كتاب شمس الرجاء (6) --- الفصل الرابع --- القصة الرابعة: رجاء المساكين

توماس برنابا
tomasbarnaba@gmail.com

2023 / 3 / 19

"أكاد أُجنْ من أصواتهم.. أسمعهم في يقظتي ومنامي.. إنهم يتأمرون ضدي.. ويقرأون أفكاري. لا أستطيع أن أهرب من هذه الأصوات.. إنها تملأ الأجواء من حولي.. وأنتم أعوانهم في هذا البيت.. أنتم جواسيس.. أذهب بعيدًا عني يا مُعتز.. وأنتِ يا رغدة.. أتركوني! أنتم أذرع هؤلاء المجرمين للوصول إليّ.. يريدون أن يقتصوا مني لأني بإمكاني التنصت على مؤامراتهم.. أنتم تريدون أن... أن تقتلونني.. فلتذهبوا بعيدًا..."

- أهدأي يا أمينة يا أختي.. من هم هؤلاء بالضبط؟

- أنتم تعرفونهم جد المعرفة.. فأنتم أعوانهم..

- يا رغدة أعطيها الدواء.. فقد حان ميعاد الحقنة.

- حاضر! سأجهزهم حالًا يا مُعتز.

- دواء! هذا ليس دواءً بل سمْ! إنكم تقتلونني شيئًا فشيئًا حتى تفرغ لكم الساحة يا خونة! فأنا إنسانة كفيفة تستغلون عمايَّ حتى تفعلوا ما يحلو لكم.. أمسيت عالة عليكم.. لماذا لا تتركوني بمفردي.. لا أريد أن أموت.. أرحموني.. أرحموا عجزي! وأبعدوا أياديكم القذرة عني.. أبعدوا عني.

- يا رغدة أئتِ لها بزجاجة ماء..

- حاضر يا مُعتز.

وهمس معتز في أذن أخته:

- ضعي هذا المنوم القوي في الماء حتى تنام ونتمكن من حقنها بالدواء.. وإعطائها المهدأ..

- خذي يا أمينة أشربي.. هذا ليس دواء! فقط زجاجة ماء!

أخذت أمينة الماء.. وتشممته.. ومُعتز ورغدة ينظران لبعضهما البعض.. ثم قامت بشرب الزجاجة بأكملها.. وبعد دقائق همد جسمها على السرير وقالت متلعثمة:

- أصواتهم تملأ أذناي.. وأفكارهم تغزو عقلي.. أنهم لا يرحمونني أبدًا... أبدًا... أبدًا!

وراحت أمينة في نوم عميق.. ثم جاءت رغدة بالحقنة، التي يجب حقنها لأمينة كل أسبوعين حتى تستقر الحالة، وقامت برفق بحقن أمينة الحقنة الدورية، وقَطرت في فمها الدواء والمهدأ. وقد نصح الطبيب بإيداعها مصحة، فهناك يمكنها تناول العلاج بإنتظام، ولكن مُعتز المهندس رفض ذلك وطلب من رغدة أن تتفرغ مع أمها لأمينة في هذه الفترة الحرجة. وكانت رغدة بلا عمل في ذلك الوقت.. وحالة أمينة تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.

فقدت أمينة بصرها وهي في العشر سنوات من عمرها أثناء لعبها بدراجة أمام البيت حينما اصطدمت بسيارة مقبلة مما تسبب في فقدها لبصرها تمامًا مع بعض الكسور في اليد اليسرى وعظمة من عظام الحوض.

وقد كان هذا منذ ثلاثين عامًا مضت.. وكان أخوها معتز لا يزال رضيعًا حينذاك.. أما رغدة فولدت بعد هذا الحادث بخمس سنوات.

وتعايشت أمينة مع كفاف بصرها، وقد كانت أمها تُعلمها كيف تُعين نفسها بنفسها في البيت، وفي إعداد الطعام والمشروبات.. وأيضًا كيف تخرج من البيت بمفردها بمساعدة عصاها لتشتري ما تود شراؤه. وكانت أمينة تتمتع بقدر كبير من الذكاء أتاح لها التعلم سريعًا. وقد تعلمت طريقة برايل للقراءة.. وكانت تَملك عشرة كتب تعاود قراءتهم مرارًا وتكرارًا.. وكانت تستمع للمحاضرات واللقاءات المعرفية والثقافية في التلفزيون والراديو.. وكانت تُركز في الإستماع إلى برامج التوك شو لتعلم عن حال الدنيا ما عجزت عن رؤيته بعينيها. وكانت تستمع بشغف إلى الأفلام والمسلسلات والمسرحيات، وأيضا الأغاني التي كانت تعشقها استماعًا وغناءً..

كانت أمينة وهي في العشرين من عمرها قادرة على النقاش في الكثير من الموضوعات مناقشةً المثقف الواعي ذو الذهن الحاضر المتفتح..

ثم تحولت إلى الاستماع إلى المحاضرات والخطب الدينية، ووجدت فيها ملاذًا مما تعاني من ضيق واشتياق لما تعجز عن الحصول عليه.

وقد ابتاع لها أبيها جهاز كمبيوتر خاص بالمكفوفين وهي في عمر الخامسة والعشرين لتسمع عليه ما تريد من محاضرات وخطب وبرامج مختلفة.. وقد أحبت أمينة جهازها حبًا جمًا، وراحت تدريجيًا تنبذ سماع التلفزيون والراديو بما فيهما من مفاسد!

وطلبت من أخيها مُعتز أن يُحَمْل على جهازها كل ما يمكن أن يتحصل عليه من قراءات ومحاضرات دينية.. وأخذت تصرف وقتها في التعمق في الدين وممارسة العبادات من صلاة وصوم وصدقة.

وظل الحال هكذا طوال خمسة أعوام كاملة إلى أن وصل عمرها الثلاثون عامًا.. وراحت تُفكر؛ هل يمكن أن تتزوج وهي على هذا الحال؟ وكيف ستواجه هذا التشوق والتحرق نحو الزواج؟ وراحت هرموناتها تعمل ضدها مُخترقة أحلامها في منامها وفي يقظتها بالفكر الحرام..

والصراع، بين وازعها الديني الساكن عقلها و ومشاعرها الدفينة في وجدانها، راح يعصف بعقلها ونفسها بصورة تدريجية. كانت هذه الروادع والحواجز الإرادية منها تحيط بعقلها الواعي في النهار، وحينما تنام خاصة بالليل تنهار هذه الحواجز بلا أي رادع أمام الغرائز المكبوتة والتي تستبيح نفسها لتظهر في صورة أحلام خليعة تخلو من أي دين أو حتى أخلاق!

وعادة ما كانت أمينة تنام كثيرًا ليلًا ونهارًا! فالنوم عندها أصبح متعة جميلة من مُتع الحياة!

وكثيرًا ما كانت تُكثر من الصلوات والأصوام والاستغفارات عما بدر منها في الأحلام.. وكانت تُطمئن نفسها بأن هذا مجرد أضغاث أحلام لم تضر بها مخلوق!

وبعدما توفى أبيها منذ خمسة أعوام، أصبحت تشك في كل ما يحدث حولها.. وأصابتها ريبة في مقاصد الناس من حولها في أقوالهم وأفعالهم.. وأخذت تُفسر لنفسها هذه المقاصد كيفما يحلو لها .. فهم يُضمرون لها العداء والكراهية لأنها أذكى منهم جميعًا، ولو كانت بصيرة لكانت من سيدات المجتمع الراقي الآن! ولكنه القدر الذي حرمها من بصر عينيها وهي في الصف الرابع الأبتدائي.

ثم زاد أمرها سوءًا دون أن يعلم عن ذلك لا أخيها ولا أختها ولا حتى أمها.. فقد بدأت تسمع أصوات غريبة في أذنيها، وبما أنها كفيفة كانت متأكدة أن هذه الأصوات تصدر من أناس بالقرب منها.. ولكنهم كانوا في الحقيقة من صميم خيالها البحت.. فقد انهارات الحواجز في عقلها بين ما هو واقع وبين ما هو خيال.. بين الوعي وبين اللاوعي.. واصبحت تسمع أصوات لا وجود لها.. يسمونها الأطباء هلاوس سمعية.

وسيطرت عليها فكرة أنها تتمتع بقدرات عقلية خارقة تستطيع بها الإتصال أو التخاطر عقليًا بصورة ما ورائية مع عقول الأخرين من الناس وقراءة أفكارهم والتحكم فيها، حتى ولو لم تراهم بعينيها، وحتى إن بعدت عنهم المسافات..

ثم سيطرت على عقلها فكرة أن هناك من يُريد أن يسيطر على عقلها حتى لا تهدد وجودهم بعقلها الخارق في التخاطر عن بعد.. وأنهم يرغبون بإجراء تجارب عليها وعلى قدراتها الخارقة.. واستخراج بويضات منها لتلقيحها بحيوانات منوية لرجال أخرين ذوي قدرات خارقة بدورهم، ثم حقن الأجنة الناتجة مجهريًا في أرحام بعض النساء الذين يرغبون في إنجاب أطفال خارقين ورثوا قدراتها الخارقة!

ومنذ ذلك الحين وهي تسمع تلك الأصوات في رأسها ولا تعلم لمن هذه الأصوات.. ولكنها كانت مُتيقنة أنهم أعداء يريدون النيل منها وإلحاق الأذى بها..

وحينما استمع الطبيب لأمينة، شَخّصْ الحالة بأنها اضطراب في الإدراك ناتج عن مزيج من أمراض البارانويا والوسواس القهري والفصام العقلي .. وصرح بأن العلاج سيطول ولكنه مضمون الفعالية..

جلست رغدة وأمها بجانب سرير أمينة النائمة.. وبدأت أم مُعتز، الدائمة الصمت، الحديث:

- مسكينة أمينة! عانت كثيرًا.. لكنني قمت بتعليمها وتدريبها كيفية الاعتناء بنفسها وعدم الإعتماد على أحد.. حتى لا تصبح عالة عليكما بعد أن أموت، وحينما تتزوجان، أنتِ ومُعتز..

- يا أمي هذه مسألة قسمة ونصيب!

واطرقت رغدة براسها إلى الأرض مُفكرة أن فرص زواجها قلت بعدما عَلِمَ الناس بحالة أختها وحقيقة مرضها.. فمن يُريد خالة لأولاده مريضة نفسيًا، وعالة عليه وعليها عند الزواج؟!

دخل مُعتز الغرفة وقال لهما:

- لماذا أنتما جالسان تتحدثان بجانبها.. لعلها تستيقظ وتسمعكما.. أجلسا بغرفة الجلوس.

وخرجا جميعًا كلّ إلى ما يرغب في فعله!
*****

جاءت رسالة الأستاذ نشأت على بريد الأستاذ مدحت الإلكتروني في تمام الساعة الرابعة عصرًا.. وبدأ مدحت القراءة وراح ذهنه يركز في الرسالة محدقًا في الكلمات المتراصة أمامه على شاشة الكومبيوتر، وضاق صدره وشعر بغصة في حلقه حينما انتهى من قراءة القصة.. ولم يعاود قراءة القصة مرة ثانية وكأنه يعلم ما فيها وما ورائها تمام المعرفة!

وانتظر واجمًا حوار هذه الليلة المرتقب بينه وبين الأستاذ نشأت .. ثم مارس حياته بصورة طبيعية هذه السويعات الثلاث ولكنه كان يشعر بإنقباض في قلبه، وسيطرت عليه حالة من النكران للأعراض التي كان يُعاني منها مؤخرًا!

وفي تمام الساعة السابعة من مساء نفس اليوم، جاء إتصال الأستاذ نشأت على برنامج "سكايبي"، ولبىّ الأستاذ مدحت النداء سريعًا...

حوار الليلة الخامسة

- مساء الخير يا أستاذ نشأت.

- عُمت مساءً يا مدحت.. كيف كُنت طوال النهار؟ وهل قرأت القصة؟

- بالطبع قرأتها.. فأنا أتلهف لقراءة ما تُرسل من قصص.. كم هم في غاية التشويق! ولكن لا تعليق عندي على هذه القصة!

نظر نشأت إلى ملامح وجه مدحت عبر شاشة الكومبيوتر وأدرك بذكائه ما بَطُن من أمور خفيه عن صديقه.. وقال:

- يا مدحت؛ أَتَظُن أن ذكاء أمينة هو من قادها لمرضها أم أن مرضها هو من زاد من إتقاد قدراتها الذهنية؟!

- لا أفهم سؤالك!

- هل تعتقد أن القدرات العقلية الفذة حينما تُوضع في بوتقة الآلام والمعاناة يمكن أن تقود للمرض النفسي أو العقلي؟

- نعم! لقد قرأت من قبل قولًا حكيمًا مفاده أن في كثرة الحكمة كثرة الغم والذي يزداد علمًا، يزداد حزنًا!

- وهل تعلم يا مدحت أن الأبحاث العلمية تؤكد على ازدياد نسبة الإصابة بأمراض مثل الفصام العقلي واضطراب ثنائي القطب على وجه الخصوص بين ذوي القدرات الذهنية الفائقة التي تقترب من العبقرية.. وتندر بشكل ملحوظ بين ذوي القدرات العقلية المتواضعة.. الذين غالبًا ما يعيشون في أُطر فكرية مغلقة، تحميهم من رياح التغيير والإبداع الناتج عن أي تفكير! وهم ينعمون في راحة الوهم والجهل.. وتلك هي مفارقات الحياة البشرية العجيبة.. فدائمًا العلماء والمفكرين والمُبدعين مصابون.. بينما الجُهال، والذين يُرهبهم التفكير، ينهلون من منتوج إبداع هؤلاء دون عناء أو أرق، أو حتى شكر من كان سببًا في هذه الرفاهية التي يعيشون فيها! وربما يوصمونهم بما ليس فيهم من نعوت وصفات لأن هؤلاء يؤمنون بما يخالف ما ورثوه عن أبائهم.. وهذا يثقل كاهل هؤلاء المفكرين كثيرًا ويؤرق هذا النكران عقلهم ومضجعهم.. ويضعف إنتاجهم العلمي والفكري!

- لا يا نشأت هذه المعلومات جديدة عليّ بعض الشيء..

- هل شاهدت فيلم "Beautiful Mind" يا مدحت من قبل؟

- نعم شاهدته مرتين.. وهو فيلم في منتهىّ الروعة!

- هل لاحظت كيف حاز بطل الفيلم المريض بالفصام العقلي جائزة نوبل لإسهاماته في مجال الرياضيات؟ هذا ليس مجرد فيلمًا سينمائيًا ابداعيًا من منتوج الخيال، بل تاريخ مُوثّق عن عالم مُبدع يعبر عن واقع فعلي منتشر في العالم..

فلا ترهق ذهنك كثيرًا يا صديقي بهمومك وهموم الدنيا.. فالعقل له قدرة على التحمل قد تنهار بسبب زيادة التفكير البعض ليختلط الواقع بالخيال..

- ولماذا توجه لي مثل هذا الحديث يا نشأت؟

- اسمع يا مدحت؛ أنت إلى الآن لم تذكر لي أسباب مرضك سواء علمت بها وادركتها أم لم تعلم بأسرارها بعد.. ولكنني يا صديقي أحاول أن ألقي بأشعة النور عما يريد أن يَلّبُد في غياهب نفسك ويأبي الخروج.. فساعدني يا صديقي لتساعد نفسك..

- يا نشأت أنت تفعل معي ما لم يفعله الطبيب النفسي.. فشكرًا جزيلًا يا صديقي! ولكني لا أستطيع البوح بمكنونات صدري الآن.. أعذرني.. ولكن هل تصرح لي عن ماذا ستكون قصة الغد..

- ستكون يا صديقي عن رجل وجد في الدين، لا الله، ملاذًا من تبكيت ضميره الدائم له.. فإلى اللقاء.. وعُمت مساءً

- إلى اللقاء يا صديقي العزيز..



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن