بلقزيز ناقدًا الاستشراق الإيديولوجي ومركزية الغرب

صلاح الدين ياسين
salaheddineyassine99@gmail.com

2023 / 3 / 19

صدر كتاب "نقد الثقافة الغربية: في الاستشراق والمركزية الأوروبية" عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت في العام 2017، وهو الإصدار الرابع في سلسلة العرب والحداثة للكاتب المغربي المعاصر عبد الإله بلقزيز. هذا العمل، كما يوحي بذلك عنوانه، بمثابة نقد موضوعي للاستشراق والمركزية الأوروبية، صدورًا من مرجعية حداثية نقدية، لا بدافع الانتصار للأصولية الإسلامية الرافضة للحداثة الغربية جملةً وتفصيلا.
وكتوطئة نظرية ضرورية، يحيل الاستشراق، بحسب بلقزيز، إلى حقل بحثي يُعنى بدراسة الشرق، من حيث هو حضارات، وثقافات، وأديان، وتراث تاريخي. أما المركزية الأوروبية (والغربية استطرادًا) فهي نزعة إيديولوجية مقيتة، قوامها الاعتقاد بمركزية أوروبا ودونية الحضارات والأمم الأخرى، التي لا تسمو إلى منزلة الحضارة الغربية المتفوقة دوما، بحسب هذا المنظور. وسنضيء فيما يلي أبرز مضامين ومحاور الكتاب، بدءًا من كيفية تناوله موضوع الاستشراق، وانتهاءً بنقد مركزية أوروبا والغرب:
أولا: طور الانبهار والتماهي مع الاستشراق
ينبه مؤلف الكتاب إلى أن الإنتاج العلمي للمستشرقين الأجانب قوبل لدى الرعيل الأول من النهضويين العرب بمزيج من الانبهار والتماهي، ولعل ذلك مرده إلى وقوف مفكري النهضة أولاء على حقيقة صادمة، مفادها أن المستشرقين أحرزوا تفوقا على العرب والمسلمين، إذ كانوا أدرى منهم بتاريخ الإسلام وحضارته والموروث الثقافي للمنطقة، ناهيك بتفوق المستشرقين لجهة تبنيهم المناهج العلمية والنقدية الحديثة، قياسًا إلى تَخَلف المناهج التقليدية والمتجاوَزة التي كان يتوسلها المؤلفون العرب والمسلمون.
وعليه كان للاستشراق عميقُ الأثر في النهضويين العرب، من حيث انبثاق وعي نقدي لديهم في النظر إلى موروثهم التاريخي والحضاري، في مسعى منهم لكسب رهان النهوض والتقدم، بالإضافة إلى التأثير المتعلق باستلهام المناهج الحديثة المستعمَلة من لدن المستشرقين. على أن التأثير ذاك قد بلغ، أحيانا، حد الانسياق وراء مُسَلمات الخطاب الاستشراقي وبديهياته، دون إخضاعه للفحص النقدي. بيد أن لحظة الإعجاب والتماهي مع الاستشراق، سرعان ما توارت ليحل محلها طور نقد الاستشراق.
ثانيا: طور نقد الاستشراق
لقد مهدت عوامل عديدة لميلاد طور نقد الاستشراق لدى التيار النقدي الحداثي في الفكر العربي، منها ما هو منهجي من حيث عجز الاستشراق عن مسايرة الثورة المنهجية الحديثة التي عرفتها العلوم الإنسانية، ناهيك بالعامل السياسي المتمثل في حقبة التحرر الوطني من نير الاستعمار الأجنبي، إذ نُظر إلى الاستشراق على أنه جزء لا يتجزأ من ذلك المشروع الكولونيالي، الرامي إلى استئصال الذاكرة الثقافية لشعوب المنطقة، وصولا إلى العامل الإيديولوجي ذي الصلة ببروز إيديولوجيات نقدية أخرى في الساحة العربية، كالماركسية والقومية العربية، حيث ما عادت الليبرالية مهيمنة كما كانت، إذ تَكَونت نظرة نقدية عنها في بعض الدوائر الفكرية، انعكست في اتهامها بمهادنة الاستعمار والتواطؤ معه.
ويشير بلقزيز إلى أن لحظة نقد الاستشراق ومساجلته، قد ابتدأت مبكرا مع الجيل النهضوي الثاني من تيار الإصلاحية الإسلامية (الأفغاني، محمد عبده)، ثم تتالت فصولها ولا سيما مع الجيل النهضوي الخامس (= جيل الليبرالية العربية في مصر)، لتبلغ ذروتها مع تيار العقلانية النقدية (إدوارد سعيد، هشام جعيط... إلخ). كما يفيد الكاتب بأن ثمة من زاوج بين النزعتين معا (= الانبهار بالاستشراق ونقده)، على مثال عبد الرحمن بدوي، وطه حسين الذي دحض ما انتهى إليه بعض المستشرقين، الذين وصفوا ابن خلدون بمؤسس علم الاجتماع، معتبرًا (أي طه حسين) أن ذلك الاعتقادَ مغلوطٌ، لأن من شروط العلم الاستقلالية، في حين أن ابن خلدون نظر إلى المجتمع كموضوع للتاريخ، لا كعلم مستقل وقائم بذاته.
ثالثا: نماذج لنقد الاستشراق في الفكر العربي
لقد عرض الكاتب نماذج لمفكرين عرب تناولوا الاستشراق بالنقد والمساجلة الفكرية، متجاوزين بذلك لحظة التماهي مع الخطاب الاستشراقي، سواء تعلق الأمر بنقد الاستشراق في أبعاده الإيديولوجية، أو نقده من حيث المناهج التي اعتمدها:
أ- نموذج أنور عبد الملك في نقد الاستشراق:
إن أنور عبد الملك، في نظر المؤلف، أول من أرسى لتقليد نقد الاستشراق، انطلاقًا من مرجعية حداثية، في نصه التأسيسي "أزمة الاستشراق"، والذي عُني فيه بفضح صلة الاستشراق بالمؤسسة الكولونيالية، ذلك أن الاستعمار ليس محض احتلال لأرض المستعمَر ونهب لثرواته، وإنما هو، أيضًا، مصادرة للذاكرة الحضارية للأمة، وهنا تكمن خطورة الوظائف الإيديولوجية التي نهض بها الاستشراق المتواطئ مع المشروع الكولونيالي.
غير أن صاحب "أزمة الاستشراق" كان أكثر إنصافًا ل "الاستشراق الجديد"، الذي بزغ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى امتداد الحرب الباردة، في دول المعسكر الغربي والشرقي على السواء، حيث تَحَرر من التبعية للمؤسسة، وانكب على تجديد المناهج المستَعمَلة وتطويرها، ولا سيما "الاستشراق الاشتراكي" الذي قطع مع المركزية الغربية والإرث الإمبريالي، وبدا أشد التصاقا بقضايا الشرق وهمومه في تقديره. على أن بلقزيز ينتقد أنور عبد الملك لجنوحه إلى التعميم والتنميط في الحكم على الاستشراق، وعدم تمييزه، بالقدر الكافي، بين الاستشراق الإيديولوجي – الذي أسهب في تناوله – ونظيره العلمي والمعرفي الذي تحلى بقدر معين من الموضوعية في رؤيته للشرق، ناهيك بمغالاته في تثمين الاستشراق الاشتراكي، رغم تواضع قيمته العلمية والمعرفية مقارنةً بنظيره الغربي.
ب- نموذج إدوارد سعيد في نقد الاستشراق:
على غرار أنور عبد الملك، يسلط إدوارد سعيد الضوء على صلة الاستشراق بالمؤسسة الكولونيالية، بل إنه يذهب مدى أبعد، حين يشير إلى أن الاستشراق خرج من رحم تلك المؤسسة، خدمةً لأغراض المشروع الاستعماري التوسعية، ذلك أن الأخير يستلزم السيطرة الثقافية على الشرق، بوصفها أداة ضرورية في المشروع ذاك.
وهكذا انصرف إدوارد إلى تعرية الصور النمطية المغلوطة التي يروجها المستشرقون عن الشرق والإسلام، والتي تنظر إلى الشرق نظرة دونية وتحقيرية، تفترض عدم قابليته للتطور الحضاري مقارنةً بالغرب المتفوق، إذ يرى صاحب كتاب "الاستشراق" أن تلك النظرة هي امتداد للرؤية اللاهوتية إلى الإسلام في أوروبا العصر الوسيط. على أن إدوارد سعيد لم يَسلم بدوره من نقد صاحب الكتاب، بحيث أخذ عليه الأخير اختزاله الاستشراق في بعده الكولونيالي، في حين تجاهل التيارات الاستشراقية ذات المنزع العلمي والموضوعي (الألمانية على وجه الخصوص).
ج- النقد المنهجي للاستشراق:
إلى جانب نقد المضمون المعرفي والإيديولوجي للاستشراق، برز صنف آخر من المفكرين العرب الذين انصرفوا إلى نقد الاستشراق نقدًا منهجيًا، إذ وقف الكاتب على أبرز رموز هذا التيار (محمد أركون، عبد الله العروي). إن مشكلة الاستشراق، من هذا المنظور، ذات طابع منهجي بالأساس، لا معرفي (برغم أن أركون لم يفوت الفرصة لنقد الانحياز الإيديولوجي لعلماء الإسلاميات من المستشرقين ضد الإسلام)، وتكمن في عجز المستشرقين عن استيعاب ومسايرة الثورة المنهجية الحاصلة في العلوم الإنسانية منذ منتصف القرن العشرين.
رابعا: نقد المركزية الغربية
بعد تخصيصه ثلاثة أقسام لمبحث الاستشراق، أفرد مؤلف الكتاب القسم الرابع والأخير لموضوع نقد المركزية الغربية، متوسلًا نموذجين اثنين لذلك النقد، وهما كل من سمير أمين، المفكر الاقتصادي الماركسي، وجورج قرم، صاحب كتاب "أوروبا وبناء أسطورة الغرب":
أ- نموذج سمير أمين في نقد المركزية الغربية:
يسدد سمير أمين نقدا لاذعا لمسلمات ويقينيات خطاب المركزية الغربية، وفي مقدمتها الاعتقاد بأن تفوق الحضارة الأوروبية يُعزى إلى عوامل دينية وعرقية وثقافية متجذرة في جيناتها، فيما ينتصر (= سمير أمين) للتفسير المادي التاريخي (هذا أمر بديهي بحكم موقعه كمفكر اقتصادي ماركسي، بالرغم من تجاوزه لبعض أطروحات ماركس في نظريته)، كبديل للنزعة الثقافوية التي يصدر منها ذلك الخطاب (= خطاب المركزية الغربية)، بحيث يقلل أمين، مثلًا، من أهمية الإصلاح الديني كعامل لتفوق الحضارة الغربية وبزوغ الحداثة الأوروبية، إذ يشكك في الرسالة الثورية المزعومة لذلك الإصلاح بالنظر إلى نزعته الماضوية، حيث نادى رواد الإصلاح الديني بالعودة إلى الأصل النقي للمسيحية.
كما أن سمير أمين لم يوفر بعض التيارات الماركسية في الغرب من نقده، وأخذ عليها الوقوع في حبائل المركزية الغربية، ولعل ذلك مرده إلى تشديد تلك التيارات على أن الطبقة العاملة في الغرب هي التي ستنجز الثورة البروليتارية الحتمية، بحسب المنظور الماركسي، برغم حقيقة أن الطبقة العاملة في الشرق (أو دول الأطراف كما يسميها سمير أمين، في نظريته الشهيرة التي تقابل بين دول المركز الغربي الصناعي المتقدمة، ودول الأطراف المتضررة من هيمنة المتروبول الرأسمالي الاحتكاري) هي الضحية الفعلية لأوضاع اللاتكافؤ في توزيع الثروات والموارد. والواقع أن كارل ماركس عينه لم يسلم من الانسياق وراء تلك النظرة المركزية كما فطن إلى ذلك، أيضًا، إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق".
ب- نموذج جورج قرم في نقد المركزية الغربية:
إن الهاجس الأساسي الذي شغل جورج قرم في كتابه "أوروبا وبناء أسطورة الغرب"، هو دحض أسطورة مفهوم أوروبا الموحدة كهوية وكيان سياسي وإرث حضاري، بالاستناد إلى الوقائع التاريخية التي تنقض تلك الأسطورة، إذ يكفي الإشارة إلى الصراعات والحروب اللامتناهية التي كانت أوروبا مسرحا لها، على أساس الهوية والدين والمعتقد. وبالنسبة إلى قرم، فإن أسطورة أوروبا الموحدة لا تكتمل إلا بمقابلتها مع الشرق "المتخلف" حضاريًا قياسًا إليها. وبرأي جورج قرم، فإن الدافع من وراء تكريس تلك الأسطورة هو التوصل إلى أسباب اللحمة والارتباط داخل الجماعة، وهو الرهان الذي يستعصي تحقيقه عبر الوسائل العقلانية لوحدها. كما أن استبدال مفهوم أوروبا بأسطورة جديدة وهي الغرب، عند قرم، لا يتجاوز كونه حيلة نفسية وآلية تضليلية للتمويه على واقع تبعية أوروبا لأمريكا، الذي فرض نفسه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
ويلقي قرم باللائمة في تغلغل خطاب المركزية الأوروبية، المشبع بنظرة دونية عن الشرق، على النزعة المحافظة والعنصرية التي انطبع بها الفكر الأوروبي في القرن التاسع عشر، والتي شكلت ارتدادًا عن إرث التنوير الإنساني، ويمكن التمثيل لها بالمنهج الفيلولوجي، الذي جنح إلى التمييز اللغوي المجحف بين شعوب سامية متدنية المكانة (العرب واليهود...) وشعوب هند – أوروبية متقدمة، ناهيك بالنزعة الداروينية العنصرية التي تزعم أن الجينات الأوروبية أكثر قابلية لصنع الحضارة، دون إغفال فلسفة القوة عند نيتشه، الذي تمادى في الحط من شأن القيم الأخلاقية النبيلة، بزعم أنها أخلاق للعبيد، إذ لا يمكن فهم الظاهرة النازية، في هذا المعرض، بمعزل عن تأثير تلك النزعة الفكرية المحافظة والمتقوقعة على ذاتها. وعليه لا مندوحة من أن تستعيد أوروبا فلسفتها الكونية الإنسانية، وأن تميل إلى الاعتراف بالمشترك الإنساني الجامع، والتفاعل الخلاق بين شتى الحضارات، كبديل للنرجسية الحضارية كما يطيب لبلقزيز تسميتها بحق.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن