. فيقتنع الجمهورُ الغبيّ، أنها التمتمة مَن أنقذتني، كالترياق، من الموت المُحقق "
" ظريفٌ جداً، والآن وداعاً "، قالت له فاطي وهيَ تمضي بسرعة إلى ناحية الباب الخارجيّ. لما كانت تنحدرُ في الطريق الوعر، المُفضي إلى الشارع العام للبلدة، مرقت الكوبرا أمام عينيها طائرةً في الظلام كاليعسوبة. توقفت فجأة، لتهتفَ كمن يتكلمُ في نومه: " الكوبرا! ". وقفَ لوحا بدَوره، ونظرَ إليها بدهشة تحت ضوء النجوم. عادت الفتاة إلى القول، وكانت ما تفتأ مُستثارة: " سنستعملُ فكرته، للتخلص منه دونَ أدنى شُبهة. كل ما علينا إنجازه، أن نستبدل الكوبرا غير السامة بكوبرا سامة "
" فهمتُ عليكِ، لكنني أرى أنك لستِ أقلّ هذياناً من العجوز "، علّق لوحا على كلامها. تابعت هيَ السيرَ بسرعة، فلحقها قائلاً: " كيفَ السبيل إلى تأمين كوبرا بديلة، شبيهة بتلك؟ ثم كيفَ لنا، من ناحية أخرى، أن نضمنَ عدمَ قيام العجوز باختبار الكوبرا البديلة ثمة في منزلنا؛ وعند ذلك، نقعُ نحن في دائرة الاتهام؟ "
" هذه الجبالُ مليئةٌ بأدلاءٍ، يُمكن أن يجلبوا لنا الكوبرا البديلة لقاء القليل من المال. والعجوز، سيقومُ بتجربة كوبراه على مَن سيفرغها من السم وليسَ على نفسه. فهمت؟ "، ردّت في مزيدٍ من التصميم. لكنه لم يعقّب على كلامها، الذي جعله مضطرباً، طالما أنه يعني إمكانَ تورطه في جريمةٍ مُدبَّرة.
بعدما أقامت الفكرةُ في رأس العجوز ليومين كاملين، ذهبَ لينفذها في مكان الحلقة الجديد في الساحة. بدأ الصراخَ في ذلك النهار الحار، ليلمّ أكبر قدر من الجمهور في حلقته؛ وبالطبع، ليزعج العيساوية، الذين راحوا يتأملونه ساخرين والكوبرا بيده: " أخوتي وأخواتي، هذه سليلةُ الكوبرا الذهبية، التي حاولت من خلالها الأميرةُ الهندية قتلَ الإسكندر الأكبر، سلامُ الله عليه! إنه الإسكندر، المذكور في القرآن الكريم باسم النبيّ ذي القرنين.. وإنه القرآن الكريم نفسه، مَن ستُنقذني آياته من سمّ الكوبرا ". ثم عكفَ على سلّةٍ جلبها معه، فأزاحَ القماشَ عنها كي يُتيح للسليلة المُباركة أن تنسلّ منها. مدّت الكوبرا خارجاً رأسَها المثلث، المُهتز إلى اليمين واليسار، ثم ما لبثت أن انسابت بكامل جسمها إلى الأرضية الاسمنتية الحارّة. كانت كوبرا سوداء كامدة، لا ذهبية مثلما ادعى صاحبها، وكذلك لم تكن حراشفها ذات نقوش جميلة. لكن الجمهورَ كانَ يتزايد، مؤملاً رؤية المعجزة. كما واقتربت ثلةٌ من السياح الأمريكان، قادهم دليلهم المغربيّ وهوَ يترجمُ لهم كلامَ الحلايقي، المُتقمّص صفةَ العيساوي. مُفتقداً المهارة والدِرْبة، بدأ هذا الأخير يُثير الكوبرا من خلال مد يده باتجاهها عن قرب. كررَ حكاية الاسكندر مراراً، فيما كانَ يستفز الحيوانَ بحركات يده. على حين بغتة، انقضت الكوبرا على العجوز، فعضته في ساعده. أرادَ الاسترسالَ في تلاوة الآية القرآنية، المُنقذة، لكنه تعثّرَ في كلماتها. بقيَ ثوانٍ يتلوى بصمت، قبل أن يصرخَ بجنون، موجهاً كلامه باتجاه العيساوية: " أولادَ القحبة! لقد تآمرتم مع صائد الثعابين على قتلي! ". الجمهور، الذي أفاقَ من صدمة الموقف وهوَ يرى الرجلَ العجوز ينتفخ كالقربة على أثر العضة القاتلة، صارَ بعضه يصرخ بدَوره طلباً لسيارة الإسعاف.
" لن تحضرَ سيارةُ الإسعاف أبداً، فهل تتوهمون أنكم في أمريكا؟ "، علّق ذلك الدليلُ قبل أن يسحب مجموعته المرتاعة رعباً بعيداً عن المكان. أحد رجال الشرطة، كان منتصباً بقامته المهيبة على طرف الساحة، بالقرب من السيارة الرسمية، يُراقب الوضعَ من تحته نظارته السوداء. فما لبثَ أن هُرع إلى تلك الحلقة، المشتعل فيها فجأةً الفوضى واللغط والصياح. لما تأكدَ الشرطيّ من احتضار العجوز، وألا فائدة ترتجى من استدعاء سيارة الإسعاف، التفتَ إلى بعض الحاضرين كي يحصل على شهاداتهم عن الواقعة.
كان الوقتُ قد قاربَ المساء، لما تناهت سيارةُ الأجرة إلى الشارع الرئيس في طنجة، المُحاذي لمحطة القطار. ثم ما لبثت السيارة أن توقفت أمام أحد الفنادق بمواجهة الكورنيش، لينزل منها لوحا وفتاته. هذه الأخيرة، هيَ من أصرّت على السفر في السيارة لا في القطار: " حالما سيعلم بهروبنا مع المال، فلن يهدأ قبل بث عيونه في محطة سكة الحديد، بحثاً عنا والإتيان بنا من ثمّ؛ أنا حيّةٌ، وأنتَ ميتٌ! "، كانت قد قالت لرفيقها حينَ اكتملت خطتهما. وفي حقيقة الحال، أنها خطة لوحا؛ وبذل جهداً كبيراً في اقناع فاطي حتى وافقت عليها. إذ قالَ لها وقتئذٍ، أنهما بدلاً عن التورط بجريمةٍ يُمكن أن تقودهما في ممرات التحقيق إلى المحكمة والإدانة، فإنّ عليهما فعلُ ما يقوم به أيّ أفريقيّ بدائيّ عندما يصل إلى المغرب: الانتقال إلى طنجة، وبعدئذٍ الاتصال مع المهربين، الذين سينقلونه لقاءَ المال إلى الشاطئ المُقابل برحلةٍ في الزورق السريع لا تستغرقُ أكثرَ من نصف ساعة.
وكانت الفتاة قد استجمعت شجاعتها على الأثر، فاتجهت رأساً إلى خلفية المنزل كي تسحبَ من حفرةٍ بين الصخور حقيبةً جلدية يكتنزُ فيها القوّاد العجوزُ رزماً، يضم كلٌ منها آلاف الدولارات. لقد كان يحرصُ دائماً على توصية ربيبته ألا تقبل من الزبون مالاً سوى بالدولار، حتى أصبحَ ذلك قاعدة عامة للعمل: " إنه العملةُ الوحيدة، المُستحيل انهيارها إلا لو حانت ساعةُ القيامة وانهارت أمريكا مع العالم بأسره! "، على حدّ تأكيده.
عقبَ ثلاثة أشهر تقريباً من حلول فاطي ولوحا في العاصمة الإسبانية، تحققت جزئياً نبوءةُ الحلايقي، الذي صارَ لدقائق معدودات عيساوياً مزيّفاً قبيل موته المأساويّ. إذ بدا أنّ الاقتصادَ الأمريكيّ ينهارُ، غبّ هجمات أيلول/ سبتمبر على نيويورك وواشنطن. عندئذٍ لم تستعد فاطي تلك النبوءة، ولعلها لم تسمع أصلاً بالهجمات. لقد كانت تقضي الجانبَ الأكبر من الليل مع أحد الزبائن، لتعود إلى الشقة منهارةً من التعب والنعاس، فتندس في الفراش بجانب حبيبها، فتنام حتى ساعة الغداء. أثناء النوم، كانت تغدو ضحيةَ كابوسٍ، يتكرر كل يوم تقريباً: تركضُ مع حبيبها عبرَ صخور الجبل، الناهضة بينها جدعاتُ الصبّار، فيما العجوزُ يلاحقهما مع أفراد عصابته، الذين تقمصوا أشكالَ ثعابين الكوبرا.
لن تعرف فاطي قط ـ ولا أيضاً لوحا ـ أنّ عظامَ مَن أنهكها بالكوابيس بدأت ترمّ في مقبرة البلدة. كذلك، بطبيعة الحال، لن يتسنى لها أبداً أن تقرأ اسمَه في كتابٍ بالفرنسية ( تُرجمَ مؤخراً للعربية )، عن ساحة جامع الفنا. مؤلفُ الكتاب، كان يرثي اضمحلالَ الساحة وانقراضَ حلقات الحكاية: " إنّ موتَ حلايقي يُعادل حريقَ مكتبة ".



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن