المسيحُ السادس

دلور ميقري
dilormikari@hotmail.com

2023 / 4 / 19

برأي رجال الدين الحنيف، إنه ضَرْبٌ من العبث القريب من الجنون ـ ناهيك عن الهرطقة ـ تنطّعَ أحَدِهم للزعم بأنه المسيحُ الجديد، وذلك خارج سلالة إبراهيم، أبي الأنبياء، وبالرغم من قطع أمر خاتم النبيين إلهياً. لكنه تجرأَ وفعلها، الرجلُ القادم من غورداسبور في شمال الهند، والذي تعود أصول أسرته إلى خراسان في بلاد العجم. " الخراساني " هذا، شاءَ أن يضعَ خَتْمَ النبوّة على لقبه، بمُجرّد أن بلغَ الأربعين؛ وهوَ سنّ النضوج العقليّ لنبيَيْن، على الأقل، اختارهما وَحْيُ خالق الكون، هما زرادشت ومحمد. إلى ديانة هذا الأخير، كان الخراساني منتسباً بحُكم الولادة، وبقيَ يصرّ على كون دعوته تصحيحاً لما علقَ بالإسلام من شوائب على مر القرون. مع ذلك، دعاه مسلمو شبه القارة الهندية ب " مُسيلمة العصر ".. وهذا شأنٌ آخر، سنعودُ إليه في سياق حديثنا.
كان لافتاً، من ناحية أخرى، أن تظهرَ تلك الهرطقة الشرقية بعد سبع سنين أوروبية من وفاة ماركس، وقبلَ عقدٍ من رحيل نيتشة في مستشفى المجانين. إلا أنّ الإنكليزَ، الذين كانوا آنذاك ما زالوا يتولون إدارةَ الهند بطريقةٍ أرستقراطية، لم يفكّروا حتماً بتلك المفارقة، الموصوفة، بل اهتموا بالهرطقة الجديدة من باب إنكارها لمبدأ الجهاد. وإنه إنكارٌ، ضاعفَ من حقد رجال الدين المسلمين على الخراساني، بالأخص حينَ دعى أولئك الحكام الأجانب ب " أولي الأمر "، الواجب على المؤمنين إطاعتهم. وقد عزا خصومُهُ التقاعسَ عن الجهاد لتأثيره بالذات، متجاهلين أن مسلمي الهند، وبصفتهم تجاراً غالباً، كانوا يفكّرون بمصلحتهم الدنيوية ويؤثرونها على واجبٍ دينيّ يُمكن تجاوزُهُ بفرائض أخرى ـ كالصلاة والصيام والزكاة؛ وحج بيت الله الحرام، خصوصاً!
" ثيو ميتكالفي "، حاكمُ الإقليم المسلم، حقّ له أن يمتعضَ أحياناً لكونه عمل فيما مضى مساعداً للورد، الذي كان حاكماً عاماً على الهند في نهاية القرن التاسع عشر. لقد ارتبطت باسم ذلك اللورد قضيةُ " جبل النور "، أغلى ألماسة في العالم، والتي زيّنت جيدَ ملكة بريطانيا بعدما هُرّبت بطريقةٍ ما من البنجاب؛ وهيَ قضيةٌ، لم تكن مُشينة بحال من الأحوال في أوان الإدارة الأرستقراطية. مستر ثيو، عليه كانَ أن يتكدّرَ من قضيةٍ أخرى، وذلك عقبَ أعوام قليلة من استلامه وظيفته المرموقة على رأس إدارة الإقليم. بحَسَب تقارير وزارة الخارجية ( وهيَ تقاريرٌ خادعة بنظر بعض المؤرخين المعاصرين )، أنّ الرجل كان متسامحاً إلى حدّ كبير مع رعيته المسلمين، ونادراً ما استعمل الرصاصَ في تهدئتهم. إلا في أحد أيام كانون الثاني/ يناير، حيث تمنى لو كان في وسعه أن يُردي بمسدسه الغباءَ البشريّ برمته. هذا مع أنه كان ما زالَ منشرحاً، عقبَ الاحتفال المهيب بحلول القرن الجديد؛ سواءً بشأن الزينة المبالغ بها في مدخل قصره أو الألعاب النارية في سمائه. كان إذاً صباحاً بارداً، حملت فيه الريحُ ثلوجَ جبال هيمالايا لتغمر بها القصرَ والمدينة والإقليم بأسره، لما استأذنَ قاضي الإقليم في المثول أمام الحاكم. قالَ لهذا الأخير بعبارةٍ صارمة، لكنها هادئة: " إنني مُكلّفٌ من لدُن رجال الدين والأعيان بنقل رغبتهم في محاكمة المسيح الدجال، المدعو بالخراساني.. ومن بعد إذنكم، طبعاً ". لاحَ للوهلة الأولى أنه أقحمَ اسمَ خصم النصارى، التاريخيّ، بُغيةَ نيل القضية تعاطف الإنكليز. سأله الحاكمُ بشيءٍ من الدهشة، كونه لم يفهم المطلوبَ منه: " هل ستقدمونه إلى المحكمة، المختصة بأمور الأجانب ؟ "
" لا، بل إلى محكمتنا الشرعية "
" آه، فهمت. أنتم تريدون موافقتي، حَسْب؛ مثلما فعل اليهودُ مع بيلاطس الروماني "
" وماذا فعل اليهودُ، يا سيّدي، مع ذلك الرجل؟ "، قالها القاضي وقد جحظت عيناه قليلاً من تشبيهه بالملّة الملعونة. أوجزَ الحاكمُ عندئذٍ قصةَ محاكمة المسيح بن مريم، مُشدداً على اسمه كيلا يختلط مع اسم المسيح الدجال. هزّ الآخرُ رأسَهُ على الأثر، في حيرةٍ متماهية مع الريبة والحذر، قبلَ أن يُغمغم: " أجل بالطبع، إنها أفعالُ اليهود في كل مكان وزمان. قد يكون الخراساني من ملّتهم بالأصل، ويدّعي الإسلامَ تقيّةً ونفاقاً "
" أحم! "، تنحنحَ الحاكمُ. كانَ من نفس الملّة؛ ولو أنه يعدّ نفسه لادينياً، كغالبية الانتلجنسيا الأوروبية. ثم قال بضجر: " على أيّ حال، بما أنكم تطلبون موافقتي، فإليكم هذا الاقتراح: تجلبون المتهم إلى هذا القصر، غداً إن أمكن، ويُستحسن بعد تناولي الغداء بساعتين على الأقل. وأوصي على ضرورة اعتقاله وتوقيفه بكل حرص، كونه بنظر القانون بريئاً حتى تتم إدانته ". طأطأ القاضي رأسَهُ خضوعاً للأمر، فاستدرك الحاكمُ قائلاً: " وليحضر أيضاً ممثلون عن الأعيان، فضلاً عن رجال الدين المرموقين. سأستمعُ إلى الرجل، ومن ثم أقررُ إن كان يحق لكم تقديمه للقضاء ". كانَ الحاكمُ يعي حدودَ سلطته على الأمور الدينية، المتعلقة برعاياه المسلمين. بالرغم من ذلك، كانَ من الصعب عليه قبولُ التضحية برجل مثل الخراساني، يحضُ أولئك الرعايا على نبذ العنف وعلى التعاون مع الإدارة الملكية.
بدَوره، سلّمَ الخراساني نفسه ذلك اليوم وبدون حاجةٍ للمقاومة. مع أنّ عشراتٍ من أتباعه المخلصين كانوا على مدار الساعة يحرسون سورَ منزله المتواضع، المُحاط بأشجار الصنوبر، الزاهية بخضرتها المُخضّلة ببياض الثلج. كان لدى توقيفه يغرسُ ريشته في المحبرة، منهمكاً بتسويد أوراق آخر كتبه؛ وهيَ الكتبُ، التي ستكملُ رقمَ الثمانين في أواخر حياته. بيدَ أنه ما فتأ ذلك اليوم بعُمر الرجولة، يفتخرُ بأنّ التجاربَ المريرة لم تُزده إلا بالنضج الفكريّ والخبرة العملية وصلابة الإرادة. وكانَ يؤكّد لأتباعه وخصومه على حدّ سواء، أنّ الإفتراءَ المتواصل بحقه، جعله إلى حدّ بعيد ينأى بنفسه عن الدوغماتية؛ وهيَ الصفة، الملتصقة عموماً برجال الدين. وبالتالي، أضحى منفتحاً على تقبل العقائد المخالفة.
والحق أنّ آراءَ الخراساني عن النهاية الوشيكة للعالم، عليها كانَ أن تجذبَ مشاعر الفقراء، التائقين إلى الفردوس الإلهيّ. أما الطبقة الوسطى، التربة الخصبة للدعاة التقليديين، فإنها عَدّت الخراساني بمثابة عدوها الأول. هذا، مع أنها تلتقي معه في نقطة مهمة: تجنب الاصطدام مع الإدارة الإستعمارية؛ ولو أنها مقتنعة به لدافع دنيويّ، مثلما جرت الإشارة إليه في مكان آخر. وأشرنا أيضاً قبل قليل، إلى أنّ الأعيانَ كانوا وراء دعوة القاضي لمحاكمة " مسيلمة العصر "، لكي يدفع ثمنَ عبثه العقيم بالعقيدة المحمدية. وكذلك، وخصوصاً، محاسبته على إثارة خيال العامة بالحياة الكريمة؛ ولو من باب الزعم بقرب يوم القيامة.
في الموعد المُحَدد من نهار اليوم التالي ( المُتفق مع هضم الحاكم لوجبة غدائه الدسمة )، سيقَ المتهمُ مكبلاً إلى القصر. وكانَ يدخلُ للمرة الأولى هكذا مكانٍ، مُريب ومشبوهٍ بنظر المسلمين، هوَ المُفترى عليه بممالأة الإنكليز وأنّ هؤلاء يمولون نشاطات جماعته. واقفاً الآنَ في مواجهة خصومه، المُحتشدين في الصالة الرئيسة جلوساً على الأثاث الوثير المتلائم مع الطراز الباروكي للقصر، كانَ الخراساني غيرَ مطلع بعدُ على سبب وجوده هنا. لكنه سرعانَ ما أدرك حقيقةَ محاكمته الاعتباطية، وذلك حينَ تولى القاضي مهمة التنديد بأفكاره ووصفها بأنها: " خليقة بإثارة الفوضى والإضطراب في المجتمع، من ناحية. ومن ناحية أخرى، تعمدُ إلى نكء جرح الحقيقة من خلال الإدعاء بأن السيد المسيح هوَ مَن صُلِبَ وليسَ يهوذا الخبيث، مخالفةً أيضاً كتابنا الحكيم "
" مهلاً، مهلاً! إنك خلطت الأمورَ بعضها ببعض بلا تبصّر، يا فضيلة القاضي "، هتفَ المتهمُ مقاطعاً الإدعاء. ثم واصلَ بنفس النبرة الساخرة: " إنك تعي جيداً، قراءتنا المختلفة للقرآن فيما يخص واقعة صلب المسيح "
" القرآن الكريم يقول ‘ شُبّه لهم‘؛ أي أنهم اعتقدوا بكونه ماتَ على الصليب، في حين أن الله رفعه إلى السماء. وبحسب اعتقادكم الباطل وغير المنطقيّ، أنّ المسيحَ نجا من الموت على الصليب ثم فرّ إلى هذا الإقليم بالذات وماتَ مُعمّراً "
" وهل أعتقادكم نفسه يتفق مع المنطق؟ إننا مثلكم، نؤمن بقدرة الله على فعل أيّ شيء حتى لو كانَ متناقضاً مع المنطق! "
" ولذلك تَزعمُ بأنك أنتَ المسيح الجديد، باعتبارك من سلالة عيسى بن مريم، الذي استقر في الهند ـ كذا ـ عقبَ هربه من موطنه؟ "
" أبداً، نحن لا نعتقد بأحقية أيَّ آلٍ؛ إن كان آل بيت محمد أو آل بيت عيسى! عقيدتنا في جوهرها، تؤمن بتخطي مراحل سبع؛ أولها في زمن آدم، ونهايتها في هذا العصر السادس، الذي شاء الله أن أظهرَ فيه كمسيح جديد، يُبشر بالمرحلة السابعة والأخيرة للبشرية ".
قال القاضي بحيوية، متوجّهاً للحاكم: " ألم أقل لكم قبلاً، يا سيّدي، أنه المسيحُ الدجال؟ ". ثم استطردَ موضّحاً: " ولأنّ عقيدتنا تتممُ العقائدَ السماوية السابقة، فإنها نوّهت أيضاً من خلال عدة أحاديث شريفة بظهور المسيح الدجال ". هنا، سأله المتهم: " أليسَ للمسيح الدجال صفاتٌ وأفعالٌ معيّنة، يَستدل بها المؤمنون على شخصيته؟ أذكرها إذاً لهذا المحفل المبجل، يا فضيلة القاضي، وذلك نقلاً عن أحاديث الرسول؟ ". تلجلجَ لسانُ الإدعاء، وبقيَ عاجزاً عن الجواب. عندئذٍ، مُطلقاً ضحكة قصيرة، ابتدأ الخراساني بتعداد تلك الصفات والأفعال، واضعاً نفسه بالضد منها: " إنّ المسيحَ الدجال أعورٌ، وأنا سليم العينين. لقد كتب الله على جبهته كلمة ‘ كافر‘، فهل ترون هكذا كلمة على جبهتي؟ المسيحُ الدجال، قادرٌ على دخول جميع حواضر الأرض باستثناء مكة والمدينة؛ لوجود ملائكة ثمة تتصدى له: أنا دخلتُ مكة والمدينة أثناء قيامي بالحج، قبل عدة أعوام، وبعضُ حضور هذا المجلس يشهدون بذلك "
" إدعاؤك النبوةَ، يكفي لاتهامك بالكفر والتجديف. إنك بذلك تُخالف عقيدتنا، التي تجزم بأن محمداً هوَ خاتمُ النبيين "، قال القاضي مستعيداً نوعاً زمامَ نفسه. ردّ عليه المتهمُ من فوره، بذكر آيةٍ من القرآن، لينتهي مُحدداً فهمه لها: " خاتمُ النبيين، يعني أن محمداً زينةُ الأنبياء؛ مثلما الخاتم يُزين إصبعَ المرء. ومن المُحال أن يختتمَ الله النبوةَ، طالما أن العصورَ تتوالى حتى نهاية العالم ". ثم توجّه الخراساني إلى الحاكم، ليُخاطبه بالقول: " في بداية الدعوة، واجه مسلمو مكة اضطهاداً غير محتمل من قبل المشركين. عند ذلك نصحَ النبيّ أتباعه بالهجرة إلى الحبشة، علّهم يجدون الحماية في ظلّ ملكها المسيحيّ؛ المدعو بالنجاشي. وهذا ما حصلَ فعلاً. لكنّ المشركين أرسلوا أحدهم، لكي يقنع النجاشي بإعادة المهاجرين إلى موطنهم. ثمة في مجلس الملك، جرت مناظرةٌ بين الطرفين، انتهت لصالح المسلمين. تلك كانت مناظرة شبيهة بهذه المناظرة، التي قمتم أنتم برعايتها بيني وبين هذا القاضي ". هزّ الحاكمُ رأسَهُ؛ كأنما إيحاءٌ بالتفهّم، وربما بالتعاطف أيضاً.
تصاعدت على الأثر دمدمةُ الضيوفِ، المعبّرة ولاريب عن عدم رضاهم عن أداء القاضي. في الأثناء، كان المُضيف قد توصلَ بارتياحٍ نسبيّ إلى قرارٍ بخصوص مصير المتهم. فأن يكونَ هوَ، ثيو ميتكالفي، رجلاً لادينياً ومتحررَ الفكر، فيُسلّم رجلاً لخصومه كي يعدمونه بمسوّغ مخالفته لعقيدتهم ـ كان أمراً مستحيلاً، على الأقل من الناحية الأخلاقية: " فمثل هذا الأمر كان مُمكناً في الماضي، وليسَ في القرن العشرين ".
إننا الآنَ في القرن الواحد والعشرين، الذي ضافرَ من إثراء عدد معتنقي ديانة الخراساني ليبلغوا حوالي العشرين مليوناً؛ بحَسَب الموسوعة البريطانية. أما نبيّهم، المسيحُ الجديد، فقد جاءَ بعده خمسة خلفاء. وسيأتي آخرون أيضاً في الطريق إلى نهاية العالم. الخراساني، كانَ قد ماتَ بهدوء وسلام شيخوخته بين أتباعه المخلصين. إنهم دفنوه في ذات الضريح، أينَ يَرقد المسيحُ بن مريم تحتَ أشجار الصنوبر، الزاهية شتاءً بخضرتها المُخضّلة ببياض ثلج جبال هيمالايا.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن