تاريخ فرنسا 18 – شارل الثامن ولويس الثاني عشر

محمد زكريا توفيق
zakariael@att.net

2023 / 3 / 20

الفصل الخامس والعشرون

شارل الثامن، 1483-1498

كان عمر شارل الثامن، تسع سنوات فقط، عندما توج ملكا على فرنسا. كان صبيا عليلا، برجلين ضعيفتين ورأس كبير، لكنه مليء بالأمل وروح التفاؤل.

لم يهتم والده أبدا بتعلمه، وكان يردد: "كل ما يجب أن يعرفه الملك، هو الرياء". أخته آن، سيدة بوجو، التي كانت وصية عليه ومسؤولة عن تربيته، كانت تفكر مثل والدها، فلم تهتم هي الأخرى بتعليمه وتثقيفه.

لم يقرأ في صباه، سوى القصائد والقصص الرومانسية، عن الفرسان والنساء والتنين والسحرة. لم تقم هذه القصص بتعليمه الرياء، بل أصبح يكرهه. فهو في حياته، لم يخدع أحدا أبدا، ولم يف بوعد قطعه، وكان مهذبا دائما. لا يعرف الحقد، مثل والده، ولم يزعج أو يسبب الحزن لأي شخص عن عمد، طيلة حياته.

في البداية، تشاجرت أخته، سيدة بوجو، مع ابن عمهم وصهرهم، دوق أورليانز في وسط فرنسا، الذي اعتقد أنه أحق بالوصاية على العرش من امرأة. وعندما رفض طلبه، ذهب إلى مقاطعة بريتاني في الشمال الغربي من فرنسا، لكي يثير هناك القلاقل.

لم يكن لدوق بريتاني ابن، وكان الجميع يتمنون الزواج من ابنته الصغيرة آن. وكان دوق أورليانز نفسه، يأمل في تطليق زوجته الطيبة جين، والزواج من هذه الفتاة الصغيرة.

لكن حدث أخيرا، أن قامت حرب بين مقاطعة بريتاني وفرنسا، سقط خلالها دوق أورليانز، الذي كان يحارب في صف بريتاني، ووقع أسيرا.

وظل، دوق أورليانز الأسير، يرسل من قلعة إلى قلعة، تتبعه زوجته الوفية جين، للتخفيف عنه. لم تتركه أبدا إلا عند محاولة الحصول على عفو له.

لكن سيدة بوجو الوصية على عرش فرنسا، كانت تخشى إطلاق سراحه، طالما آن، أميرة بريتاني، لم تتزوج. وكان الحل الأفضل، هو زواج الملك الشاب شارل من آن، وضم دوقية بريتاني لمملكته بعد الزواج.

لكن من ناحية، كانت مارجريت، ابنة الامبراطور ماكسيميليان، مخطوبة لشارل. وآن مخطوبة إلى ماكسيميليان نفسه. ومن ناحية أخرى، لا يوجد شيء يكرهه البريتونيون، أكثر من فكرة انضمام بلدهم إلى فرنسا.

ولقد أراد الفقراء في بريتاني أن تتزوج الفتاة آن والتي كانت في الرابعة عشرة من عمرها، من البارون العجوز، آلان دي ألبريت، الذي كان لديه ثمانية أطفال بالفعل، لأنهم اعتقدوا أنه سوف يقاتل من أجل الدوقية، ومنعها من الانضمام إلى فرنسا.

أثناء هذا الوقت، توفي دوق بريتاني، وكان على آن الشابة المسكينة أن تكافح بنفسها ضد الفرنسيين، الذين أرادوا الحصول على الدوقية وأخذها منها، وضد البريتونيين، الذين أرادوا إجبارها على الزواج من العجوز آلان دي ألبريت.

انتظرت عبثا الامبراطور ماكسيميليان، إمبراطور الرومانية المقدسة، على أمل أن يأتي إليها، كما جاء من قبل إلى ماري من بورجندي. لكن، ثار الفلمنكيون ضده، عندما حاول الاستعداد بجيش، واضطر إلى الاختباء في متجر للصيدليات، حتى تم نقله إلى السجن في قلعة بروج.

في هذه الأثناء، كونت آن، من بوجو، جيشا، ودخلت بريتاني، واستولت عليها بلدا تلو الأخرى. أما آن، من بريتاني، فقد صمدت في مدينتها، رين.

لكن، في وقت متأخر من إحدى الأمسيات، جاء شاب نبيل، مع مجموعة صغيرة إلى البوابات، ورغب في رؤية دوقة بريتاني. لقد كان هو شارل الملك. فارس، حلو الأسلوب وكان لطيفا جدا. لدرجة أن الدوقة آن، قد نسيت اعتراضها، ووافقت على الزواج منه.

هكذا، انضمت دوقية بريتاني إلى التاج الفرنسي. أسوأ ما في الأمر، هو أن شارل الثامن، كان قد خطب مارجريت، ابنة ماكسيميليان من قبل. ولم تهتم أخته كثيرا بالأمر، وكان لا يزال تحت وصايتها. وبمجرد زواج شارل وآن، تم إطلاق سراح دوق أورليانز.

كان يعيش شارل الثامن دائما على الرومانسية، وأراد أن يكون ملكها. لذلك، تذكر الحق في مملكة نابولي. فكون واحدا من أروع الجيوش التي شوهدت في فرنسا في أي وقت مضى، لكي يغزوها ويضمها إلى مملكته.

لم يكن هناك أحد في إيطاليا مستعدا لمعارضته. لأن المدن كانت كلها تتشاجر فيما بينها، والبابا الذي كان يحكم آنذاك، الإسكندر السادس، كان من أشر الرجال الذين عاشوا على الإطلاق.

كان جميع الرجال الطيبين يأملون أن يقوم هذا الملك الشاب بتصحيح الأوضاع، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، واستدعاء مجلس الكنيسة، لتطهير محكمة روما.

لكن شارل، كان مجرد شاب، يهتم حتى الآن بالظهور كفارس عظيم. ولم يكن حتى في إمكانه الحفاظ على النظام بين أفراد جيشه، الذين قاموا بترويع الناس في إيطاليا، مما جعلهم مكروهين للغاية.

توج شارل ملكا لنابولي، وترك قسما من جيشه لحراسة المملكة هناك. ثم ركب عائدا على طول إيطاليا كلها. في الطريق، أعطى دوقية ميلانو لصهره، دوق أورليانز، التي كانت جدته، فالنتينا فيسكونتي، ابنة دوق ميلانو.

لكن، تكاتفت جميع الولايات الإيطالية ضده، وكونت جيشا عظيما، هاجم شارل في فورنوفا. فأظهر روح عالية، وشجاعة عظيمة هناك.

وكما يبدو، أنه كان ينضح بالشجاعة والحكمة، ويقاتل مثل الأسد الهصور. فحقق انتصارا كبيرا، جعله يعود إلى زوجته، الملكة آن كفارس حقيقي.

لكنه لم يستطع الاحتفاظ بما قد غزاه، ولم يرسل تعزيزات أو إلى جيشه في نابولي. لذلك، تم طردهم جميعا من قبل الإسباني العظيم، كابتن جونزالو دي كوردوفا، ولم يستطع منهم العودة لديارهم في فرنسا، سوى مجموعة صغيرة، كانت في حالة بائسة.

بدأ تفكير شارل يزداد عمقا مع كبر السن. لقد فقد كل أبنائه الرضع، وتسبب حزنه في تغيير شخصيته جذريا. فأصبح يقرأ كتبا أفضل من رومانسيات الفروسية. لقد تعلم الحقيقة والشرف واللطف في صغره، الآن هو يتعلم التقوى والعدل والحزم.

لقد قرر أن يعيش زاهدا مثل سانت لويس التاسع. فبدأ، مثله، يجلس تحت شجرة البلوط، يستمع إلى شكاوى المظلومين، محاولا إنصاف الجميع.

عرف كم كان هو مخطئا وأحمقا في إيطاليا. وبدأ للتو في اتخاذ الترتيبات اللازمة لرحلة استكشافية أخرى، للتعويض عن أخطائه السابقة.

في يوم من الأيام، بينما كان يمر بممر مظلم يؤدي إلى ملعب التنس في بلوا، اصطدمت جبهته بحديدة قمة المدخل، فسقط مغشيا عليه. ظل كذلك لبضع ساعات، ثم مات وهو في سن التاسعة والعشرين عام 1498، بعد خمسة عشر عاما، قضاها في الحكم.

لقد كان محبوبا من خدمه لدرجة أن أحدهم مات حزنا عليه. وكانت خصاله النبيلة، مثالا اقتادت به الفرسان في جميع أنحاء فرنسا، بطريقة لم يسبق لها مثيل من قبل.



الفصل السادس والعشرون

لويس الثاني عشر، 1498-1515


شارل الثامن، كان قد فقد كلا طفليه. لذلك، جاء للحكم لويس الثاني عشر، الذي كان دوق أورليانز، حفيد الابن الثاني لشارل الخامس.

كان لويس رجلا عطوفا، مثيرا للإعجاب لقوله، عندما طلب منه معاقبة بعض أعدائه القدامى: "لقد نسي ملك فرنسا كل الإهانات التي ألمت به عندما كان دوق أورليانز".

ومع ذلك، فأول شيء قام بفعله، هو رشوة البابا العجوز الشرير، ألكسندر السادس، لكي يسمح له بالانفصال عن زوجته الطيبة المخلصة، جين، التي ذهبت إلى الدير، لكي تقضي بقية حياتها في الصلاة من أجله.

بينما تزوج هو من آن البريتانية، حتى يمكنه ضم دوقيتها إلى تاج فرنسا. وكانت ملكة نبيلة جدا، عالية الروح، حافظت على بلاطه في حالة من النظام الممتاز. الذي أصبح يضرب به المثل كأفضل بلاط ظهر بين القصور الملكية الفرنسية.

لم يستطع لويس أن يرتاح حتى ينجز الكثير، مثل شارل الثامن. لذلك، تحالف مع البابا، وانطلق إلى إيطاليا مع جيش جرار آخر، واستولى على ميلانو.

لم يذهب لويس بنفسه إلى نابولي، لكنه أرسل جيشا إلى هناك، استولى على جزء كبير من المملكة. ولكن بعد ذلك، أقنع الملك الإسباني، فرديناند، لويس لصنع السلام معه، وتقسيم مملكة نابولي مناصفة بينهما.

لكن، بينما كان الملكان ووزراؤهما يتفاوضون على حدود التقسيم، كانت المعارك لا تزال دائرة، كما لو أنهما لم يعقدا معاهدة.

في البداية، كان للفرنسيين ميزة، وهي وجود فارس بين فرسانهم، اسمه بيارد، معروف بالشجاعة والإقدام. أما كابتن الإسبان، جونزالو دي كوردوفا، فقد أغلق نفسه داخل مدينة بارليتا، وصمد لحصار طويل مرهق.

إلى أن جاءته قوات جديدة من إسبانيا، وقامت بهزيمة الفرنسيين تماما في معركة شيرينولا في نابولي، ثم تم طردهم، من مدينة تلو الأخرى، وقلعة تلو الأخرى، كما فعلوا من قبل.

الإيطاليون أنفسهم كرهوا كلا من الفرنسيين والإسبان على حد سواء. وكانوا يريدون فقط استقلال إيطاليا من كلاهما. لكن، بدلا من الاتحاد جميعا معا ضدهم، أخذت دولهم الصغيرة وأمراؤهم جوانب مختلفة، وفقا لما اعتقدوا أنه الأصوب. وفي المعارك، لم يكن يهتمون كثيرا بمن يقتلون، طالما كان المقتول أجنبي.

كان هناك فيلسوف ذكي من فلورنسا، يدعى مكيافيلي، كتب كتابا بعنوان "الأمير". في الكتاب، قال إن المكر والخداع هما الطريقتان الصحيحتان اللازمتان لكي تزدهر الدول الصغيرة وتطيح بأعدائها.

هذا الفكر المشوش، تم أخذه بجدية كأسلوب لسياسة جيدة. وظهرت طريقة للقتال غريبة. فكانت تتكون فرق مرتزقة من عصابات، أتقنت فن القتال والحرب. لا تهتم بمن تقتل، ولا أية قضية تدافع عنها. هم يؤدون خدماتهم نظير رواتب جيدة، ويسمح لهم بنهب المدن، وأخذ السجناء للحصول على الفدية.

وكانت بعض هذه الفرق على ظهور الخيل، والبعض الآخر تسير على الأقدام. لكن الأكثر رعبا على الإطلاق، كان من بين جنود المشاة السويسريين، الذين كانوا فظيعين جدا، بحرابهم الطويلة، والذين يوظفون أنفسهم كقتلة لأي شخص يدفع لهم جيدا.

وإذا لم يحصلوا على المال الكافي، يتمردون، وينتقلون للجانب الآخر، إذا كان يدفع أكثر.

عن طريق الخطأ، قام البابا الشرير، ألكسندر السادس، بدس السم لنفسه، وكان المقصود كان شخصا آخر، أراد البابا قتله. البابا الجديد، يوليوس الثاني، صنع تحالفا بين لويس والإمبراطور وماكسيميليان ضد البندقية.

كان يطلق على هذا التحالف، عصبة كامبراي. لكن، بعد أن غزا الجيش الفرنسي عدة مدن إيطالية، وأعطاها للبابا يوليوس كما وعد، انضم البابا الجديد إلى الإيطاليين في كرههم للأجانب، وتخلى عن موقفه السابق.

ثم صنع البابا تحالفا آخر، أطلق عليه الرابطة المقدسة، مع الإمبراطور ماكسيميليان الروماني المقدس، والملك الإسباني فرديناند، والملك الإنجليزي هنري الثامن، من أجل طرد الفرنسيين من إيطاليا. كان هذا هو المكر الذي كان يعنيه مكيافيلي في كتابه، ويقدمه على أنه فكر في سياسة جيدة.

بعد ذلك، تعرض الجيش الفرنسي في إيطاليا لهجوم الإسبان والإيطاليين. بالرغم من شجاعة الجنرال الفرنسي الشاب، جاستون دي فوا، دوق نيمور، الذي انتصر في معركة كبرى في رافينا.

إلا أنه قد قتل في نهاية اليوم، فتكالب الجميع ضد الفرنسيين، وتم طردهم من دوقية ميلانو، ومن فوق جبال الإلب، بل تم إخراجهم بالكامل من إيطاليا.

لم يتمكن لويس الثاني عشر من مساعدتهم. لأن فرديناند، كان يهاجمه من جهة جنوب فرنسا، بينما هنري الثامن كان يهاجمه من جهة الشمال.

أخت دوق نيمور، كانت الزوجة الثانية لفرديناند. وكانت تتوق لكي تصبح ملكة نافارا. ملك نافارا كان مجرد نبيل فرنسي.

هنري الثامن، جاء بجيشه لكي يحاصر ويستولي على مدينة تورناي. فخاض معركة في إنجوينجيت، حيث أخذ الفرنسيين على حين غرة.

استولى على الفرنسيين الذعر، فتركوا فرسانهم الشجعان، بايارد كان من بينهم، فتم سجنهم. وركض الفرنسيون هاربين بسرعة كبيرة، بحيث لم يكن هناك سوى أربعين قتيلا، وأطلق الإنجليز على هذه المعركة من باب السخرية "معركة المهاميز". المهماز هو الحديدة التي تركب في الحذاء لكي تحث الفرس على العدو.

تم أخذ تيروين أيضا، فاعتقد لويس أن الوقت قد حان لصنع السلام. زوجته آن البريتانية، كانت قد توفيت حديثا. وكان لديها ابنتان فقط، كلود ورينيه.

بعد أن ورثت كلود بريتاني، أصبح التفكير منصبا على زواجها من فرانسيس، دوق أنجوليم، الذي كان ابن عم والدها، والذي سيصبح ملك فرنسا.

كان فرانسيس شابا طيبا وسيما رشيقا. لكن أمه، لويز من سافوي، كانت سيئة للغاية. وكانت الملكة آن قبل وفاتها، تعلم أن ابنتها كلود، لن تكون سعيدة في هذا الزواج، وحاولت جاهدة من جانبها منعه. لكنها لم تستطع، وتوفيت بعد وقت قصير من إتمامه.

ثم عرض لويس الزواج هو نفسه من ماري، أصغر أخوات هنري وأجمل أميرة في كل أوروبا، وكانت مجبرة على الموافقة. لم يكن لويس رجلا عجوزا في ذلك الوقت، لكنه كان مضطرا منذ فترة طويلة إلى الاعتناء كثيرا بصحته، نظرا لمشاكله الصحية.

لذلك، لم يستطع تحمل السهر والحفلات والولائم والمسابقات، التي أقيمت خصيصا، لاستقبال عروسه الشابة. لقد أنهكته هذه الاحتفالات تماما فأردته قتيلا بعد ستة أسابيع فقط. مات لويس الثاني عشر يوم رأس السنة، عام 1515.

كان يطلق على لويس الثاني عشر أحيانا، والد شعبه. مقولة أنه فعل الكثير من أجل شعبه، لم تكن كذبة كبيرة. لقد فرض عليهم ضرائب كبيرة للإنفاق على حروبه في إيطاليا، لكن أخلاقه كانت كريمة بالنسبة للفرنسيين.

بالرغم من أن الحروب الإيطالية، كانت كارثية بالنسبة لفرنسا، إلا أنها تسببت في تحسين الذوق الفرنسي، بعد رؤية المكتبات والمباني الفاخرة والتماثيل الرائعة، والأحجار الكريمة والمزهريات من العصور اليونانية القديمة.

التي ليس لها مثيل، والتي كان الأمراء الإيطاليون يحرصون على امتلاكها، هي وتلك اللوحات والصور التي رسمها أعظم الفنانين الذين عاشوا في أوروبا.

هذا جلب لفرنسا الحب والتقدير لكل أنواع الفنون التشكيلية والعمارة، فباتت تحب كل ما هو جميل. وتبدل الحال، أفضل بكثير مما كان عليه أيام الفروسية في العهد القديم.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن