حكم الشعب ام حكم النخبة؟ / الجزء الثاني

محمد رياض اسماعيل
reyadh_sabir@yahoo.com

2023 / 3 / 16

استكمالا للجزء الأول من المقال، أورد أولا ما تم سرده في الجزء الأول ثم نكمل المقال والتي تتبعه أجزاء أخرى في المستقبل..
الناس السيئة أكثر من الناس الطيبة، فلو لم تكن كذلك لم هذه الحروب التي تعصف بالعديد من دول العالم، ولماذا الاضطرابات الشعبية التي تضرب بكل دول العالم! ان ميلان بوصلة قوى الخير والشر باتجاه الشر، تدعوا الى ضهور العنف والإرهاب. ان البرمجة الخوارزمية للبشر، كما يبدو، وضعت الحماية الذاتية للإنسان (الانا) أولوية مطلقة بين الحاكميات الأخرى. فالإنسان يسعى الى القوة بكل اشكالها للوصول الى اغراضه الشخصية، غير آبه بمصالح الاخرين. وعبر مسيرة الانسان التاريخية، لم يكبح جموح التسلط وتعطشه نحو الافتراس والوحشية على من يهدده، فبدأ الانسان القديم بمحاربة المخلوقات التي تهدد وجوده وبقاءه بالقوة الوحشية العمياء، وخلال تطوره كان يعظم دور عقله ليأتي بأدوات واسلحة حجرية تطورت الى وترية ومعدنية ومناجيق نارية.. لم يتوقف الانسان عن افتراس المخلوقات وبضمنها بني جلدته في الاطوار الاجتماعية البدائية، ثم تطور في أسلوبه ليجعل القانون يقوم مقام ذلك الافتراس في الاطوار اللاحقة، وما القانون في الحقيقة الا هذه القوة ذاتها التي تجعل الحق في كفة القوي. اليوم يتشدق الانسان بالحرية السياسية وهي ليست حقيقية، بل هي مصيدة تتخذ طعما لجذب الناس الى صفه لينتزع السلطة ويبدأ بدوره الاجرامي، وما الطعم الا أفكارا تدعوا الى التحرر من واقع المعاناة والظلم والاحساس بالعبودية التي فرضها المنافس، ويحاول المنافس ان يتخلى عن بعض السلطات لديمومة بقاءه في حكم العباد وهكذا تستمر الحروب الوحشية من اجل الأصل الاناني المبرمج الكامن في الانسان.. فلا القوانين ولا الأديان تطغى على شهوة الانسان نحو امتلاك السلطة والمال.
جاهدت الشعوب طوال القرن المنصرم للتحرر، وجل ما كان يطمح به الشعب هو الحصول على حكم ذاتي، تحولت الشعوب في هذا القرن الى رعاع بلا تمييز، بعد ان بدأت المنازعات والاختلافات، وتفاقمت لتصبح معارك اجتماعية مندلعة بسبب الاستبداد المالي الذي يتعلق به رموز (الكفاح من اجل التحرر)! والشعب في حقيقته الطبيعية لا يبحث عن الأفكار بقدر تعلقه وبحثه عن المال الذي يأتي بالعيش الرغيد. وحيث ان المال طُعم للتعلق، فبإمكان اختراق امن هكذا كيان من قبل رأس مال أجنبي!
وكما يبدو من سياق ما ورد أعلاه، ان السياسة لا تتفق مع الاخلاق في شيء. والحاكم المقيد بالأخلاق ليس بسياسي بارع، وهو لذلك غير راسخ على عرشه، من الأفضل ان يعمل لدى منظمة خيرية بدلا من امتهان السياسة! ويذكرني التمسك بالأخلاق بأصل الكناية العراقية التي تعبر عن الصدق والطيبة والامانة التي هي من الأخلاق الحميدة والتي تقول باللغة الدارجة (ساكها بتبنها)، اذ يحكى بان صبيا اسمه مجيد، كان يخدم لدى ثري، من أصحاب الأملاك، وكان هذا الثري يبعثه كل راس شهر الى مستأجري مساكن ودكاكين يملكها ليجمع بدلات الايجار، وكان المستأجرون يماطلون ويتعللون فيزعجون المالك، ويعاود ارسال مجيد اليهم ويرميهم، وهو في حالة عصبية، بأقبح الكلام المخدش للحياء، ويعود مجيد مضروبا متضعضعا بلا طائل، تبين للمالك بعد ان استفسر من مجيد سبب حاله، بانه كان ينقل ما تفوه به المالك من شتائم بحذافيرها الى المستأجرين، اللذين كانوا يقابلونه بالضرب والشتم، ولما ادرك المالك السبب، نادى على مجيد قائلا، حبيبي مجيد، ما دمت صادق اللهجة الى هذه الدرجة، فلماذا لم تشتغل نبياً؟ ورضيت ان تشتغل خادما عندي! فلابد لطالب الحكم الالتجاء الى الرياء والمكر، ومط الكلمة بشكل لا يخدش المشاعر وفي نفس الوقت يعبر عن المدلول، فان صفات الإنسانية من اخلاص وامانة تصير رذائل في السياسة ويزعزع العرش.
المال في هذا العصر هو مصدر افساد الجمهور، لذلك نرى الجمهور متقلب وسماع للسوء، فلوضع خطة عمل مناسبة يجب ان يُدرَكْ تناشز هكذا جمهور سيء. وحين يكون الحكام تحكمهم الاهواء والاشتهاء المستعر للسلطة والمال، فان الدول تتحول الى مدينة عميان وتمضي نحو الهاوية، ولن تقي (هكذا إدارة) الدولة ضد عدو أجنبي، لذلك ترى ان الخطط المجزئة أجزاء كثيرة بعدد ما في افراد الجمهور من عقول، تعتبر خطة ضائعة القيمة وغير قابلة للتنفيذ؟ بغير شيء من الاستبداد لا يمكن قيام حضارة، لان الحضارة لا يمكن ان تروج وتزدهر الا تحت رعاية الحاكم كائنا من كان لا بين يدي الجماهير، الاوتوقراطية تتمكن من رسم الخطط الواسعة. غالبية الجمهور غوغائي لا يمكن ان يضمن الحرية، وتتحول سريعا الى فوضى يجعل البيئة مغبرة لا تتوضح الرؤية الصائبة فيها لرسم الخطط. من خلال الاستبداد المرحلي الذي يلجأ اليه الحاكم مكرها، ستظهر فائدة حكم حازم يعيد بناء الحياة الطبيعية نظامه الذي حطمته التحررية. أحيانا كثيرة يكون الشر وسيلة للوصول الى هدف الخير. يقول كيسنجر وزير الخارجية الامريكية الاسبق، بانه كان يرى عيب الديموقراطية فيما يلزم ان تطلع عليه الشعب في كل استراتيجية محكمة تعد من قبل مختصين وعلماء، لكي يصدر الشعب القرار بشأنها! وتضيع فرصا كثيرة للنجاح.
ان الصحافة بأشكالها المتعددة في يومنا هذا، هي القوة العظيمة التي تتمكن من توجيه الناس. فالصحافة تبين المطالب الحيوية للجمهور، وتعلن شكاوى الشاكين وتولد الضجر احيانا بين الغوغاء، والصحافة اسيرة ومسيرة بأيدي امراء الحروب الإمبريالية وشركاتهم المساهمة، وخلال الصحافة تحرز هذه القوى نفوذا وتعمل من وراء الستار، وبفضل الصحافة يكدسون الذهب، ولو ان ذلك كلفهم انهار من الدماء.. ماذا يفيد عاملا أثقله عبأ الحياة الشاقة وضاق بحظه، ان يجد ثرثارا حق الكلام او يجد الصحفي حق نشر اي نوع من التفاهات؟ ماذا ينفع الدستور الجماهير إذا لم يظفروا منه بفائدة غير الفضلات التي تطرحها إليهم موائد الحكام جزاء اصواتهم التي انتخبتهم؟ ان الحقوق الشعبية سخريه من الفقير.
الصحافة تستغل مشاعر الحسد والبغضاء التي يؤججها الضيق والفقر، وهذه المشاعر هي الوسائل التي تكتسح بها من يصد الحكام عن سبيل أهدافهم. وبمساعده الصحافة تزيد ثقة الجماهير العمياء بالقوانين التي تسوغها الحكام (لأجل الشعب) زيادة مطرده. وتضخ الصحافة المسيرة، العلم والمعرفة الجاهزة من مطابخ استخبارات الإمبريالية لتربي اجيالا حسب الاتجاه الذي توختها تلك الدوائر..
ما نوع الحكومة الذي يستطيع المرء ان يعالج به مجتمعات تفشت الرشوة والفساد في كل انحاءها، حيث الغنى لا يتوصل اليه الا بالمفاجئات الماكرة ووسائل التدليس وحيث الخلافات متحكمة على الدوام، والفضائل في حاجه الى ان تعززها العقوبات والقوانين الصارمة لا المبادئ المطاعة عن رغبه، وحيث المشاعر الوطنية والدينية مستغرقة في العقائد العلمانية؟ ليست صوره الحكومة التي يمكن ان تعطي هذه المجتمعات بحق الا صورة الاستبداد التي سترد في ادناه.
من الافضل تنظيم حكومة مركزيه قوية، وضبط الحياة السياسية بقوانين جديده. سيقال ان نوع الاستبداد لا يناسب تقدم الحضارة الحالي، غيران العكس هو الصحيح، ان الناس حينما كانوا ينظرون الى ملوكهم نظرهم الى ارادة الله كانوا يخضعون في هدوء لاستبداد ملوكهم. ومنذ قيام (الثورات التحررية) التي اوحت فيها الى العامة بفكره حقوقهم الذاتية اخذوا ينظرون الى الملوك نظرهم الى أبناء الاغنياء العاديين. لقد سقطت المسحة المقدسة عن رؤوس الملوك في نظر الرعاع، وانتزعت منهم عقيدتهم، وأصبحت القوة بيد الشارع فصارت كالمُلك المشاع يسهل اختطافه، ويصبح الامن والأمان والاستقرار السياسي حلما.
كل جمهورية مستقلة تمر خلال مرحلتين اولاهما فتره الايام الاولى لثوره الرعاع التي تكتسح وتخرب ذات اليمين وذات الشمال والثانية هي حكم الاهواء الذي يؤدي الى الفوضى ويسبب الاستبداد.
ان الصراع من اجل التفوق والمضاربة في عالم الاعمال ستخلقان مجتمعا انانيا غليظ القلب منحل الاخلاق. هذا المجتمع سيصير منحلا كل الانحلال ومبغضا ايضا من الدين والسياسة. وستكون شهوه المال رائده الوحيد وسيكافح هذا المجتمع من اجل المال، متخذا اللذات المادية التي يستطيع ان يمده بها المال منهباً اصيلا. وتنضم اليه الطبقات الوضيعة ضد منافسيه اللذين هم من الطبقة الراقية الفكر والمتنورين، دون احتجاج بدافع نبيل ولا رغبه في الثورات ايضا بل تنفيسا من كراهيتهم المحضة للطبقات العليا.
الامبريالية الامريكية نظمت احتكارات عظيمه لتستغل خلالها دائما الثروات الواسعة للعالم الشيوعي والمستقل الى حد انها ستثبط ثقة شعوبها بحكومتها وتوقعها في ازمة سياسية، ينهي ارستقراطية ذلك العالم كقوة سياسية.
ومن الوسائل الأخرى لاستدامة الخطط والاستغلال الامبريالي هي العسكرة. ان ضخامة الجيش، وزيادة القوة البوليسية ضروريتان لإتمام تلك الخطط، لتترك في تلك الأقطار من العالم طبقة صعاليك ضخمه! وكذلك جيش كثير وبوليس مخلص لأغراضها، تنشر في سائر الاقطار الفتنه والمنازعات والعداوات المتبادلة وتستفيد من التحكم بهذه الوسائل في اقدار كل الاقطار التي تدرك قدرة الامبريالية على خلق الاضطرابات كما تشاء، مع قدرتها على اعاده النظام، هذا بالإضافة الى المكائد والدسائس، التي توقع تلك الأقطار في شباكها التي نصبتها في وزارات جميع الحكومات خلال الاتفاقات الصناعية والخدمات المالية أيضا.
الاقتصاد الامبريالي الجديد يؤمن على الوسائل التي تلجأ اليها العالم الاخر، لأنها تحيطها بألوف من رجال البنوك واصحاب الصناعات واصحاب التريليونات اذ الواقع ان كل شيء سوف يقرره المال. وتزدان هذه الوسائل بشعارات الديموقراطية والحرية كأخلاقيات خاصة لهذه الامة الجديدة، يكونون اصحاب التشريع والمتسلطون في الحكم، والمقرون للعقوبات، ويقضون بإعدام من يشاؤون، ويعفون عمن يشاؤون، ويحكمون العالم بالقوة القاهرة.
ان الحكومات والامم تقنع في السياسة بالجانب المبهرج الزائف من كل شيء، فلن تتاح لهم لكي يختبروا بواطن الامور في حين ان نوابهم الممثلين لهم لا يفكرون الا في الملذات، فتوزيع السلطة وحريه الكلام وحريه الصحافة والعقيدة وحقوق تكوين الهيئات والمساواة في نظر القانون وحرمه الممتلكات ومساله فرض الضرائب ذات طبيعة تعمل على اجتذاب كل الامم للعمل على تشييد الصرح الجديد الذي صممتها لتكون فوق العرش.
لقد ولدت الحرية الحكومات الدستورية التي احتلت مكان الأوتوقراطية والشيوعية. فالدستور الجاهز المفبرك ليس أكثر من مدرسة للفتن والاختلافات والمشاحنات والهياج الحزبي العقيم، يضعف نفود الحكومة. وان الخطابة كالصحافة قد مالت الى جعل الملوك كسالى ضعافا فَردَتهم بذلك عقماء زائدين على الحاجة ولهذا السبب عزلوا في كثير من البلاد، فصار بالإمكان قيام عصر جمهوري يقوده اضحوكة اختير بين عبيدهم من المخلوقات، اُعطي سلطه اعلان الحكم العرفي بدافع حماية الدستور الجمهوري الجديد.
والى ذلك سيكون لرئيس الجمهورية حق دعوة البرلمان وحله. وسيكون له في حالة الحل ارجاء الدعوة الى برلمان جديد، ولكي لا يتحمل الرئيس المسؤولية عن نتائج هذه الاعمال المخالفة للقانون مخالفه صارخه يتم اغراء الوزراء وكبار الموظفين الاداريين الاخرين الذين يحيطون بالدولة كي يموهوا اوامرالرئيس بان يصدر التعليمات من جانبهم، وبذلك يتحملون المسؤولية بدلا من الرئيس ويقحم هذه الوظيفة الى مجلس الشيوخ او الى مجلس شورى الدولة او الى مجلس الوزراء وان لا توكل الى الافراد. ان مجلس الدولة سيفصل ويفسر سلطه الحاكم، وان هذا المجلس - وله مقدرته كهيئة تشريعيه رسميه - سيكون المجمع الذي يصدر اوامر القائمين بالحكم أي انها ستشرع القوانين وتحدد الحقوق الدستورية وتنفذها بهذه الوسائل، أي بأوامر المجلس التشريعي المقترحة من الرئيس او التوسل بأوامر عامه، واوامر مجلس الشيوخ ومجلس شورى الدولة والتوسل بقرارات مجلس الوزراء، وفي حالة الفشل تتوسل بانقلاب سياسي حينما تسنح اللحظة الملائمة. ان كلمه الحرية ستفسر بانها حق عمل ما يسمح به القانون، ويترك لهم ان يقولوا اين تكون الحرية واين ينبغي ان لا تكون، وذلك لسبب بسيط هو ان القانون لم يسمح الا بما يرغبون فيه.
وتتعامل الصحافة على التظليل بتهييج العواطف الجياشة في الناس وأحيانا بإثارة المجالات الحزبية الأنانية التي ربما تكون ضرورية لمقاصدهم، وما أكثر ما تكون فارغه ضالة زائفة، ومعظم الناس لا يدركون اغراضها الدقيقة اقل إدراك. وتعتذر عن النشرات المعادية وتصادرها كونها تثير الراي العام على غير قاعده ولا اساس.. الادب والصحافة هما أعظم قوتين تعليميتين خطيرتين، ولهذا السبب اشترت الامبريالية العدد الاكبر من الدوريات. وبهذه الوسيلة عطلت التأثير السيئ لكل صحيفة مستقله، وظفرت بسلطان كبير جدا على العقل الانساني. ان ارشاء "القادة التقدميين" يجعلهم ان يقبضوا السنتهم ويظلوا خدم اذلاء للإمبريالية الجديدة.
ويجعل المغامرون السياسيون الاغبياء الى مناقشه المشكلات الجديدة، ومثلهم الرعاع الذين لا يفهمون في ايامنا هذه حتى ما يتشدقون به، ويذهل الناس المتضعضعين عن مناقشه المسائل السياسية بمدهم بمشكلات جديده، اي بمشكلات الصناعة والتجارة وتركهم يثوروا على هذه المسائل كما يشتهون. وتعطي ملاهي جديدة للجماهير للتخلي والكف عما تظنه نشاطا سياسيا اي التجارة التي تحاول ان تجعلها تعتقد انها ايضا مساله سياسية، ويتم الهائها بأنواع شتى من الملاهي والالعاب ومزاجيات الفراغ والمجامع العامة الى اخره، وتبدأ الاعلان في الصحف داعين الناس الى الدخول في مباريات شتى في كل انواع المشروعات، الفن والرياضة وما اليها، هذه المتع الجديدة ستلهي ذهن الشعب حتما عن المسائل التي ستختلف فيها معه وحال ما يفقد الشعب تدريجيا نعمه التفكير المستقل بنفسه سيهتف جميعا معهم كون الامبريالية اعضاء المجتمع الوحيدين الذين يكونون اهلا لتقديم خطوط تفكير جديده.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن