قفلُ العفّة

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 4 / 24

من بين مؤرخي الحملات الصليبية، الذين اهتمّ الباحثُ بدراستهم، كان " روبيرت الراهب "؛ وهوَ مَن تدرّج في سلك الكهنوت ليُصبحَ، قبل مقتله الغامض، رئيساً لدير سانت ريمي في فرنسا. المعلومات العامة عنه ـ والمسجّلة بلغة لاتينية أنيقة، كخطوطها ـ يُفهم منها أن ثمة أكثر من راهب، يحملون نفسَ الاسم؛ ولو أنّ المذكور آنفاً أكثرهم شهرةً. لقد عاصرَ الراهبُ الحملة الصليبية الأولى، لكنه لم يرافقها " ولو فعلَ ذلك، ربما لاستشهد بسيف الكفار، مجللاً بالغار، بدلاً عن موته بخنجر رجل مجهول "، كما جاء في أحد تلك المصادر اللاتينية. والغريب، أنّ روبيرت الراهب اعتمدَ في الجزء الأكبر من تاريخه على مدونة رجل مجهول، رافقَ جيش الملك بوهيموند الأول في باكورة الحملات الصليبية تلك. تحت تأثير هذه المفارقة، مضى الباحثُ في تقصّيه عن سيرة الراهب روبيرت، مقلبّاً بين يديه مخطوطاتٍ شتى باللاتينية، لم تكن قد رأت النورَ ككتبٍ مطبوعة. وبالطبع، عليه كانَ أن يبحث ثمة، في دير سانت ريمي، أينَ قضى الراهبُ جلّ سنوات عمره. عقبَ جولاتٍ مرهقة من البحث، وقعت بيده مخطوطة ينقصها العنوانُ، علاوة على صفحاتها الأولى؛ وذلك من أصل سبعين صفحة، هيَ مجموع متنها. بدَوره، ركّز الباحثُ على عدد قليل من الصفحات، لاحَ من تمعنه بقراءتها أنها قد تفضي إلى كشف لغز مقتل روبيرت الراهب: " إذاً، وبناءً على ما قرأته، يتبيّنٌ جلياً لِمَ بقيَ هذا الكتابُ مخطوطاً، وفوق ذلك، محفوظاً بطريقة ماكرة بحيث لا يتمكن زائرُ مكتبة الدير من الاهتداء إليه في سجل المخطوطات ".
تلك كانت سيرة رجل مجهول، وكان فيها إلمحاتٌ تقود المرءُ الباحثُ إلى شخصية روبيرت الراهب. لقد كتبها الرجلُ بصيغة الراوي، ويستهلها بذكر العام 1095؛ العام المشهود، المنطلقة فيه ما دُعيت ب " حملة الفقراء " بقيادة بطرس الناسك، التي وصلت إلى الأراضي المقدسة من خلال عبورها العاصف بالقسطنطينية وأنطاكية وغيرهما من مدن الأناضول والساحل السوري. بلغَ الرجلُ أرضَ الميعاد، إذاً، بصفته من معاوني قائد الحملة. ويصفُ بشكل مختصر بطولاتِ رجال الصليب، الذين لم تأخذهم الرحمة بالكفار بما فيهم الأطفال والنساء، فقطعوا الرؤوس وبقروا البطون، فيما كانوا يطلقون التهليلات بأصواتهم، المُرخّمة بفضل أجود أنبذة تلك المدن المحررة.
كما سبقَ القول، أهملَ الباحثُ تفاصيلَ الحملة، لينتقي بعضَ الصفحات، المُمكن أن يُشيد عليها سيرةَ حياة المؤلف المجهول بالتوازي أيضاً مع مصير روبيرت الراهب. هكذا يكتشفُ لغزَ جريمة مقتل الأخير، ولو أنّ التفاصيل كتبت بطريقة مبهمة. معاصرو الراهب، سواءً من الكهنوت أو المؤرخين، زعموا بشكل عام أن مقتله الغامض له علاقة بالدسائس والصراعات على النفوذ، المعروفة في العديد من الأديرة في أوروبا القرون الوسطى. لكن المخطوطة، في المقابل، تؤكد على حدثٍ مخز ومشئوم، راجت حوله الشائعات في السنين الموالية لباكورة الحملات الصليبية: " رئيس الدير، وكانَ قد تسنّم منصبه المرموق هذا، وكان بالكاد يناهز الأربعين، فاحت في المدينة الرائحة المزكمة لفضائحه. وكانت ضحاياه نساء رجال الحملة، اللواتي راودهن عن أنفسهن مستغلاً رغباتهن الجسدية، المحرومة. لقد كبتت هذه الرغبات بوساطة " حزام العفّة "، المزوّد بقفل، فيما المفتاح يحتفظ به الرجل لحين عودته من الأراضي المقدسة. هكذا تدهورت أخلاق نساء المدينة، طالما أن رئيس الدير صارَ قدوةً للرهبان الآخرين، المتخلفين عن ركب الحملة بهذه الذريعة أو تلك: " ولكن كيفَ كانَ السبيل لانتهاك الحرمات، بوجود الأقفال على عورات النساء؟ نعم، إنه رئيس الدير، مَن ابتكر طريقة شيطانية لفتح قفل عشيقته. فإنه وضع معجوناً على فتحة القفل، ومن ثم طلبَ من الحداد أن يصنعَ مفتاحاً مناسباً. بعد أقل من عام، ازداد عددُ المواليد في المدينة بالرغم من وجود الأزواج في حرب الكفار بالأراضي المقدسة! ".
يتابع الباحثُ قراءته في المخطوطة، ليصل إلى الصفحات الأخيرة، المتناولة عودته إلى مدينته غبّ إصابته بجروح بليغة، منعته من إكمال القتال تحت راية الصليب المقدس. امرأته، في المقابل، مثّلت عليه دَور المرأة الوفية، بدليل عدم انجابها لطفل في خلال غيابه مثلما كان أمرُ غيرها من نساء المدينة. لكنه استجوبَ الخادمة، مستعملاً سلاح التهديد بالعذاب، إلى أن فشت سرّ عار سيدتها. هذه الأخيرة، ظلت تجهل معرفة زوجها بموضوع خيانتها، لحين أن سمعت بمقتل رئيس الدير على يد رجل مجهول. إذاك، كان قد مضى نحو عشرين عاماً على عودة زوجها من الأراضي المقدسة، وكانا قد دخلا في طور الكهولة.
مما فهمه الباحثُ أيضاً من المخطوطة، أنّ صاحبها امتلك دافعاً آخر للقتل: " ما اكتفى الراهبُ المأفون بانتهاك عرضي، بل ذهبَ أبعد من ذلك؛ بأن انتحلَ روايتي عن الحملة الصليبية؛ فشكّل منها الجزءَ الأكبر من تاريخه، الذي عاد عليه بالشهرة حتى أن البابا بنفسه استقبله في روما وأنعم عليه ببركاته ".



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن