فَيْضُ الصوفيّة

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 4 / 21

1
يتفقُ كثيرون على أنّ الكاتبَ، عقبَ رحيله عن العالم، تنتقل أعماله من مجال الأدب إلى مجال التاريخ الأدبي. ولو أنهما في حقيقة الحال مجالٌ واحد؛ وهوَ الأدب. والقصد من الرأي الأول، ندرة اهتمام النقاد ( وأيضاً القراء إلى حدّ ما ) بتراث الكاتب الراحل. لا غرْوَ أنه مع تقادم السنين، يستنفد الراحلُ معظمَ فرص الإهتمام. وقد يتحول إلى مجرد ذكرى يكتنفها الغبار، سواءً في مكتبة منزلية أو مكتبة عامة. وسيكون محظوظاً لو ذكرته أنطولوجيا ما، ولعله يبتسم في قبره في حالِ تَعهُّدِ أحدهم وضعَ مؤلّفٍ عن ابداعه متضمناً شذرة من السيرة الذاتية. أما مع تقادم القرون، فبالطبع يُمكن عندئذٍ الحديثُ عن كلاسيكيات الأدب. وبالتالي، يُتاح لمؤرخ أدبي ( أصرّ على البقاء في الظل مع اسمه ) إمكانيةُ نبشِ آثار امرأة، عدّها معاصروها أهم أديبات القرن العاشر للهجرة. لكننا نستسمحُ القارئَ منذ البداية، كوننا اضطررنا لاستخدام التقويم الميلادي، وذلك بالنظر لاضطراب التقويم الآخر، خصوصاً مع مشقّة تتبّع هلال شهر رمضان.
معاصرو ذلك القرن، الذين أوحوا بأهمية مَن دَعوها ب " الشيخة "، توصلوا إلى ما يُشبه الإجماع، المبالغ به، على أنها: " بين المُحْدَثين تفوقت على ما كانته الخنساءُ بين الجاهليين ". أحدهم، كانَ ابن الحنبلي؛ صاحب كتاب التراجم الشهير، " در الحبب في تاريخ أعيان حلب ". لقد شاءَ تصنيفها في تاريخه، بالرغم من أنها دمشقية وليست حلبية. إلا أنّ شيمةَ هذا النوع من التراجم، هوَ ذكرُ صاحب الترجمة في حال إقامته في مدينةٍ معينة ولو لأشهر قليلة. ونمسحُ الغبارَ هنا عن مقطع من ذلك الكتاب التليد، ليكونَ بمثابة التمهيد لهذا المبحث: " وكانت الشيخة في سنة تسع عشرة وتسع مائة، قد أحاطت بها الأسبابُ الملحّة لمفارقة السكن والخروج من الوطن، فخرجت من دمشق متوجهة إلى القاهرة، فأصيبت وهي في الطريق في كل شيء كان معها من مؤلفاتها ومنظوماتها ". العبارة الأخيرة غامضة، كان من الممكن أن تستمر في تشويشنا؛ لولا صدفة سعيدة، نَدينُ بها إلى مؤرخنا الأدبي. إذ وقعت في يده إحدى مخطوطات الشيخة، التي تجلو فيها بوضوح حقيقةَ ما أصابها: " واستمرَ كتابُ ‘ تخميس بردة المديح ‘ مندرجاً في طيّ أعمالي، من منظوم ومنثور، إلى أن قدّرَ الله اختلاسه مع كتبٍ أخرى ألّفتُها، وذلك حينَ أغارَ اللصوصُ على قافلتنا في ناحية بلبيس على طريق القاهرة ". كوننا عرفنا مما سبق أنها كانت تنظمُ القصائدَ، فإننا سنُشرّف ذكراها بنعت " الشاعرة "، عوضاً عن الشيخة: النعتُ الأخير، درجَ على استعماله مترجمو سيرتها الأوائل، كونها نجمَ الصوفية اللامع في ليل عصرها. بل إنّ جلّ انتاجها الأدبي، الذي بقيَ بمنأى عن لصوص بلبيس ـ والمُتكلّف فنونَ البديع، السائد في عصرها ـ لم يكن ليخرج عن المدارات المألوفة لأعلام الصوفيين؛ نظير الحلاج والنفري وابن عربي والسهروردي.

2
الرحلة القاهرية تلك، هيَ الثانية والأخيرة لشاعرتنا. إذ سبقَ أن استقرت في القاهرة، في أوان صباها، بهدف صقل معارفها على أيدي العلماء والصوفيين. لكن في رحلتها الأخيرة، لحظت أن المدينة تخبو باضطراد، وهيَ التي تألّقت لقرون عديدة كتخت الخلفاء والسلاطين مذ أن وضعَ خططها جوهرُ الصقلي؛ قائدُ جيش الفاطميين، المغاربة. عادت إذاً إلى القاهرة عام 1513، وسلطنةُ المماليك آيلةٌ رويداً إلى الاندثار على وقع دبيب أحذية الإنكشارية، الذين كانوا في طريقهم إلى فارس لمحاولة إبادة السلالة الصفوية: السلطان العثماني، سليم الأول، التفتَ هذه المرة إلى الشرق كي يُحقق حلمَ الأسلاف، وذلك وفقَ تصوّره. كانَ سينتهي إلى القضاء على الصفويين والمماليك، ومن ثم السيطرة على الحوض الجنوبي للبحر المتوسط. بعدئذٍ سيلتفّ من ناحية إسبانيا وفرنسا باتجاه روما؛ ثمة، أينَ سينصبُ أوردي الهلال الدامي فوق قبة كنيسة القديس بطرس بعد تحويلها طبعاً إلى مسجد.
بدَورها، كان للشاعرة آنذاك حلمُها، ولو أنه أقلّ تطلّباً. كانت تسعى لتنصيب ابنها الوحيد، كنقيب لأشراف الشام؛ وهوَ منصبٌ مرموق، حازه جدّه قبلاً بذريعة انتسابه للبيت النبوي؛ ولكن حُرمَ منه والدُ الفتى، والذي أقصيَ أيضاً من وظيفته كقاضٍ للشافعية. على الرغم من أنّ اسمَها المُشرق سبقها إلى القاهرة، فإنهم استمروا هناك بالمماطلة في أمر مقابلتها السلطان قانصوه الغوري، بشأن ذلك المَسعى المَوصوف. لقد كانَ السلطانُ، الآيسُ من كهولته وإمكاناته، مشغولَ الفكر إزاءَ الإعصار القادم من الشمال؛ الإعصار، الذي سيُبدد سلطته أبداً بعد مضيّ ثلاثة أعوام فقط. وإذاً، كانت رحلةُ القاهرة مخيّبة تماماً لآمال الشاعرة، ما لو تذكّرنا أيضاً فقدانها هناك لمعظم انتاجها الأدبي. بيدَ أنّ دماءها كانت تتأججُ بالتصميم والعناد، هيَ من كانت قد ولدت قبلَ خمسٍ وخمسين سنة في صالحية الأيوبيين في سفح جبل قاسيون. وإذا بها تتأثّرُ خطى قافلة السلطان المملوكي إلى حلب، أين كان جيشه محتشداً قبيل ساعة النزال الأخير مع الأتراك. كانَ ذلك في العام العاصف، 1516، المشئوم. مَن توّسطَ لها كي تقابل السلطان الغوري، لم يكن سوى بدر السيوفي، نائب والي حلب؛ وهذان كلاهما سيتآمرُ مع الغازي العثماني، فيتسبب بهزيمة جيش المماليك في معركة برج دابق، الفاصلة. آبت شاعرتنا أخيراً إلى دمشق، ممزّقةَ المشاعر، لتُسلم الروحَ في العام التالي. صدى موتها، كان ضعيفاً في البلاد، التي كانت ما تفتأ مثخنةً بجراح الغزو.

3
قلنا في مبتدأ الحديث، أنّ صدفةً سعيدة أوقعت إحدى مخطوطات الشاعرة بيَد من قدّمناه بصفة " المؤرخ الأدبي ". ونشددُ أولاً، أنه غير راضٍ عن هذه الصفة؛ ويعدّها ـ وهوَ محقٌ بذلك ـ إجحافاً بقدراته الأدبية الأخرى. لكن ما يُشفع لنا هذا التجاوز غير المقصود، أنّ صفته المذكورة قد برزت للعيان، كون صاحبها أخذَ على عاتقه مهمة التقصّي عن الآثار المفقودة للشاعرة. كذلك، إذا كان معروفاً نوعاً للقراء، فإنه بفضل مقالاته؛ وتحديداً سيَره البيوغرافية، المنذورة للأدباء والفنانين ( منها سيرة هذه الشاعرة بالذات، يا للمصادفة! )، والتي كان يدفعها للنشر في موقع الكتروني معروف. والآن لندع هذا الإشكال العابر، لكي نتقحّص قصةَ مخطوطة الشاعرة، المُفترض أنّ عنوانها، " الفَيْضُ "، والمنبثقة للنور بفضل جهود الرجل؛ ليعودَ ويفقدها من جديد، ضمنَ ملابساتٍ على شيءٍ من الإبهام والغموض.
لقد قرأ ذاتَ يوم لأحد المنظّرين العروبيين، في موضعٍ ما من كتاب أو صحيفة: " إنّ الشعوبيين ينبشون المقابرَ في عملٍ عقيم، سعياً لإخراج شخصياتهم التاريخية من الظلمات إلى النور ". كانَ قولاً حاقداً، وبليغاً في آنٍ معاً، أثّرَ في مؤرخنا لدرجة تفكيره منذ اليوم التالي بضرورة القيام بجولة على الأقدام. وكانَ ذلكَ صباحاً من شتاء عام 1986، مُترعاً بنفثات الراقدين تحت التراب، المهيمنة على أضرحتهم القبابُ الأيوبية، المتناثرة في الحي المجاور، الصالحية؛ ثمة، أينَ تناهت جولته الإعتباطية. لكنها لم تكن اعتباطية تماماً، طالما أنّ ذاكرته تختزنُ معلوماتٍ وافرة، تخصّ البعضَ من أولئك المُجللين بالقباب، كان يستمدها من زياراته المنتظمة للمكتبات الأثرية. هكذا واصلَ جولاته في الأيام التالية، وإن كانت غير منتظمة. فضلاً عن القلم والأوراق، كان مُزوّداً بآلة تصوير صينية، استعارها من صديق. لقد أمِلَ من هذه الزوّادة، أن تعينه يوماً لو شاءَ تسجيلَ وقائع جولته في مقالةٍ أو دراسة. أحياناً، كانَ يشعرُ أنه مراقبٌ؛ لكنه دأبَ على التملّص، بطريقةٍ طبيعية لا توحي سوى بما يوحيه مشهدُ سائحٍ يصوّرُ مكاناً أثرياً أو يكتب عنه في مفكّرة جيب.
في أحد تلك الأيام، وكانت السماءُ قد أشرقت بشمسٍ دافئة غبَّ افراغها ليلاً وابلاً من الأمطار النزقة، وجدَ مؤرخنا نفسه في زقاقٍ مُقفر من الخلق. إنه أحد تلك الأزقة، المتفرعة من الطريق الرئيس ( المعروف عند العامة بالطريق السلطاني )، المتناثرة حوله المقاماتُ المعلومة، والمتصل بين حي الأكراد ومحلّة العفيف. ثمة بإزاء أحد البيوت، رأى مصطبةً حجرية مهشمة الجوانب، لكنها ما تني دافئة بفعل حرارة الشمس. جلس هناك، مسنداً ظهره إلى جدار البيت، وما عتمَ أن أخذ يقاوم نعاساً دهمه بفعل سهاده الطويل ليلة أمس مع أحد الكتب. هوّمَ قليلاً، حتى خيّل إليه أنه يحلم. لكنه سرعانَ ما انتفضَ، ليهبّ على قدميه ويستمر في جولته. ثم دفعه المللُ من العمران إلى الانحدار في درب مجهول، كان يأملُ أنه المؤدي إلى بساتين الصالحية. مع تقدّم الوقت، فيما كانَ يتقافزُ بخفةٍ ليتجنبَ برك الماء أو الوحلَ، كان الهواءُ قد أضحى أكثر رقة حتى خيّل إليه أنه محمّلٌ بأريج الأزهار. برغم لمساتِ الشتاء القاسية، لاحَ بستانٌ كان يجتازُ ممرَه الوحيد، الموحل، مُزدهراً بأشجاره المثمرة وبشكلٍ لافتٍ، أدهشه حقاً. كانت أشجار حمضيات، مُزهرة؛ وعندئذٍ، حَسْب، عرفَ مصدرَ ذلك الأريج. هذا النوعُ من الأشجار ـ فكّرَ مؤرخنا ـ من النادر أن يلقاه المرءُ خارجَ البيوت الدمشقية؛ وكما لو أنها من أفراد العائلة. لم يطل الوقتُ، لتميّزَ عيناهُ ما اعتقدَ لوهلةٍ أنه بيتٌ غريبُ العمارة. لكنه باقترابه أكثر، أدرك أنه أمامَ إحدى المدارس الأيوبية ( أو ربما المملوكية؟ )، وقد أضحت أشبهَ بهيكلٍ من الحجارة المنحوتة، يعلوها قبةٌ متهالكة وحائلة اللون. لكنّ واجهة المدرسة كانت سليمةً نوعاً، تتقاطعُ على أحجارها الأشكالُ الهندسية المتداخلة مع الأشكال النباتية، ليبرز منها رخامةٌ نُقِشَ عليها جملةٌ بخطٍ مُتعثّر: " هذا مقام السيدة.... الحافظة الصوفية العالمة والشاعرة المجيدة رضي الله عنها ". كان جلياً، أنّ أحدهم قد أزالَ اسمَ صاحبة المقام بآلةٍ حادة أو نحوها. تهيأ للدوران حول السور، بغية العثور على الباب الرئيس، عندما باغته ظهورُ رجلٍ عجوز من مكان ما، كأنما الأرضُ انشقت عنه. بدا الرجلُ كأنه قُدّ من رماد، شعراً ولحية وسحنة. أسماله القذرة، فاحَ منها عندئذٍ رائحةُ سمكٍ ميت. أحسّ مؤرخنا بنوع من الخوف في مواجهة العجوز البدائي، حتى سلا أمرَ رائحته. ما لبثَ هذا الأخير أن بادرَ إلى الكلام، بنبرةٍ خالية من الودّ: " كنتَ تتساءل في نفسك عن مكان الباب، أليسَ صحيحاً؟ "
" لستُ أدري عن أيّ بابٍ تتحدث؟ "
" عن باب المقام، الذي خرجتُ منه تواً "، ردّ العجوز مكشّراً عن ابتسامةٍ زادته زرايةً. فكّرَ مؤرخنا أنه أمامَ مخلوقٍ مخبول، فرسمَ بدَوره ابتسامةً مُتكلّفة: " إذا كان ثمة بابٌ للمقام، فإنه شيءٌ حسنٌ ولا شك "
" بدلاً عن السخرية، في وسعك أن تطلبَ مساعدتي لتعرف اسمَ صاحبة المقام "
" لا أسخرُ منك، يا صاحبي "، تكلم هذه المرة بنوع من الشفقة. ثم أردفَ باهتمام: " ولكن، هل اسمُ صاحبةِ المقام مجهولاً حقاً؟ "
" لا، إلا لو كان المرءُ يبحث عن كِناشها المفقود "
" أيّ كناشٍ هذا؟ "
" الفَيْضُ "، أجابَ العجوزُ باقتضاب. ثم فجأةً، استلّ من طيات أسماله كتاباً مجلداً، تبيّنَ أنه المخطوطة المقصدودة. فعل ذلك، بطريقة مَن يَسحب خنجراً من وسطه. بدون نأمة أخرى، دفعَ الكتابَ إلى مؤرخنا وراحَ بعدئذٍ يرمي بصرَه إلى الأعالي. كانت السماءُ قد استعادت لونَها الرماديّ، لونَ العجوز نفسه. هذا الأخير، ما لبثَ أن خاطب الآخرَ بلغته التنبؤية: " ستمطرُ، لا محالة. فأسرعْ يا بني باستنساخ ما استطعتَ من الكناش، بدلاً عن التفكير غير المُجدي بإمكانية تنازلي لك عنه! ".
في اليوم التالي، توجهَ مؤرخنا إلى ذلك البستان مع سماءٍ صافية ترفرفُ فيها الطيور. وصلَ مسيرُه إلى المكان المطلوب. بيدَ أنه أصيبَ بالذعر، لاختفاء أثر المقام. انتقلَ ملهوجاً للبحث في البساتين المجاورة، ولكن عبثاً. أعاده إلى المكان الأول أريجُ أزهار أشجار الحمضيات، وكانَ هوَ الدليل على أنه لم يكن يحلمُ بالأمس. أما الدليلُ الآخر، الذي قطعَ بصحّة واقعة المقام ولقائه بالعجوز، فكانت الصفحات السبع، التي نقلها من المخطوطة. عقبَ عودته إلى منزله، أرهقَ رأسَهُ بالتفكير: " هل كان ذلك الكناش من ضمن المخطوطات، التي سُرقت من صاحبتها في مصر؟ ليتني على الأقل، سألتُ العجوزَ عن ذلك. لا بد أنه يعرفُ معلوماتٍ غزيرة عن حياة الشاعرة ومؤلفاتها. لكنني، في المقابل، أرجّحُ أن ذلك الكناشَ أبقيَ عمداً بعيداً عن أعين الآخرين، كونه يحتوي في متنه على العديد من القصائد الإباحية، التي لم أقرأ ما يُضاهيها حتى عند شاعرات أوربيات، اشتهرنَ باللغة المكشوفة الجريئة ".
بقيَ في حالٍ من العزلة والوحشة، يُعيد قراءةَ تلك الصفحات السبع، علاوةً على ما تمكن من جمعه من المصادر عن حياة صاحبتها ومؤلفاتها المطبوعة والمخطوطة. حقّ له أن يتشاءمَ من رقم 7، كونه يُحيل عادةً إلى الأساطير والحكايات الأخرى الخرافية.. لكنه فعلَ ذلك فيما بعد، لما فُقدت منه تلك الصفحات السبع.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن