كتاب منذر سفر: هل القرآن أصيل؟ - 27 -

جدو جبريل
jadoujibril2021@gmail.com

2023 / 3 / 19

أسطورة الإتيان بمثله

يقر الموروث والسردية الإسلاميان أن أعظم المعجزات هي معجزة القرآن، وكان التحدّي: (( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)). سورة الإسراء: 88، (( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات)) سورة هود: 13، ((فأتوا بسورة من مثله)) سورة البقرة:23. ويذكر في المراجع الإسلامية أن هذه الآيات نزلت على الرسول بسبب جماعة من اليهود جادلوه في القرآن، وسألوه أن يأتيهم بآية غير ما عرض عليهم تكون شاهدة له على نبوته، لأن مثل ما عرضه عليهم موجود عندهم في التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ. والخطاب موجه وفيه إخباره بمكانة القرآن وأنه ليس كمثله كتاب قط، وأنه معجز يستطيع أن يتحدى به الإنس والجن في كل الأجيال والأزمان، ولو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله لا يأتون ولو كان بعضهم يظاهر بعضهم الآخر، وفيه أيضا أن القرآن يعجز الجميع من الجن والإنس لا العرب وحدهم كما توهم بعض الناس أنه لا يعجز غيرهم، ولا يخاطب به غيرهم؛ لأنه ليس بلغتهم وأن حسبه أن يعجز عن الإتيان بمثله العرب. وذلك لأنه معجز بذاته في ألفاظه وعباراته ونظمه ونسقه ونغمه، حتى إن كل جملة من جمله لها نغم وموسيقى منفردة، ولا يوجد في أية لغة من اللغات مثل هذا النغم الذي يسمع في عباراته ومعانيه، وكل ذي ذوق موسيقي يرى فيه من روائع النغم ما ليس في أي كلام بأي لغة، وإنه يتأخى في أداء المعاني ألفاظه وعباراته وفواصله ونغماته، وعلاوة على هذا كل شيء فيه معجز، فشرائعه إذا قيست بشرائع عصره كان معجزا، وعلمه من أخبار وتنبيهه إلى الكون معجز، لأنه ينبه إلى أمور من شؤون الكون لم تكن معلومة عند علماء الكون في عصره وغير ذلك مما أحاط به علم القرآن. على هذه الصورة عموما، قدمت السردية والموروث الإسلاميان أطروحة "إعجاز القرآن وعدم القدرة على الإتيان بمثله".

إن الآيات المذكورة أعلاه وغيرها، حول إعجاز النص المنزل هو كلام ينتمي في الواقع إلى نوع من أنواع تمجيد الأعمال الإلهية، لكون الله فوق كل كائناته الحية ، فإن كل ما يستطيعون إنتاجه لا يمكن أن يساوي عمل خالقهم بأي وجه من الوجوه، وهذا عام بالنسبة لكل النصوص المقدسة . وبهذا المعنى، تفيد الآية 82 من سورة النساء: ((أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا )).

في الواقع ، يحتوي القرآن على جملة من التناقضات التي حاول التقليد الإسلامي حلها وتجاوزها ، باللجوء إلى جملة من الأطروحات والعقائد، مثل عقيدة النسخ، واستخدام النظرية القرآنية للآيات المبهمة (المتشابهة) لاتخاذ وجهة نظر بعينها - وإن كانت معاكسة لما يفهم من النص - للتأكيد على عدم وجود تناقض.

عموما إن التمييز هو طابع لكل ما هو الموحى به من الله، أو يتم ادعاؤه من هذا القبيل. وهذا التمييز - وما هو من قبيله - ، يمكن تطبيقه على الكهنة و حتى الشعراء.

على سبيل المثال ، عندما منح الله نعمته لسليمان ، وضع تحت إمرته الريح لتحقيق أغراضه والجن لبناء قصره، علما أن هؤلاء الجن كانوا تحت إشراف الله المباشر، سورة سبأ الآية 12 :
((وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ))
وأنجزوا عملاً يتمتع بمكانة امتياز لا تضاهى...

باختصار ، غالبًا ما يستخدم الله وكلاء " الأشخاص المرصودين" في تحقيق أعمالهم ، وهذا لا يؤثر على تميزهم ، أو حتى شخصيتهم ، نظرًا لأنهم - من ناحية الفنية العملية - هم نتاج وحي إلهي مطبق بشكل لا يبالي ولا يتحصر في إنتاج خطاب بعينه أو موضوع بعينه.

ويبدو أن هذه هي الطريقة التي أُسندت بها المخطوطات القرآنية على التوالي إلى الوكيل السماوي (جبريل) والوكيل الأرضي (النبي)، وكلهم يتصرفون بوحي إلهي.

أصالة الوحي

هناك فرق بين مسألة أصالة الوحي و مسألة الأصالة الحرفية للنص الناتج عن الوحي. إن مسألة أصالة الوحي مختلفة تمامًا، ولا يجب الخلط بينها وبين مسألة الأصالة الحرفية للنص الناتج عن الوحي.

لقد أثارت صحة الوحي وأصالته جدلًا خلال فترة نبوءة محمد ودعوته. وقد وصل الأمر إلى اتُهامه بالاستفادة من تعليم بعض أتباع اليهودية والمسيحيين الذين كان على اتصال بهم. علما أن القرآن لا ينفي صراحة هذه الاتصالات ويقر بها:
((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ )) سورة النحل: 103 ( 1).
-------------------------------------
( 1) - جاء في تفسير الطبري ( 224 -310 هـ - 839 – 923 م ) : ... لقد نعلم أن هؤلاء المشركين يقولون جهلا منهم: إنما يعلم محمدا هذا الذي يتلوه بشر من بني آدم، وما هو من عند الله ، ويكذب الله قولهم، لأن اللسان الذي تزعمون أنه يعلم محمدا أعجميّ، في حين أن القرآن لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ . و زعموا، أن من هؤلاء عبد روميّ، وبَلْعام- وكان قَينا بمكة نصرانيا- وقال آخرون ، "يعيش" - وهو غلام لبني المغيرة أو لبني الحَضْرميّ ولسانه أعجميا- وقال آخرون إنه "جَبْر" - وهو غلام نصراني عبد لبني بياضة الحَضْرَمِيّ - وقال آخرون: بل كانا غلامين اسم أحدهما يسار والآخر جَبْر- عبدان من أهل عير اليمن، وكانا طفلين يقرآن التوراة - وكان النبي ربما جلس إليهما، وقال آخرون سَلْمان الفارسي (*). وذكر أن من قال بذلك رجل كاتب الوحي للرسول ارتدّ عن الإسلام بعد أن افتتن ، إذ كان يملي عليه الرسول - سَمِيعٌ عَلِيمٌ أو عَزِيزٌ حَكِيمٌ وغير ذلك من خواتم الآي- ثم يشتغل عنه الرسول وهو على الوحي، فيستفهم الرسول ، فيقول: أعزيز حكيم، أو سميع عليم، أو عزيز عليم؟ فيجيبه الرسول: "أيّ ذلك كتبت فهو كذلك ، ففتنه ذلك، فقال: "إن محمدا يكل ذلك إليّ، فأكتب ما شئت "، ( المقصود هنا هو عبد الله ابن أبي السرح). (*) - ملاحظة: لكن من المعروف أن سلمان إنما أتى النبي بالمدينة ، وهذه الآية مكية . وجاء في تفسير القرطبي ( المتوفى 671 هـ ): كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر ، اسم أحدهما يسار واسم الآخر جبر ... إلا أن الثعلبي قال : يقال لأحدهما نبت ويكنى أبا فكيهة ، والآخر جبر ، وكانا صقيلين يعملان السيوف وكانا يقرآن كتابا لهم (التوراة والإنجيل)، فكان الرسول (ص) يمر بهما ويسمع قراءتهما ... كان بمكة رجل نصراني يقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية، فربما قعد إليه الرسول ( ص)، فقال الكفار: إنما يتعلم محمد منه... وفي رواية أنه "عداس" غلام عتبة بن ربيعة . وقيل : "عابس" غلام حويطب بن عبد العزى و"يسار أبو فكيهة" مولى ابن الحضرمي ، وكانا قد أسلما. وجاء في تفسير ابن كثير (المتوفى 774 هـ): "كان بين أظهرهم (أي قريش) - غلام لبعض بطون قريش ، وكان بياعا يبيع عند الصفا ، فربما كان الرسول (ص) - يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء ، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية ، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه". وذكر أيضا غلام نصراني يقال له جبر، وكذلك "يعيش" و" بلغام" و" غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما".
--------------------------------------------------
((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5))) - سورة الفرقان.

لقد قدم لنا التقليد بسخاء تفاصيل عن هؤلاء، بدءًا من الطبري والعديد من المفسرين. ركز القرآن على «حجة" تدور حول الاختلاف اللغوي بين النبي ولسان الذين قيل أنه أخذ منهم. وظلت الحجة "العقيدية" هي التذكير بالقدرة الإلهية المطلقة والعلم المطلق الإلهي ...

ربما تكون هذه الإشكالية - "معلمو النبي" - تتداخل مع إشكالية التدوين الأول للنص القرآني. لقد كشفت السردية التقليدية بعض الممارسات "المخادعة" في تدوين صيغ نهائية للنصوص و الدور الذي يفترضه الكتبة عادة في صياغة النص المقدس ، والذي واختزلته "الارثودوكسية الإسلامية" في دور ثانوي عموما ، وفي حالات ظهور "متغيرات" تم إبعادها .

والمهم بخصوص الجدل المثار ضد هؤلاء يتعلق بصدق مصدر الوحي (الإلهام)، وليس الأصالة الإلهية لحرفية النص القرآني. إن القضية الرئيسية التي سيطرت على فترة الوحي النبوي كانت تتعلق بإثبات صحة الرسالة النبوية المحمدية، وليس صحة «حرفية " النص المنزل. لم يمض وقت طويل بعد وفاة النبي حتى حدث تغيير في المنظور، في وقت لم تعد هناك حاجة لإثبات صحة نبوة محمد، و أصبح النص المنزل هو المصدر الوحيد للشرعية والمرجعية الدينية للمسلمين ، باعتباره هذا المرجع الفريد ، فقد اكتسب النص القرآني وقتئذ قدسية جديدة ، وهي نفس القداسة التي تمتع بها "اللوح المحفوظ" حتى ذلك الحين . وهكذا، برزت بقوة عقيدة الأصالة الحرفية للنص المنزل، وبروز روايات "عرضة القرآن مع جبريل" السنوية والعرضة الأخيرة للنص النهائي المكتمل للقرآن.
_________________________ يتبع ________________________



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن