فهم الله اولى خطوات الاصلاح العلماني العربي-1

لبيب سلطان
labib@solaropia.com

2023 / 3 / 10

لعل عالمنا العربي هو الاحوج اليوم لبدء ثورة حقيقية في الاصلاح الديني سواء مع ، او حتى قبل، الاصلاح العلماني المدني . ويتهيأ لي لي احيانا ان الاخير يبدو مستحيلا دون انجاز الاول ، كونه يحتاج لتحرير العقل ، خصوصا وان الاصلاح العلماني والمدني في العالم العربي بحد ذاته غير واضح المعالم ،ومتناقض، وفشل في مس وعي الناس وحياتهم ومصالحهم ، ومن فشله نبع التيار السلفي قويا ، تراه سيطر من اقصى المغرب الى اقصى المشرق العربي. وكما هو الحال مع الانسان ،تلجأ الشعوب الى الدين ومنه الى الله لطلب مداواة جراحها وتجد عزاء لها وتعيد دعوتها له لمساعدتها لتجاوز فشلها في مواجهة قسوة الحياة والواقع .
واود ان اتشارك مع القارئ بما اعتبره الخطوة الاولى للاصلاح الديني العلماني العربي ، واعتبرها الاكثر اهمية ، وهي فهم الله، نعم فهم الله ، تمهيدا لتفهيم الناس به، فهو قد صودر من الاديان التي قامت بتزييفه ، ويستغل رجال الدين والاسلامويين هذا التزييف اليوم ،كما في السابق ، انهم المتحدثون باسمه ، للسيطرة على الناس ، خصوصا وان الناس في حالة ضعف وحاجة الله، فكشف الله الحقيقي للناس هو بداية التنوير وبداية الاصلاح.
سأطرح نقاش فهم الله من زوايا مختلفة ، محاولا كشف العلاقة الملتبسة التي قامت بينه وبين الدين ، وبينه وبين الانسان، وبين الدين والانسان . ولكوني انتقد الطرح العلماني العربي الحالي واعتبره فاشلا وسطحيا ومتغربا ويدعو بالقطيعة مع الماضي ، وهو امر مستحيل ، ومنه حرمان الانسان العربي من تراث قريب الى وجدانه ، غني بما له وما عليه ، وبدل ان يتعب ويجهد للاستخلاص من هذا التراث ماهو مفيدا في معركته الحداثية ، اختار الاسهل وهو نفيه كليا بشعارات لايفقه الناس معناها واصولها ،فهو يطلب تغريبهم واقعا معاشا ووجدانا، ليقوم بتمدينهم ، وهو احد اهم اسس فشله.
وساركز على نقطة واحدة فقط في تناول الاصلاح الديني المرتقب ،كوني لست خبيرا بالتراث رغم قراآتي الكثيرة فيه ، وهو فهم الله ، تمهيدا لطرحه وسيلة لتحرير العقل ، عند عامة الناس خصوصا ، تمهيدا لتحريرهم من سطوة الدين ورجاله ومشعوذيه ودجاله وسياسييه.
ولن انطلق في طرحي سوى من فهمي الشخصي له وفق الشواهد العملية والحياتية واستدلال معناها العقلي وربطها بما قرأت وتعلمت . ولن اناقشه من منطلقات المقولات الفلسفية اللاهوتية او الوضعية النافية له ، كونها منحازة ولا تشكل لي منهجا علميا مقبولا كونها منحازة ، معه او ضده، بل ساطرح فهمي من خلال تساؤلات محددة تمس حياتنا وفهمها وعلاقتها بالله نفسه ، ساعيا ان اكون قريبا من القارئ المثقف لتطوير فهما مشتركا لحقيقة الله وطرحه بجوهره ومعناه الحقيقي كي يمكننا معا طرحه قريبا الى قلب وعقل انساننا العربي والتحدث بلغته ومشاعره تحريره من زيف المقولة الدينية ورجالها واحزابها وطروحاتها المضللة عن الله، واستغلالها لاسمه.

1. هل الله كائنا ضميريا فينا ام هو خارجنا
الايمان بالله ، كما اراه ويعتقد به الكثيرون ، نابع من حاجة انسانية متشعبة وعميقة الجذور تاريخيا ووجدانيا، فهو ربما كان ملازما للانسان منذ الازل يمنحه الطمأنينة والأمان في مواجهة الطبيعة وتقلبات الحياة ، بل انه مقيم داخله، في الوعي الباطني للانسان وفق طرح فرويد+ ، اي في Sub consciousness ، كحاجته لاب وصديق ورفيق طريق غير منظور يرافقه اينما يحل ويقيم ويعمل ، سواء رغب ام لم يرغب ، اعترف به ام لايعترف.
طرحت يوما سؤالا على نفسي (وانا دوما ولازلت اعتبر ان الدين دجلا اجتماعيا للسيطرة على الانسان وعقله الذي وهبه الله له وقام بمصادرته والغائه باسم الله زيفا) ، وكان سؤالا بسيطا : لو وجدتني يوما وسط بحر هائج وحيدا وسط الامواج المتلاطمة ، وانا بالكاد اكافح للابقاء على نفسي، هل ساتجه الى الله؟ اتى الجواب من دواخلي ودون تفكير" سأتوجه ، فلا احد حولي غيره في هذه اللحظة " . شخصيا ، انا اثق بنفسي واعرفها جيدا ممثلة بقوة ارادتي وذكائي وقوة عزمي ، وغالبا ما نجحت من مثابرتي واجتهادي في تحقيق اهدافي، بل ويمكن، كما هم كثيرون مثلي ، اطلاق تسمية "انسان الارادة " علينا، أو انسان شوبنهاور، الذي عرف الانسان بكلمتين فقط " الانسان إرادة " . شخصيا لم اسأل الله يوما امرا ما ، كما ولم اتوكل عليه ولو حتى مرة واحدة طوال حياتي، أي ليس كما يفعل المؤمنون ، فهو لي ليس حاجة ولم اؤومن قط انه فعلا يساعد اصلا في اي امر ، غير ماوضعه في عند خلقي من عقل وقوة وطاقة . ولكني قرأت للعقاد في كتاب له،وأنا بعمر 16 عاما " ان الله هو ضمير الانسان " وبقي يلازمني هذا المفهوم ، ومنه فهمت وادركت لاحقا معنى الله الحقيقي، وليس المزور كما رأيته في الاديان، كوني اصبحت اقارن بين ضميري وبين ماتقول به، فان اختلفا يظهر الزور، وهو امر هين وميسر لكل انسان ، فكل مايخالف ضميره هو ضد الله ، حتى ولو ادعت الاديان انها تقول بكلامه او تعاليمه. ومنه فهمت اكثر فيما بعد، ان ما اراده العقاد هو ان تكون انسانا ضميريا ( كما قال به فرويد او دستيوفسكي ، او قبلهما علي ابن ابي طالب او سقراط ، وغيرهم ) كون الله جالسا داخلك، قائما في ضميرك، وليس في السماوات كما تطرحه الاديان. وددت يوما ان يفهم الناس ذلك . انه مخالف لفهم الحاجة عند المؤمنين المتوكلين .
قال فولتير "انك ستعرف الله الحقيقي بتحرير عقلك " . ومنه اردت ربط العقاد وفولتير وشوبنهاور بواحد ، ان يحترم الانسان وجود الله داخله في ضميره ، ويدافع عنه " أي عن الله " وفق الارادة التي عنده ، ليحافظ على ضميره، وليس لجعل الله يدافع عنه او يعذبه ، فعلاقتنا بالله ليست علاقة حاجة ولا ضعف.
ولكن كيف افسر اني لجأت اليه عندما كنت في البحر وحيدا ؟ لابد ان الله اكثر من ضمير ، انه ربما طاقة ، وذلك امر هوايضا قريب على فهمي ، طاقة روحانية يمكن النهل من مخزونها لتتحول الى اشكال اخرى ، مثلما استنجدت بها لتساعدني كما في الموقف اعلاه ، وكون انها في نهاية المطاف طاقتي وكائنة داخلي ، وليست خارجي ، فخرجت مرتاحا بفهمي ان الله ضمير وطاقة بنفس الوقت ، ومنه ازلت التناقض فيما اعتبرته انتهازية عندما طلبت المساعدة منه لانقاذي، فهو طاقة داخلية عندي واستعنت بها ، ولم اناقض نفسي وضميري، فهما متجانسان، والتجانس بين الانسان ونفسه قوة لا اعظم منها قوة ، وكنت فرحا باكتشاف ان الله طاقة كبرى داخلي ، وزهوت برجاحة عقلي الذي ادلني علي ذلك.
ولكن مفهوم التجانس خلق لي مشكلة جديدة هذه المرة ، أي ان اعيش حياتي اليومية متجانسا ، او كما يسمونه فن العيش بتجانس Living with self in Harmony ,وترجمته ان نعيش وفق التوافق بين العقل والضمير، فهما يتصارعان غالبا حيث تتدخل المصالح انانيا ، والفن هنا ان تجعلهما متصالحان ، وهو موقف شعوري وليس عقلي قطعا ، فلايجوز للعقل ان يكون حاكما وقاضيا بنفس الوقت. ولحل هذا الاشكال قررت ان اتعلم لأعيش وفق ضميري واجيد هذا الفن ، فهو يريحني مشاعريا، حتى وان خسرت مصلحتي التي يقودها لي عقلي ، أي اني قررت الانحياز ضد عقلي الى ضميري ، واقوم بما مايقوله لي قلبي ، والعملية جرت على الشكل التالي: عودت نفسي على تجميد عقلي في القضايا والعلاقات الاجتماعية ، واطلق العنان فيها لفطرتي ، وهو فن اخر يدعونه في اميركا Living by Intuition او العيش بالفطرة ، وما اجمل هذا العيش ، ان تطلق العنان لمشاعرك وتعيش في فضائها و فيضها متناجيا مع اخيك الانسان ، دون حواجز ، تأتي احيانا من كلمة مشاعرية غريبة عن اطر الحياة الروتينية ، ولكنها تسر الاخر ، فهي لغة اخرى ، لغة المشاعر واذ نحن بشرا فلسنا الا ظواهر مشاعرية فدعها تتناجى وتتحاور بلغتها ، عدا اللغة اليومية الروتينية التي يسيطر العقل عليها . جرني ذلك تدريجيا ان اعيش بمشاعري كأنسان ذو عقل وارادة ، لا اريد بناء علاقة انتهازية مع الله، مبنية على الحاجة اليه، ومنه تبادل الادوار ، انا بعقلي وارادتي هو من يحمي الله ، الذي هو بداخلي وليس هو الذي يحميني ، وافتخر به كونه يمثل ضميري ومشاعري واعيش متجانسا معه، سعيدامن فيضه الروحاني الداخلي، وجعل قرار العقل والارادة محكومتان ضميريا وتعلمت فنا جديدا ان اتعلم كيف اسيطر على عقلي بطريقة بسيطة : مجرد وضع ضميري ومشاعري فوق عقلي وجعلهما متحكمان فيه وهذا الفن يدعى في اميركا مثلا Act as an observer on your mind. ومنه توصلت عقليا ومشاعريا ان الله اصبح يفتخر بي لهذه التضحية ، ولكنها ليست تضحية بل هي سعادة ان تعيش مرتاح البال ولاتصرف طاقة على عقلك خارج عملك ( اثبت العلماء ان عقل الانسان ألمعاصر يستهلك قرابة 75 بالمئة من طاقته نتيجة تقلص العمل الفيزياوي في حياتنا) ، ومنه فلاتضحية مني ان افهم ضميري (الذي هو الله وفق العقاد) ، ومشاعري التي هي من فيضه الروحي كوني احترم ضميري ، وهو ( أي الله ) اصبح يحترمني كوني لا ازعجه بحاجة لي عنده ، ولا أدعي به ، وهو يعيش مرتاحا في ضميري وداخلي، وليس بعيدا كما تصوره الاديان كما في السماوات مثلا . وودت لو جعل محمود عباس العقاد قوله "ان الله هو ضمير الانسان ويسكن في قلبه وداخله وليس في السماوات " ، أي ليس على عرش طاغوتي كما تصوره الاديان السماوية ، التي جعلت عبادته والخضوع لتعاليمه ليست نابعة من العقل والضمير ، بل بفروض الخضوع للدين وليست له ، وجعلت اللجوء اليه مثل طرفي عصا، النهاية الاولى للمصلحة عند طلب منه لتلبية حاجة للناس ، والثانية كي يستحيب لك عليك بفروض الدين ، للمصلحة الاولى في الدنيا ، ولتجنب غضبه وعذابه اذا خالفت تعاليم الدين الموثقة باسمه ( أي لكسب الدنيا والاخرة معا، كما يقول رجال الدين ) . قامت هذه الاديان بأخضاع الانسان لتعاليمها التي اتت باسمه، مصحوبة بالوعيد والتهديد وعقاب اليم وصورت الله سجانا وحارقا وكاويا ، رئيسا للغستابو او اجهزة الامن الصدامي، ومن ناحية الحاجة قالت انه رحمن رحيم ، يلبي طلب كل عبد خاضع له ، اي لفروضها وتعاليمها التي اتت بها .
قارن بين الله الحقيقي المشاعري الضميري ( أي ذلك الطبيعي المخلوق مع الانسان نفسه ) ، ومايتبعه من تعبير عنه الانسان في مشاعرالحب والجمال مزروعة في قلبه وكيانه ، في عقله الباطني ، ومايتجلى في تجانس العلاقة بين الله والانسان كلاهما كواحد ( كما طرحها سقراط وعلي ابن ابي طالب والحلاج وابن عربي وسبينوزا مثلا) ، فهي ليست علاقة خضوع لجبروت ، ولاعلاقة حاجة ، ولاخوف ، وان الله الحقيقي لايعاقب ولا يكافئ، واذا كافأ يكون مكافئة داخلية للانسان نفسه ،فهي زهوا بالنفس وفخرا بالتجانس معه.
ان فهم الانسان لله يعيد فهمه لنفسه ، فهو ليس عقلا وارادة فقط دون ضمير او مشاعر روحانية تجعل حياته غنية وجميلة ومتجانسة متوازنة بين قوة العقل والارادة ، وقوة الضمير والمشاعر الانسانية على الجانب الاخر. وهذا ماجعلني اعترض داخليا على مقولة فولتير الشهيرة " انا افكر فانا موجود " وودت لو جعلها هذا المفكر العظيم تقول "اذا انا افكر واشعر معا فانا موجود " ، وربما ما منع فولتير من ذلك ليس قلة ادراكه لأهمية المشاعر في الانسان ، بل انه قالها لمجابهة التسلط الديني ومصادرة العقل من المقولة الدينية المشوهة لله ، وتحريرها عقليا ليعي عمق مشاعره الحقيقية بما فيها الروحانية والضميرية ، وهذا ما توصلت اليه من قرائتي اللاحقة لفولتير لاكتشاف ابعاد تحرير الانسان والعقل من الدين في جهاده.
اود من اعلاه ان يفهم علمانيونا العرب ان حربنا هي ليست مع الله ، بل مع مزوريه ومن يتحدث باسمه ومن نسب اليه مايناقض ضميرنا وعقلنا ومشاعرنا ...اننا مع الله ضد مزوريه ، وهذه اولى خطوات الاصلاح الديني العلماني لمجتمعاتنا العربية ..ونقطة الانطلاق للاصلاح الديني والمدني، وهي ليست دعوة بشعار، بل دعوة عملا دؤوبا يتطلب غربلة كل التراث العربي لفرز ما يتناقض مع الله الحقيقي...يتبع
د. لبيب سلطان
10/03/2023
–—---—
+ عرض مكثف وبسيط لفهم فكر فرويد عن الله والدين جدير بالقراءة ، وفيه التمييز بينهما وفق طرح فرويد على موقع
https://quizlet.com/139733188/freud-psychology-of-religion-flash-cards/



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن