كتاب شمس الرجاء (3) --- الفصل الأول --- القصة الأولى --- رجاء ذوي الكرامة

توماس برنابا
tomasbarnaba@gmail.com

2023 / 3 / 16

كان يحمل أوراقه وهو يفكر فيما حدث خلال الأربع سنوات السابقة مع الأستاذة المشرفة على رسالة الماجستير خاصته.. وقد سبق وقيل له ثلاث مرات أن اسمه ما زال مكتوبًا بالقلم الرصاص بين هيئة التدريس بالكلية.. فهل كان هذا تهديدًا أم قرارًا .. لم يعلم أبدًا!

وها هو يقدم للمرة العاشرة الإطار النظري لبحثه- الذي كان يدور حول الأدب الروائي للأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز- دون أي تقدم يُذكر.. فقد كانت الأستاذة المُشرفة على رسالته تخطط سريعًا بالقلم الأحمر على بعض السطور لمخطط الرسالة طالبةً منه أن يُعيدها دون أي إرشاد في أين يكمن الخطأ أساسًا؟ وكيف يتم التعديل أو التغيير؟

لم يعلم الأستاذ نشأت الصافي- طالب الماجستير في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الأداب والمعيد بنفس الكلية– ماذا تريد هذه الأستاذة؛ أهذا من قبيل الاضطهاد الصرف؟ أم أنها تبغي رشوة؟ حيث أن الأستاذ نشأت علم فيما بعد من مصدر موثوق أنها تتقاضى بضعة الآلاف من الجنيهات لمناقشة أي رسالة تقوم بالإشراف عليها سواء أكان الباحثون مُعينون بالكلية أم من خارجها.. وكان الأستاذ نشأت لا يزال فقيرًا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوفر أي مبلغ من راتبه ليقدمه لهذه الأستاذة حتى ترضى عنه.. أم أنها كانت طامعة في فكرة البحث والمحتوى العلمي الذي قام بجمعه؟ فقد كانت هناك زميلة له في القسم بدرجة مدرس مساعد، طالبة دكتوراة، تُدعى ماجدة بسيط حدث معها أمرًا من قِبل هذه الأستاذة تسبب في إجهاضها لجنين ذكر كان ينتظره زوجها الصعيدي بعد زواج طال أمده مما جعله يجبرها على ترك العمل بالجامعة وأن توقر بيتها.. لقد طمعت الأستاذة في فكرة رسالة الدكتوراة وما جمعته الدكتورة ماجدة من محتوى علمي حتى تقدمه بحث ترقية من أستاذ مساعد لدرجة الأستاذية وقد كان.. وأجبرت الدكتورة ماجدة على عمل بحث جديد مما عطلها عام بأكمله كانت تعاني من كآبة مفرطة تسببت في إجهاضها حينما حملت أخيرًا بذكر بعد زمن طويل من زواجها ومن إنجابها لبنت وحيدة..

ماذا تريد منه الأستاذة المُشرفة على رسالته بالضبط؟ أيمكن أن تكون على حق ورسالته التي أغدق عليها بعميق فكره أن تكون بهذا السوء، علما بأن زملائه من الأقسام الأخرى بالكلية والمُعَيَنين معه في نفس العام قد حازوا جميعهم درجة الماجستير منذ أكثر من عام؟!

لقد كان يتمتع بقدر من الكرامة في التعامل مع هذه الأستاذة.. فقد كان لا يجري لملاقاتها كما كان يفعل زملائه المعيدين للقاء أساتذتهم.. لم يكن يحمل لها مثلًا حقيبتها في الطريق كما كان زملائه يفعلون تقربًا لأساتذتهم.. فهل كانت تريد منه أن يفعل معها ما يماثل من أمور؟!

لم تطلب منه هذه الأستاذة مساعدتها أبدًا في إلقاء محاضرات بدلًا عنها، كما كانت تطلب من زميله بالقسم والذي عُيَّن بعده بعامين! وبالطبع لم تطلب منه المساعدة في تصحيح أوراق إجابة الإمتحانات.. لم تطلب منه كما كانت تطلب من زميله أن يقرأ مقترحات وأوراق رسائل الماجستير والدكتوراة المقدمة لها من الباحثين حتى يُدون بعض ملاحظاته عليها بدلًا عنها كما كان يفعل زميله الشاب المجتهط الطموح – الذي كانت تقول عنه هذه الأستاذة أنها تقوم بتعليمه وتدريبه على فلسفة الحياة التي تجيدها!

هل كانت تنقصه هذه الفلسفة؟ هل كان يُعاني من إنعدام الخبرة في التعامل مع الناس – خاصة مع هذه الأستاذة.. لم يعلم أبدًا!

لقد كان غُرباله من الشدة حتى لم تتيح فتحاته مرور الهينات.. إلى أن تمزق وتهرأ تحت ثقلها المتزايد وانفطر قلبه معه..

لقد كان محبوبًا من الأساتذة الأخرين بالقسم وخارجه بالكلية.. وكان يتذكر قول أستاذ عزيز عليه كان يُجالسه كثيرًا ويشاطره أحزانه ومآسيه؛ قال له؛ "يا نشأت طأطأ رأسك حتى تسير الأمور.. وإن كان لك عند الكلب شيء، فلتدعوه سيدي.. وكلنا كنا كذلك حينما كنا صِغارا!"

تعارض هذا مع مبادئه معارضة تامة.. وحتى ولو أراد.. لم يدري قط كيف يُغير من مبادئه وسلوكياته لتتوافق مع هذه الأستاذة على المستوى القيَّمي والعِلمي؟!


حمل أوراقه وسار بين طرقات الكلية إلى أن وصل إلى مكتب أستاذته وطرق الباب المفتوح ليدلف إلى الداخل.. وإذ به يسمع صوت أستاذته يقول:

- "اصطبحنا واصطبح الملك لله ..! أيلزمك خدمة يا نشأت؟ أتريد أمرًا ما؟"
- أحضرت الإطار النظري للبحث كامل وأجريت فيه جميع ما قد طلبتيه مني يا دكتورة..
- لقد تأخرت كتيرًا.. كان هذا منذ ثلاث شهور مضت.. ولم يتبقى لك سوى ستة أشهر حتى تنتهي فترة تسجيل رسالة الماجستير.. وإن لم تبذل ما في وسعك، أنت تعلم يقينًا أين سيكون مكانك في الكلية آنذاك! أرني ما لديك!

أخذت تُقلب في الأوراق، وبعد مرور ثلاث دقائق فقط قالت:

- ما هذا الهراء.. لم تفعل أي شيء من الأشياء التي أمرتك بعملها.. من فضلك خذ هذه الأوراق وأعد كل شيء من جديد.. وأتركني الآن لأنه حان موعد تناولي للأفطار!

حاول أن يقول لها؛ "على الأقل قومي بقراءة الأوراق.. أو خذيها معك البيت لتقرأيها هناك.. وإن كنتِ مشغوله، فلتجعلي أي أحد يراجعها بدلًا عنك حتى ولو كان مُعيدًا أصغر مني سنًا وأحدث تعيينًا!" ووجد نفسه يُلملم أشلائه وأشيائه ثم خرج خارجًا عازمًا أن لا يراها مرة أخرى.. ولن يرى هذه الكلية مرة أخرى فيما بعد أبدًا!

وصار يُحادث نفسه بأن لا أمل له أبدًا في هذه الكلية.. فقد كانت هذه الأستاذة رئيسة القسم في ذلك الحين.. ولمن سيشتكيها وهي الأستاذة الأقدم في الكلية للتخصص الذي يُحضر فيه رسالته للماجستير.. ثم تبقى له ستة أشهر فقط إن لم يحصل فيها على درجة الماجستير ويُرقى مدرس مساعد.. سيُحول إلى موظف إداري بالكلية.. وهذا لن يسمح بحدوثه لنفسه أبدًا تحت أي حال من الأحوال.

خرج من باب الكلية.. ثم أتى إلى منزله واعتكف في حجرته أيامًا كثيرة انقطع فيها عن العمل.. وأطبقت الكآبة على طيات صدره وجدران قلبه، خارقة مفارق نفسه إلى أقدس ما فيها..

وكان يرفض من أي أحد يقابله لقب دكتور فهو لم يعد مُعيدًا في الجامعة وهو الآن غير حاصل على درجة الماجستير حتى يُطلق عليه دكتور..

حاول العمل في أكثر من مجال بعد تركه العمل بالجامعة ومن هذه الأعمال أن أرشده أحدهم للعمل كمترجم في مكتب ترجمة معتمد في وسط البلد.. ظل يذهب للمكتب أسبوع كامل لم يُترجم فيهم سوى وثيقتين فقط! وفي نهاية الأسبوع وضع صاحب العمل في جيبه 25 جنيهًا أجره عن الأسبوع بالكامل.. وهو مبلغ يُقدر بمصاريف يومين في المواصلات في ذلك الحين..

عمل أيضًا مدرس لغة إنجليزية في بعض المدارس الخاصة ولم يتكيف أبدًا للعمل في هذا الوسط بعد أن كان عضوًا في هيئة تدريس جامعية..

جلس إلى نفسه صباح يومًا ما بعد أن استيقظ من النوم.. وقرع على قلبه ونظر إلى العُلا.. وقال؛ "أتُعاقبني أم ماذا؟! ماذا فعلت يا الله في دنيتي لأستحق هذا؟ اتعهد أمامك أني لن أذق الطعام لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليالي.. سأصلي وأدعو لك فيهم.. سأقرأ في كتابك خاشعًا لك.."

واعتكف في حجرته تلك الأيام الثلاث وأغلق على نفسه باب غرفته دون طعام رغم محاولات أمه وأبيه وأخوته دخول الغرفة لكن دون جدوى.. ولم يذق أي طعام أو ماء طوال اليوم الأول.. وشرب ربع كوب ماء في صباح اليوم الثاني ومثله في المساء قبل أن ينام دون أن يتناول أي طعام.. ثم ربع كوب ماء في صباح اليوم الثالث وأيضًا دون أن يتناول أي طعام يُذكر..

إلى أن جاء مغرب اليوم الثالث وأخذ يدعو ربه باكيًا كاتبًا الدعاء الأتي:

"يا رب الوجود والموجود؛

استمع إلى دعاء الضعف داخلي.. فقد دب فيَّ موات هذا الزمان، و ممات هذا المكان، وموت هذا الإنسان.. فيا رجاء المائت وملجأ الحائر من بين خيارات الاضطرار.. أفيمكن أن تكون حصنًا لإنائي، وحاويًا لأنيني من عيون الأغيار؟


يا أبا السموات في أكوان الأبعاد؛

استمع إلى صلاة القليل الأيام والأنام والأنعام في ظلام هذا الدهر الكئيب العبيث، وأوجد فيَّ المعنى والمغزى والمأوى في أوقات الهجر واليأس والشقاء.


يا مُعلِم الشمس من بين النجوم ومُنجِد الجاهل ومُنقِذ الحكيم من الإمتلاء والإنقضاء.. كن فيضًا دائمًا لأنيتي.. فأنا أخشى النضوب كما أخشى الإمتلاء ..


أنا الأصغر في الأرض أنظر إليك من خلال الشمس.. انتظر الغوث والغيث.. فأعنْ صِغري وضَعفي وموجودي يا رب وجودي هنا ..


يا أبن الوجود؛

يا من تلتحف بالطبيعة متحدًا بالكون بل الأكوان جميعها في تناسق وإنسجام.. كُنْ نفسك، كُنْ روحك، بل لتَكُنْ ببدنك كيانًا واحدًا أحدًا في ضوء النجوم والغيوم والسدوم دهرًا فأبدًا..

وها أنا معك ربًا وأبًا ومُعلِمًا من هذا الدهر الى دهر الداهرين دون انقضاء ولا استقصاء في هذا العالم وعوالم الغير المتغيرة والمتغايرة بلا أجل ولا حساب..

فلملم عُدتك، وأحسب أيامك وأجلك، فقد دنا منك البعيد الى أجل قريب.. وأدعو رب الأجل والحساب أن يكون عليك حسيبًا عتيدًا بين زوان الأرض حتى تخرج منها منزويًا عنها الى آفاق الوجود والى ما وراء الموجود".

لم يعلم نشأت كيف كتب هذا الكلام.. ولكنه أطرق برأسه ونظر ببصره إلى هذا الدعاء المكتوب أمامه واستنارت أعين ذهنه.. فكيف تمكن من كتابة مثل هذا الكلام؟ لم يسبق له أن كتب بهذا الأسلوب في حياته! وكأن هذا استجابةً من الله وتوجيهًا منه إلى أين ينبغي أن يتوجه في حياته منذ ذلك الحين ..

ثم قام واغتسل وتناول القليل من الطعام وهو مغبوط النفس والروح.. وراح يكتب شكواه وتأملاته المختلفة في الأيام التالية ووجد نفسه يسير بخطىّ واثقة في دنيا الكتابة، ويبحر في بحار الأدب بمجداف رزين نقله من شاطىء الاكاديمية الجامعية إلى أفق رحب من الإبداع.

رسالة الأستاذ نشأت الصافي جاءت على بريد الأستاذ مدحت الإلكتروني تمامًا في عصر اليوم التالي.. وراح مدحت يملأه الشغف والترقب يقرأ الرسالة الحاوية للقصة الشخصية للأديب الأستاذ نشأت الصافي.. قرأها مرة ومرات، واغرورقت عيناه بالدموع كثيرًا وهو يتوحد مع الدكتور– أو الأستاذ - نشأت فيما عاناه من آلام.. ثم انتظر ميعاد الحوار في توقيت العشاء من نفس تلك الليلة ..

وفي تمام الساعة السابعة وجد الأستاذ نشأت نشطًا على تطبيق Skype يتصل به.. وقبل مدحت دعوة الإتصال وبدءا الحوار:

حوار الليلة الثانية

جاء صوت الأستاذ نشأت من جهاز الكومبيوتر عبر الأنترنت..

- مساء الخير يا مدحت..
- مساء الأمل يا دكتور نشأت..
- بالرغم من أني لا أحب أن أسمع لقب دكتور من أحد لكني سأقبله منك يا مدحت..
- بالمناسبة يا نشأت كيف تصالحت مع نفسك حينما زال هذا اللقب عنك، ولماذا ترفض أن يلقبك به أحد فأنت تستحقه عن جدارة..
- أسمع يا مدحت يا صديقي.. أولًا رسالة الماجستير مجرد مخطوطة مُنقحة لفكرة بحثية مطروقة من قبل ولا يلزم أبدًا أن تكون هذه الفكرة البحثية جديدة، فهي مجرد تدريب على البحث حتى تكون جديرًا بالتسجيل لدرجة الدكتوراة والكل يعلم ذلك.. أما رسالة الدكتوراة فهي بحث علمي مثلها مثل رسالة الماجستير تمامًا ولكن يجب أن تكون الفكرة البحثية غير مطروقة من قبل، لا داخل مصر ولا خارجها، إلى جانب جدواها وجدارتها بالدراسة والبحث..


ولقد فكرت في هذا الموضوع كثيرًا.. حرماني من هذا اللقب دون ذنب مني ألمني كثيرًا.. وقد فكرت أن أكمل رسالتي الماجستير والدكتوراة في جامعات أخرى سواء داخل مصر أو خارجها.. لكني كنت حينها خالي الوفاض من المال.. كنت بالكاد أجد قوت يومي في بدايتي الأدبية وغير متاح أبدًا لي أن أدخر قدرًا من المال لإكمال دراساتي الجامعية العُليا..

ففكرت بطريقة إيجابية نحو هذا الأمر لأريح نفسي وضميري.. رحت أفكر فيما يفعله الباحث الذي يحوز على درجة الماجستير أو الدكتوراة.. إنه يقرأ ويدرس ويحلل قدرًا من الكتب لن يتجاوز خمسة وسبعون كتابًا أو مرجعًا للدرجة العلمية الواحدة بأي حال من الأحوال..
ثم تأتي مرحلة الإنتاج العلمي في كتابة بحث علمي بطريقة علمية تماثل تقريبًا كتابة كتاب إذا استثنينا منه مرحلة التجريب..

وعلى نفس الخط من التفكير، فإن درجة البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراة لن تتجاوز أبدًا قراءة ودراسة وتحليل مائة كتاب فقط لكل درجة على أقصى تقدير ممكن لكل منها..

وجدير بالذكر أن لقب دكتور يُطلق على خريجي الكليات الطبية، لأن ما يُدرس فيها من معارف يماثل ثلاث درجات علمية عليا مجتمعين من الكليات الأخرى.. فما بالك بالحائز على درجة دكتوراة في الطب؟!
ولذلك لأتصالح مع نفسي، قررت أن أبدأ في قراءة ألف كتاب في أربع مجالات معرفية مختلفة بما فيها مجال تخصصي الذي كنت فيه في الجامعة.. وبذلك أكون قد حصلت بمجهوداتي الذاتية على ما يماثل أربع درجات دكتوراة في أربع فروع مختلفة من المعرفة..
ولأؤكد ذلك لنفسي- بعد قراءتي لهذه الألف من الكتب- رحت أنتج كتبًا وكأنها بحوث دكتوراة، ولقد كتبت الكثير منها يا صديقي!

يا صديقي، إن شهادة الدكتوراة لا تقيس أبدًا ثقافة أو تَمكن شخص ما في مجال ما.. بل هي مجرد ورقة أكاديمية تؤهل للتدريس والبحث الجامعي، أو للترقية في الوظائف الحكومية.. وأنا لم أعد أرغب في التدريس أو البحث الجامعي!


- تُذكرني يا صديقي نشأت بالكاتب والأديب المصري الكبير الأستاذ عباس محمود العقاد الذي لم يدرس بأي جامعة وثقف نفسه بنفسه.. وقد كان أديبًا عجز أن يشابهه أو يتماشى معه في إنتاجه الأدبي أساتذة الجامعات الحائزين على درجة الدكتوراة في الأدب..


ألهذا يا صديقي وُجدت ما يُطلق عليها الدكتوراة الفخرية؟! يا صديقي أنت تستحقها عن جدارة ولو كان بيدي لرشحتك لجامعة ما أن تمنحها لك.. فقد خدمت المجتمع المصري كثيرًا ويشهد الجميع على غزارة إنتاجك الأدبي وهذا أساس متطلبات الدكتوراة الفخرية..

- يا مدحت أترك هذا الأمر جانبًا، فلقب أستاذ عندي لهو أفخم من لقب دكتور بالرغم مما أُشيع وأُعتيد عليه في مصر أن من يخلو اسمه من لقب دكتور أو مهندس أو مستشار أو محامي يُطلق عليه أُستاذ حتى ولو كان كَناسًا لشارع!!


ولكن لقب أستاذ يطابق لقب (أسطى) في العصور القديمة وهو لقب كل من وصل لقمة الإتقان في مهنته، ولذلك أنا مُتعايش ومُتصالح مع هذا اللقب.. وإن منحوني دكتوراة فخرية – مع أن هذا مُستبعد – فلن أرفضها!
فأترك هذا الحديث ولنعد إلى القصة، هل أعجبتك؟!


- نعم.. أعجبتني كثيرًا.. وأثرت فيَّ بشدة! ولقد تأثرت بها كما لو كنت أنا بطل القصة لا أنت..

- هذا شيء حميد.. في حالتك هذه، التأثر والتوحد مع من يماثلك في معاناتك في كتب وروايات وأفلام ومسلسلات له أبلغ الأثر في شفاء الجروح النفسية العميقة، بل وحتى الجسمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة – حالًا ولو بعد حين.. لأن هذا يساعد على خروج قيح المشاعر السوداوية الدفينة في أعماقك، لتزول في ضياء الشمس، تلك التي كانت تأكل وتدمر الإنسان بأعراض جسمية ونفسجسمية لا حصر لها.. وذلك هو ما أرجوه من حوارتنا هذه يا صديقي..

- كم حسدتك على قوتك وصلابتك في التعامل مع ما آلم بك من آلام ومصائب..

- يا صديقي مدحت، لقد كنت أضعف منك كثيرًا ولا أكذب عليك حينما أقول لك أني حاولت الانتحار ثلاث مرات حتى أهرب من معاناتي وفشلت.. وأنت ما زلت تقاوم هذه الأفكار البغيضة ولم تُقدم على ما أقدمت أنا على فعله.. فمن فينا أقوى يا صديقي؛ أنا أم أنت؟ يا صديقي القوة ليست في الخروج منتصرًا من المشكلات، بل أن تخرج صامدًا أبيَّاً من هزائمك المتوالية مما يتيح لك النصرة الدائمة فيما بعد!
- أمعقول يا نشأت.. أنت أقدمت على الإنتحار؟!

- ولماذا أكذب عليك، يا صديقي؟ الإنهيارات ومختلف العلل النفسية لا تأتي فجأة ولا فرادىّ، بل هي تراكمات في غياهب النفس الداخلية على مدى شهور وسنين لتنفجر فجأة في أعراض نفسية في المزاج والإدراك أو أعراض نفسجسمية تنتاب بعض أعضاء الجسم.. فيا صديقي؛ الحزن الذي لا يجد منفذًا فى الدموع يجعل أعضاء أخرى فى الجسم تبكي!

ولذلك فالعلاج وبالتالي الشفاء لا يمكن أن يكون في يوم وليلة.. لا يمكن أن يكون سريعًا أبدًا. أتذكر قول طبيب نفسي أن علاج أي اضطراب نفسي أو عصبي لن يأتي بنتيجة قبل ستة أشهر على الأقل حتى تظهر أول بوادر الشفاء.. وأنا لم أذهب لطبيب نفسي وكدت أقضي على نفسي لعدم ذهابي لطبيب..

ولذلك اشجعك على العلاج وأن لا تتوقف عنه أبدًا دون استشارة الطبيب.. فالانهيارات النفسية هي مجرد اختلال في وظائف غدد معينة في جسم الإنسان.. إفرازاتها الكيميائية في الدم تختل زيادةً أو نقصانًا مما يتسبب في مختلف الأعراض النفسية وأشهرها الكآبة والحزن المفرط وفقدان الشهية للطعام وللعمل وغيرها من الهوايات التي أعتاد الإنسان على فعلها.. والأدوية ما هي إلا مجرد محاولات لاستثارة هذه الغدد لتوازن إفرازاتها الكيميائية في الدم.. أو تعوض عن نقصانها.. أو تقلل ما أُفرط في إفرازها..

- يا نشأت هل تعتقد جديَّا أن الله قد استجاب صلاتك وقبل صيامك ووجهك لما يريده منك؟

- صديقي مدحت، أؤمن أن الطريق مفتوحة للإنسان دومًا لبدائل لا حصر لها.. يقف الإنسان بذلك دومًا في مفترق طرق لا حصر لها ولا عدد وهو غير مرغم أبدًا على طريق واحدة في أي شأن من شئون حياته.. ولذلك فما هو كامن بداخلك من إمكانيات هي بلا عدد أو حصر.. ربما يحتاج الأمر منك لصلاة حتى تنفتح أعين ذهنك عليها، وترى بأم عينيك ما تستطيع فعله وكنت غافل عنه.. ربما تحتاج لصديق.. ربما تحتاج لموقف تجتاز به.. ربما يتطلب الأمر منك خبرة مؤلمة تجتاز فيها! لكن دومًا أنت حر في أن ترجع من الطريق التي لم تجد نفسك فيها وتطرق طريقًا جديدة بعقلية جديدة وبفهم أكثر انفتاحًا وإدراكًا أكثر إلمامًا بالأمور..

- شكرًا يا "دكتور" نشأت.. أسمح لي أن أدعوك "دكتور" ولو لمرة واحدة.. فلم يخبرني طبيبي بأي شيء من هذه الأمور.. كل ما طلبه مني أن أحكي له عن نفسي في غضون القليل من الدقائق ثم كتب لي عن بعض الأدوية لأتعاطاها وقد مر الأن أكثر من عامين وأنا على هذا الحال دون تحسن.. لكنك تؤكد لي أن العلاج المعرفي بجانب العلاج الدوائي له أبلغ الأثر في الشفاء وأنا أثق في حديثك.. فأنت لست فقط مُجرب لما مررت أنا به، بل دارس بعمق.. وأتمنى من كل قلبي أن تتوفق في كتابة هذا الكتاب لأنه سيعين الكثيرين.. ومكتبتنا العربية في أمس الحاجة لمثل هذه الكتب التي يَبخل الأطباء النفسيين عن كِتابتها للناس.. شكرًا جزيلًا يا صديقي.. بوركت وبورك لك في كل أعمال يديك.

أنا في إنتظار أحر من الجمر لقصتك التالية.. هل تعطيني ولو تلميحًا عن ماذا ستكون؟

- كل ما أود أن أقوله لك أن القصة ستكون عن فتاة ثلاثينية جميلة الخَلق والخُلق لكن لم تسعفها الأيام بما يكفي لسعادتها..
وإلى اللقاء.. وعُمت مساءًا.. وأحلام سعيدة!
- إلى اللقاء يا صديقي ..
*****



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن