قراءة في قصيدة من ديوان -ذاكرة بيضاء- لمؤمن سمير بقلم/ ياسمين مجدي

مؤمن سمير
momensamir76@yahoo.com

2023 / 3 / 25

"نلمعُ في الليالي" شعر/ مؤمن سمير - ديوان "ذاكرة بيضاء"
دائماً ما تجد زجاجاً مكسوراً
بجوار الحوائط و الأسوار
حوافه مسنونةٌ
وجاهزة للخدش والذبح..
هذا الزجاج يحزن بصدق
إذا حاذاه الأطفال أو ركلوه مثلاً..
لا يدرك المجانين أنهم بهذا
يستثيرون طاقة الشَرِّ داخله
و عندما يهل المساء
سوف تنقشُ القطعةُ الغاشمةُ قِصَّتها
على جِلْد أحدهم
ثم تأخذ نَفَساً عميقاً وتغني
"أنا الوحيدةُ هنا.."
ليصفو دمعها إلى ضوءٍ خام
علَّ سفينةً تلتقط الإشارة
وتُذَكِّر عيون الأسماك الزجاجية
بأن لها أخوةً
يذوبون في هذه الدنيا
ويطيرون كالغبار..
هي ليست نجمة بالسماء إنما قطعة زجاج شرسة ومتأهبة لتجرحك في قصيدة الشاعر مؤمن سمير "نلمع في الليالي"..قصيدة شعرية مغزولة بخيوط الحكاية، تروي قصة الزجاج الذي يعاني الحزن والوحدة فيخدش الناس.. ومع ذلك يتألم هو.
يتحول المؤلف في استخدام الضمائر من ضمير المخاطب إلى ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم "دائما ما تجد".. إلى" تغني".. إلى "أنا الوحيدة".. كما لو أنه يستخدم ضمير المخاطب ليخبرك في البداية كيف يراك الناس من خارج.. ثم بضمير المتكلم يعلن كيف تكون "الأنا" بالفعل من الداخل وتروي عن نفسها.
التحولات ليست حاضرة في الضمائر فحسب.. بل مفردات القصيدة نفسها تخضع للتحول.. فالحديث عن زجاج.. ثم هذا الزجاج يغني.. ثم دموعه تتحول إلى ضوء خام ربما تلتقطه سفينة...تلك التحولات المتواصلة في نص مؤمن سمير تشي بالهرب أو بالمحاولة المتواصلة لتبديل الذات بذوات أخرى من أجل تحقيق السعادة والنجاة المنشودة.
تحضر المفارقة في النص في مناطق كثيرة فقطعة الزجاج لها أخوة يذوبون في الدنيا ويطيرون كالغبار... وكيف تطير وتذوب وهي من زجاج.. إنها صورة لا يدركها غير الشاعر وهو يذيب الزجاج في مخيلته ويمكنه من الطيران مثل الغبار.. صورة مليئة بالخيال وتخبر الواقع أن بإمكان الشاعر كتابته على طريقته.. فتمنح للأشياء حريتها ومحاولات للنجاة بقوانين لا تنتمي للواقع.
سبق وكتب الشاعر ديوانا يستلهم فيه فكرة الحواس الخمس.. وهنا ايضا نجد الحواس حاضرة، فالزجاج يخاطب حواس الآخرين بإشارة مسموعة أو بالغناء، وأيضا بالرؤية فعيون الاسماك ترى فتتذكر.. اللمس يحضر ايضا من خلال الخدش.. ربما تبدو قطعة زجاج متوحشة لكنها تغني أغنيتها في المساء قائلة "أنا وحيدة" ورغم ما تمارسه من عنف إلا أنها بانتظار أن يمد أحدهم يده نحوها لينجيها. تواصل بعث إشارتها فقد تلتقطها سفينة، وجاءت نكرة.. لأنها سفينة عابرة وأي سفينة ستفي بالغرض المهم أن تحمل النجاة.

* بقلم/ ياسمين مجدي.. صفحة "الكتابة طقوس وتجارب" على فيسبوك بتاريخ23 مارس 2023.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن