«ذاكرة بيضاء».. حين تتيح الشعرية عددًا من التأويلات بمذاق سردى بقلم/ماهر حسن

مؤمن سمير
momensamir76@yahoo.com

2023 / 3 / 25

بعد أن صدر له في بداية العام 2022ديوان "بعنوان "ببطء كأنه كبرياء" عن دار "الدراويش" في ألمانيا، صدر لشاعر جيل التسعينات الشعري الحداثي مؤمن سمير، ديوان جديد عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان «ذاكرة بيضاء».. يتكون الديوان من عدد كبير من القصائد يتجاوز السبعين قصيدة، تفاوتت ما بين القصائد الأقرب للطول والأخرى الأقصر التي تتكون من عدد محدود من الأسطر أو الكلمات.. تجمع الكتابة في شكلها الصياغي ما بين القصائد العرضية التي تصير كتلة بحد ذاتها تعتمد السطر الشعري والتي عادة ما يكون قوامها السرد الذي لا يخرج من النفَس الشعري، لتعتبر في حد ذاتها كناية كبيرة تخلت عن المجازات الصغيرة الضخمة.. و القصائد الأخرى التي تتكون من جمل شعرية تظهر لنا تحت بعضها بتراتبها المعتاد.. تمزج قصائد الديوان بين قصائد تعتمد البساطة والتي ربما يتضح دوماً أنها أقرب لشَرَك جمالي منصوب حيث تتيح الشعرية عدداً كبيراً من التأويلات وتفتح أبواباً لمناطق قد تكون مستترة في الوعي، وبين قصائد تنجح في تكون سبيكة مضفورة من المجازات المصاغة بلعب ونزق وجنوح أحياناً وبين جمل تصلح لأن تكون معبراً هادئاً بين ضفاف مشتعلة.. الذاكرة هي مادة الكتاب الأساسية ومفتاحه الفني وسره وتميمته، حيث تصرح الكتابة بهذا في أحيان كثيرة وتحدده وتلفت النظر إليه ثم ما تلبث أن تعتبره متكأ للخروج والنقض في أحيان أخرى حيث أنها دوماً ضد أي يقين قد تحصل في التلقي فغايتها المفترضة دوماً هي السؤال وليست الإجابات أياً ما كانت.. الذاكرة كائن حي بليغ في مكره وفي هداه وهي متحركة كلما تدعي الثبات.. الذاكرة بدنياها الساخنة وتحولاتها و ميتاتها المتكررة وحيواتها الملتبسة ثم شرها وهيمنتها في أحيان تتمدد فيها وتملأ الدنيا بأسرها.. هي العارية الملتفة بالعظام واللحم وتحيا بالحمولات التي تمتح من اصطدام ملامح أخرى بملامحنا التائهة وسط الزحام.. تحمل القصائد ألعاباً وأسئلة واقتراحات شعرية تتقاطع مع النور والظلام ومع النار التي تضئ وربما تحرق وربما تظل سراباً، ومع الخوف والرجاء والتلاشي ومحاولة القبض على آخر لحظات النور المنسحب من العيون التي صارت تشيخ كل لحظة حيت تحاول الشعرية القبض على اللحظات قبل فنائها وفي لحظاتٍ أخرى تكتشف أن السعادة تكمن في تركها تفنى والغناء على قبرها، كأن القسوة وجه آخر ليس غريباً عن السياق الإنساني الموار.. كذلك تتصادق القصائد مع الإشارات واللمعات والهدايا والطلقات التي ترسلها كل لحظة هذه الذاكرة التي لا تعطي نفسها لكل حبيب أو عدو بالكلية ولكن على مهَل يقوم بفتح طرق للوجود وتحولاته الوعيية والنفسية والوجودية.. تتحاور الشعرية إذن مع الممكن والممنوع، السهل المتاح كفخ والعصي على التصور بعد أن انكشفت صعوبة كونه يقيناً.. مؤمن سمير من مواليد 1975 وأصدر قبلا 31 كتابا متنوعا بين الشعر والمسرح والمقالات والنصوص.. ونورد هنا مقاطع من الديوان:
(الدموعُ يا صديقي جملةٌ منسيةٌ في جَيْبِ فنانٍ غامضٍ وشفيف، خطفها مجنونٌ وألقاها فاستقرت في ذلك القلب الذي يحيا على الخوفِ والنسيان.. عباراتٌ مثل هذه تجعلني أعيد النظر في أشيائي القريبة و البعيدة: أليس من الممكن أن تكون أقنعةً لقنابلَ قد تمزق أمي وتحرق صوتي وسجادتي التي اختبأتُ في نقوشها لأنجو من الزلزال؟ أَلا يصح أن تكون يد أبي التي تُحكم الغطاء من حولي وأنا أتظاهر بالنوم هي صاعقة الله الذي مَلَّ من ضجيجنا و بكائنا..؟)
(يبدو أنني أصبحتُ أشبِهُ ذلك العجوز
الذي لا يكترث لقصائد تمرُّ أمام عينيه
ولا يقوم من جِلْسته حتى، ليشُدَّها ويحبسها
في كيسهِ القديم
وكلما حلَّقَت أسراب الطائراتِ، دَبَّ الأرضَ
بمللٍ،
لتصحو قبائلُ النملِ، و تحملهُ
على رأسها وتسير..)
(في زماني الأول، كانت قدرتي على المحبة عجيبةً و مربكة.. كان قلبي يقفزُ جواري ويربت عليَّ ببساطة وشراييني تغني وتنتفخُ و تطير.. كانت عيوني تدور هنا وهناك بحريةِ مَنْ فَرَّ من قيدهِ السميك وكانت الأمور تصل لدرجة أن أشاركَ مَلاكاً غمزاتٍ بلا عدد ونحن نصطادُ من البحيرة.. لكنني الآن
بعدما فتحتُ صندوقَ أبي المدفون تحتَ السرير..
و بعدما نطَقَت الخرساءُ وأخبرتني بكل ما كان..
و أمي التي عادت لكوخها قبل أن تبدأ الدراما،
صرتُ لا أحبُّ شيئاً..
صرتُ حراً
كأنني رشقةُ ضوءٍ جاحدة
لا تكُفُّ عن اختراق الأشياء..)..
* جريدة "المصري اليوم" Pdf عدد يوم الأربعاء 22-03-2023 صفحة 11 "سور الأزبكية".



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن