وحدها الطبقة العاملة قادرة على قيادة الطريق إلى النصر.. دروس سنة من الحرب في أوكرانيا

تامر خرمه

2023 / 3 / 4


دول العالموحدها الطبقة العاملة قادرة على قيادة الطريق إلى النصر.. دروس سنة من الحرب في أوكرانيا



“على الأممية الرابعة أن تدرك بوضوح الأهمية الكبرى للمسألة الأوكرانية، ليس فقط فيما يتعلق بمصير جنوب شرق وشرق أوروبا، بل ومصير أوروبا بأسرها. إننا نتعامل مع شعب أثبت قدرته على البقاء، وهو مساو عدديا لسكان فرنسا، ويحتل أرضا غنية بشكل استثنائي لها، فوق هذا، أهمية استراتيجية قصوى. مسألة مصير أوكرانيا طرحت بكامل أبعادها. ولا بد من وجود شعار واضح ومحدد يتوافق مع الوضع الجديد. في رأيي، في الوقت الحالي هناك شعار واحد فقط يمكنه تلبية ذلك: أوكرانيا السوفياتية الحرة والموحدة والمستقلة للعمال والفلاحين..”

(ليون تروتسكي، مشكلة أوكرانيا، 22 نيسان 1939)

بيان الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة

الجيش الروسي بدأ غزوه واحتلاله باعتبارهما “عملية عسكرية خاصة”، هدفها المعلن هو الإطاحة بالحكومة الأوكرانية في غضون “بضعة أسابيع”، ومن ثم “تحرير الشعب”، و”اجتثاث النازية” و”نزع السلاح” من البلاد. رأى كل من بوتين والحكومات الإمبريالية أن هذا الهدف ممكن تماما. لكن، في الواقع، فإن الحرب ضد المحتلين مازالت مستمرة بالفعل منذ سنة. والعامل الأساسي الذي أحبط المخططات الروسية الحقيقية هو المقاومة البطولية للشعب الأوكراني وطبقته العاملة. منذ البداية، كان موقفنا، وسيبقى، دعم هذه المقاومة. وانطلاقا من هذا الموقف الجوهري، قمنا بتطوير النقاط الأخرى لبرنامجنا: المطالبة بتوريد الأسلحة الثقيلة والتكنولوجيا العسكرية لأوكرانيا من أجل دحر الاجتياح، ومعارضة كل تدخلات الناتو، وميزانيات إعادة التسلح الإمبريالية، ودعم الفعاليات المناهضة للحرب في روسيا، وإدانة حكومة زيلينسكي البرجوازية، لا سيما فيما يتعلق بإجراءاتها المناهضة للطبقة العاملة، والتي تضعف مقاومتها، وترسخ تبعيتها لبايدن والاتحاد الأوروبي. والأهم من هذا، نؤكد الحاجة إلى التنظيم الذاتي المستقل للمقاومة العمالية الأوكرانية، وإطلاق حملة أممية لدعمها ماديا وسياسيا. في نهاية المطاف، فإن البرنامج ككل، وكافة جهودنا، تهدف إلى تحقيق الانتصار العسكري والسياسي لمقاومة الطبقة العاملة الأوكرانية.
عدوان بوتين على أوكرانيا كان قد تم التحضير له في وقت مبكر، خلف قناع “المناورات العسكرية” على طول الحدود الأوكرانية. وكان النظام الروسي يستنكر التحذيرات التي تنوه باستعداده للغزو، ويصفها بأنها تشهير دنيء من “الغرب”. وفي 24 شباط، عندما شن الغزو على عدة جبهات، وقام حتى بإنزال المظليين على مشارف كييف، حاول تبرير ذلك على أنه إجراء دفاعي بسبب “توسع الناتو في الشرق”، ما يهدد باقتراب الحلف من حدوده. إن توسع الناتو حقيقة رجعية لا يمكن إنكارها، لكنه ليس السبب الحقيقي وراء الغزو، فجمهوريات البلطيق، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، سبق وأن انضمت إلى الناتو، وهي أقرب بكثير إلى موسكو وسانت بطرسبرغ، وبعد غزو أوكرانيا، قامت كل من السويد وفنلندا، وهما دولتان محايدتان تاريخيا، بطلب الانضمام إلى الحلف. الحقيقة هي أن هذا عذر للصراع بين التطلعات الاستعمارية لنظام بوتين الأوليغارشي على مساحة الاتحاد السوفياتي السابق، بما في ذلك القوقاز وأوراسيا، وتطلعات القوى الأخرى، كالصين. ما يقف وراء الغزو هو المصالح الاقتصادية والمالية للأوليجارشيين الروس، واحتكاراتهم في أوكرانيا.
بوتين يجادل بشراسة بأن قوى الناتو فرضت نظاما سياسيا غير شرعي في أوكرانيا، كان نتاجا لـ “انقلاب” العام 2014. هكذا يصف بوتين، وكامل الطيف الستاليني العالمي، انتفاضة الميدان الشعبية، والتي كانت عملية متناقضة للغاية، إثر الافتقار إلى القيادة الثورية، لكنها واجهت، رغم هذا، خمسة أشهر من القمع الاستبدادي والليبرالي الجديد تحت حكم أوليغارشية يانوكوفيتش الموالية لروسيا، ما أفضى إلى ارتفاع عدد القتلى. يانوكوفيتش فرّ في النهاية من البلاد، وعبر رد الفعل “الديمقراطي”، آلت الصيرورة إلى تغيير في الحكومة البرجوازية بانتخاب رجل الأعمال الثري، و”صانع الشوكولاتة”، بوروشنكو. وفي الانتخابات التالية وصل زيلينسكي إلى السلطة، مؤكدا خضوعه لصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي. لكن رغم هذا الانجراف الرجعي، ورغم الجائحة، حافظ العمال، على مدى السنوات الممتدة من 2014 إلى 2022، على ديناميكية الصراع الطبقي ضد حكوماتهم، ما شجع جماهير المنطقة، وشكل تهديدا للديكتاتوريات المجاورة، كدكتاتوريتي لوكاشينكو وبوتين نفسه.

أوكرانيا تخوض حرب تحرير وطني

بمرور الأسابيع والأشهر، انهارت كل التنبؤات والأساطير التي نسجت حول هذه الحرب، سواء التي غذاها نظام بوتين، أو تلك التي روجت لها القوى الإمبريالية. الحكومة الأوكرانية نفسها اعترفت بأنه خلال الأيام الأولى كانت تعتقد أن هزيمتها وشيكة. كما أفادت الأنباء أن مبعوثين من الحكومة الأمريكية عرضوا على زيلينسكي اللجوء إلى الخارج ليحكم من المنفى. وقد سلطت الشبكات الإخبارية الضوء على صور وفيديوهات النازحين واللاجئين الذين يغادرون البلاد بالملايين. لكن كان عليها أيضا تسجيل الظاهرة التي غيرت كل شيء: التعبئة الجماعية الباسلة للعمال من مختلف الأعمار، في كييف والمدن الأخرى، والذين رفضوا بشدة وجود القوات الغازية، وشرعوا في مقاومة بطولية، مسلحة وغير مسلحة. لقد بنوا المتاريس، والدفاعات الإقليمية التي امتدت كطريق طويل، وبعد فترة شكلوا مجموعات حزبية في المناطق المحتلة.
تلك المقاومة، المكونة من متطوعين، طالبت بالسلاح في المناطق العسكرية، وخرجت لمواجهة الدبابات الغازية، والعربات المدرعة، بزجاجات المولوتوف. لدينا شهادات مباشرة من مدينة كييف ومناطق الضواحي، حيث تجمعت الجماهير مطالبة بالسلاح، وفي كثير من الحالات سيطرت على الترسانات. وقد نظم أفراد المجتمع في كل حي دوريات حراسة لاكتشاف الغرباء الغزاة، الذين زرعهم بوتين قبل أشهر لتحديد أهداف القصف. وتدريجيا، اندمجت الدفاعات الإقليمية مع الجيش الأوكراني النظامي. وبتقدم المقاومة، تم طرد المحتلين باتجاه الحدود البيلاروسية، مع سقوط عدد لا يحصى من الضحايا في قوات النخبة، التي تركت وراءها مجموعة من المعدات العسكرية.
في الأراضي التي استعادها الأوكرانيون، كانت همجية الغزاة فاضحة: الاكتشاف المروع لمئات الجثث من المدنيين الذين تم إعدامهم بالرصاص في مؤخرة الرأس، وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، بعد التعذيب في الأقبية التي كانت تستخدم كمراكز للاستجواب والإبادة. وهكذا، بات بإمكان للعالم كله أن يرى حقيقة الغزو البغيضة، وبدأت الأساطير حول “العملية العسكرية لتحرير الشعب” من قمع “الحكومة النازية في كييف” تنهار كبيت من ورق. كل هذا يؤكد أن أوكرانيا تخوض حرب تحرير وطنية ضد عدوان ثاني أكبر قوة عسكرية في العالم.

أوراسيا: بؤرة الصراع الطبقي العالمي

لقد طال أمد الحرب على الأراضي الأوكرانية، بما يتجاوز توقعات نظام بوتين وكل الأنظمة الإمبريالية، لماذا؟ لأنها ترتكز بشكل مركزي على المقاومة العمالية والشعبية الباسلة التي تواجه الغزو، رغم القيود التي تفرضها قيادتها البرجوازية، وتنفي موضوعيا استقرار أوراسيا بأسرها. إطالة أمد الحرب، وإرادة القتال الصلبة لدى الطبقة العاملة الأوكرانية وشعبها، أدت حتما إلى زيادة حدة التناقضات الإمبريالية داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ما أدى إلى تفاقم أزمة النظام العالمي. وقد تجاوزت حالة عدم الاستقرار أوروبا الغربية لتلقي بظلالها أيضا على القارات الأخرى. لذا، نشهد انتشار النضالات، كالإضراب العام في فرنسا، وموجة الإضرابات في بريطانيا.. وكذلك النضالات في البلدان شبه المستعمرة، في مختلف المناطق، إثر ارتفاع أسعار القمح والوقود. ومن الأمثلة في أمريكا اللاتينية: الإكوادور، والمواجهات الحالية في البيرو.

الإمبرياليتان الأمريكية والأوروبية تستخدمان الحرب لإعادة تسلحهما

حكومة بايدن وكذلك حكومات الاتحاد الأوروبي استخدمت الحرب لإعادة تسليح جيوشها الإمبريالية، ورفع مستوى ترساناتها، أثناء إرسال المعدات العسكرية إلى أوكرانيا، بشكل مراوغ. يجب استنكار “مساعدة” الناتو هذه بسبب طابعها الإمبريالي في الأساس: فهي لا ترسل الأسلحة التي يطلبها الشعب الأوكراني، الذي يرفض الناتو اعتباره ندا. كما أنه لا يسعى إلى تقديم أسلحة ذات جودة مكافئة أو كافية، عوضا عن ذلك، يعامل الشعب الأوكراني كحليف من الدرجة الثانية، مرسلا، في هذه الحرب كما هو الحال في كل الحروب الأخرى، أسلحة قديمة، وبكميات صغيرة، وبوتيرة تناسب خططه الخاصة لإدارة الصراع، حيث يدعو إلى التفاوض على حساب حياة الشعب الأوكراني. يتضح هذا من خلال حقيقة أن جميع ميزانيات “المساعدة” المادية لأوكرانيا مؤطرة في حزم تغطي زيادات هائلة لإعادة تسليح الجيوش الإمبريالية والإنفاق العسكري، وذلك بكلفة التخفيضات في البرامج الاجتماعية التي تلبي احتياجات العمال الفورية. وهذا جانب رئيسي آخر: الحرب تفاقم أزمة النظام العالمي والهيمنة الأمريكية. لذا، في عام 2023، زادت ميزانية الناتو للعام الثامن على التوالي، وهذه المرة بقفزة تاريخية، حيث ارتفعت بنسبة 27.8٪ للميزانية المدنية و 25.8٪ للعسكرية عن نظيرتها في عام 2022. دول الناتو الراغبة في الوصول إلى نسبة 2٪ في الإنفاق العسكري من ناتجها المحلي الإجمالي (الالتزام الرسمي منذ 2014) تضاعفت منذ بداية الحرب، واليوم، تدعو مجموعة أساسية من تلك الدول إلى رفع نسبة الالتزام إلى 2.5٪ أو 3٪. والاتحاد الأوروبي، الذي يسعى إلى بعض الاستقلالية العسكرية مقابل الولايات المتحدة، أعاد إحياء وكالة الدفاع الأوروبية من خلال زيادة الميزانية بنسبة 15٪، للاستثمار في مشاريع تعاون مشترك أكبر.
اليوم، المساعدات المادية للمقاومة الأوكرانية لا تعتمد على زيادة الميزانيات العسكرية، كما تدعي الدعاية الإمبريالية.
لهذا السبب، نعارض بشكل قاطع كافة الميزانيات العسكرية لحكومات الناتو الإمبريالية، ومحاولاتها تقديم نفسها على أنها حليف حقيقي للشعب الأوكراني، ونصير “للسلام”. ونطالب بإرسال السلاح، دون قيد أو شرط، إلى المقاومة من أجل هزيمة جيش الاحتلال.
من ناحية أخرى، ندعو الطبقة العاملة في أوروبا والولايات المتحدة وكافة أنحاء العالم لتقديم أكبر قدر ممكن من المساعدة المادية للمقاومة الأوكرانية. إننا نوجه هذه الدعوة للتضامن الفاعل استنادا إلى مبدأ الاستقلال الطبقي، وننأى بأنفسنا عن تصرفات الحكومات، ونعارض أي تدخل مباشر لحلف شمال الأطلسي في النزاع، كما نعارض خطط “إعادة الإعمار”، والديون التي يروج لها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. إننا نرفض أي مشاركة للبروليتاريا في تغذية تمويل الجيوش الإمبريالية.


ضد غزاة موسكو وهجمات كييف


التغييرات خلال الحرب كان لها عواقب متزايدة فيما يتعلق بالصراع الطبقي في أوكرانيا. الطبقة العاملة تضحي بحياتها على الخطوط الأمامية ضد المحتلين، فيما يتم طعنها من الخلف. الشغيلة يكابدون الموت بشكل دائم، مع ارتفاع حصيلة القتلى والجرحى جراء القصف المستمر لمنازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم. تدمير البنية التحتية الأساسية، والانقطاع اليومي للتيار الكهربائي، والافتقار المتكرر للمياه والتدفئة والصرف فاقمت صعوبة الظروف المعيشية إلى أقصى الحدود.
من ناحية أخرى، فإن السلع الأساسية باهظة الثمن للغاية، حيث بلغ التضخم نحو 50٪ منذ بداية الحرب. وقد تفاقمت الظروف إثر تخفيض الأجور، وتعليق العمل، وتسريح العمال، والهجمات على الحقوق والمزايا الاجتماعية التي اكتسبتها الطبقة العاملة منذ سنوات، وذلك بسبب القوانين التي سنها زيلينسكي مؤخرا. هذه المشقة المتفاقمة، المقترنة بهجمات الحكومة المسخرة لخدمة البرجوازية، والنهب والفساد الاستعماريين، تضعف وتسحق القوة الاجتماعية الرئيسية التي تقف خلف المقاومة: الشغيلة.
إضافة إلى ذلك، شددت القوانين التي تم إقرارها مؤخرا الهيكلية العمودية للقيادة في الجيش، مع عقوبات أشد للجنود العاديين، وفيما يتعلق بعملية التجنيد. ولاتزال الطبقة العاملة الرازحة تحت وطأة الاستغلال هي المتبرع الأكبر للجنود الجدد في الجبهة، التي تنعكس عليها تلك التوترات الاجتماعية المتزايدة. ومع ذلك، تسود معنويات قتالية عالية، وإصرار على تحقيق النصر، لأنهم يدركون أنهم يقاتلون من أجل حريتهم.
ومع ذلك، وكأن هذه الأسباب التي تدعو للسخط غائبة، تواجه الجماهير الفساد المستشري في الطبقات الحاكمة، والمراتب العليا في الدولة، على كافة المستويات، حيث ثارت بعض الفضائح المدوية، والتي رد عليها زيلينسكي بعمليات تطهير على مستويات مختلفة في الحكومة. وفي الآونة الأخيرة، أثيرت استقالة محتملة لوزير الدفاع ريزنيكوف بشكل ملح، إثر ظهور الإفراط في فواتير شراء “أطنان من البيض”. في الوقت الذي تنزف فيه البلاد حتى الموت في حرب غير متكافئة، تركز عصابات الأوليغارشية على النهب والتوزيع الجديد لملكية الصناعات والموارد الطبيعية. اللامساواة الاجتماعية آخذة في التفاقم، ومعها تتزايد حالة انعدام الثقة في أوساط الجماهير تجاه مؤسسات الدولة، باستثناء نسبي للقوات المسلحة. الكراهية الوطنية للغزاة باتت مصحوبة بالكراهية الطبقية تجاه الأوكرانيين المتمتعين بالامتيازات.

الانتصارات العسكرية الأوكرانية وضغط بايدن شولتز من أجل “السلام”

التقدم الكبير في منطقة خاركوف خلال صيف وخريف نصف الكرة الأرضية الشمالي، وهروب القوات الروسية التي تخلت عن الدبابات والمعدات العسكرية والذخيرة، أتاحا لأوكرانيا إمكانية استعادة واسعة للأراضي خلال وقت قصير من هذه الحرب. وبانسحاب 20,000 جندي روسي من الضفة اليمنى لنهر دنيبر، تمت استعادة مدينة خيرسون، وشريط هام من الأراضي الخصبة التي تصل إلى البحر الأسود. كما حققت أوكرانيا تقدما طفيفا في دونباس. وكانت روسيا قد احتلت 30٪ من أراضي أوكرانيا في آذار 2022، أما اليوم فإنها تحتل نحو 15٪. كل هذه الانتصارات للمقاومة أنتجت أزمة كبيرة في القيادة الروسية العليا، وكانت لها تداعياتها على نظام بوتين. ومع ذلك، فإن غياب التسليح الكافي حال دون تحويل هذه الانتصارات إلى هجوم لهزيمة قوات الاحتلال. بل على العكس، رافقت هذه الانتصارات العسكرية ضغوط مضاعفة من الدول الإمبريالية، ولاسيما الإمبريالية الأمريكية المهيمنة، لبدء المفاوضات.

الجماهير الروسية مضطهدة ومقموعة، لكن جزء واسع منها يرفض الحرب

خلال أيلول 2022، كان هناك اضطراب فيما يتعلق بالتجنيد الإجباري الروسي، أدى إلى تغيير متزايد في موقف شريحة واسعة من الجماهير العاملة والشعبية تجاه النظام، رغم أن التعبير عن هذا التغيير لا يزال مقتصرا على الرفض السلبي للحرب، وبضعة إجراءات دفاعية معزولة في المناطق الأكثر معاناة من التجنيد. وقد لعبت أمهات الجنود والمجندين دورا بارزا في هذا الصدد.
ردة الفعل على إجراء الحكومة الإجباري لتعبئة 200,000 مجند تمثلت بقيام أكثر من نصف مليون رجل، في سن الخدمة، بمغادرة البلاد، حتى لا يكونوا وقودا للمدافع. وقد اختبأ مئات الآلاف غيرهم، أو تمكنوا – بأكثر الطرق تنوعا – من تجنب إرغامهم على خوض الحرب. التقارير الإخبارية المدعمة بالأدلة – رغم الرقابة الشديدة – أفادت بمقتل أكثر من 100 ألف جندي من روسيا الاتحادية على الأراضي الأوكرانية. معظم هؤلاء الجنود مضطهدين يحملون جنسيات غير روسية، ومن القرى النائية البعيدة عن المدن الكبرى. كما أن استسلام الآلاف كسجناء، دون مقاومة، كشف أن “العملية العسكرية الخاصة”، تعد في روسيا حرب عدوان ونهب استعمارية تواجه شعبا مسلحا.
هذا الرفض السلبي، الواسع رغم ذلك، ينعكس في روسيا الاتحادية وقواتها المسلحة. وبالتالي، فإن ثاني أكبر قوة عسكرية عالمية لا تعري هشاشتها، أمام العالم بأسره، في مواجهة المقاومة المسلحة للشعب الأوكراني فحسب، بل تبين أيضا فساد نظام بوتين. في هذه الحرب، كما كان الحال في سورية وأفريقيا من قبل، يعتمد بوتين على شركة فاغنر العسكرية الخاصة، كقوة قتالية رئيسية، والتي تشكلت على يد مرتزقة، ومجرمين سابقين مدانين، ومالكها من المافيا الأوليغارشية، المعروف بلقب “طباخ بوتين”، والذي يتنازع اليوم على الهيمنة مع قائد الجيش ووزير الدفاع.

الشتاء تسبب في مأزق عسكري

نتيجة للتأخير والابتزاز الإمبريالي، فيما يتعلق بتسليم الأسلحة الدفاعية والهجومية، تمكن بوتين من تغيير طبيعة الحرب: الاستنزاف المنهجي، وتدمير البنية التحتية الأساسية، وقتل السكان المدنيين بقصف متواصل لكامل الأراضي الأوكرانية تقريبا. بات هناك مأزق حقيقي على جميع الجبهات تقريبا. المعركة التي شهدتها بلدة باخموت في دونباس، والتي لا تزال تسيطر عليها أوكرانيا، هي أبرز مثال على ذلك. كان هناك بعض التقدم من قبل الغزاة، كالاستيلاء على بلدة سوليدار. وكان الأمر رمزيا أكثر من كونه استراتيجيا بالنسبة لبوتين ومجموعة فاغنر العسكرية، التي جاءت جراء الهزائم المتتالية، وإقالة القائد العسكري للعملية، الملقب بـ “جزار حلب”، الجنرال سوروفكين. لاحتلال تلك البلدة الصغيرة، دار قتال عنيف لأكثر من شهر، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا بين القوات.
بينما كانت الدول الإمبريالية تعلن، متأخرة، عن شحنات الدبابات وغيرها من الأسلحة، دون توضيح متى ستكون جاهزة للعمل في ساحة المعركة، حصل بوتين على شهر كانون الثاني بأكمله، كهدية لإعادة تنظيم قواته من أجل شن هجوم مضاد في الربيع. ليس صدفة أننا نشهد الآن جولة جديدة من الابتزاز الإمبريالي، بقيادة الولايات المتحدة و”المتخصصين العسكريين”، لإجبار أوكرانيا على الدخول في “عملية تفاوض”. بعبارة أخرى، إنهم يضغطون على أوكرانيا لقبول تقديم التنازلات للمحتل فيما يتعلق بوحدة أراضيها.
إن مقاومة الشعب الأوكراني ومعنوياته هي العقبة الرئيسية أمام مخططات بوتين، وكذلك في مواجهة السياسة الإمبريالية المتعلقة بتمزيق أراضي أوكرانيا، بوجود زيلينسكي على رأس عملية تنفيذ تلك المخططات.

“السلميون” الذين يخدمون بوتين والاتحاد الأوروبي والناتو!

في هذا الإطار، فإن القطاعات “السلمية”، في كافة البلدان – باستثناء روسيا – والتي ترفع اليوم شعار “لا للحرب!” تخدم مشروع بوتين. والمجموعات المتعددة التي بدأت بالهتاف “لا بوتين ولا للناتو”، حولت “لاءاتها” إلى “لا لإرسال الدبابات لأوكرانيا!”، وها هي تقف صامتة أمام آلاف الدبابات الروسية على الأرض. لقد كشفت عن حقيقتها: جوقة “يسارية” للإمبريالية والناتو، لأن الاتحاد الأوروبي يمول جيش بوتين بشكل غير مباشر، فقد ازدادت مشتريات النفط والغاز لمعظم الدول الأعضاء في الناتو منذ بداية الحرب، حيث يتلقى نظام بوتين 640 مليون يورو يوميا من مبيعات النفط الروسي إلى الاتحاد الأوروبي.
كل من بايدن، وسوناك، وماكرون يسعون إلى إضعاف روسيا عسكريا واقتصاديا، واستنزاف جهازها العسكري. وفي الوقت الذي يرسلون فيه مساعدات عسكرية شحيحة، يضغطون على زيلنسكي لقبول “وقف إطلاق النار”، والمضي في سلام يخدم المصالح الإمبريالية، بكلفة الحفاظ على احتلال جزء من الأراضي الأوكرانية، ما يتيح لنظام بوتين مواصلة اضطهاد شعوب أوراسيا.
“السلام” الذي يجري حبكه هو خيانة للمقاومة الأوكرانية، وتمهيد الطريق للنهب عبر خطط “إعادة الإعمار” المستقبلية. الشعب الأوكراني يريد لهذه الحرب أن تنتهي أكثر من أي شخص آخر، لكن في الوقت نفسه، يعارض أكثر من 85٪ من السكان بشدة أي سلام ينطوي على ضم للأراضي، وإضفاء الشرعية على احتلال بوتين. السلام العادل الوحيد لحرب التحرير الوطني العادلة التي تخوضها أوكرانيا هو سلام يضمن الوحدة الإقليمية لأوكرانيا، واستقلالها الكامل عن كل من روسيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية.

النصر ممكن إذا تولت الطبقة العاملة قيادة المقاومة

المقاومة العمالية الشعبية الأوكرانية المسلحة تشتبك أكثر فأكثر مع النظام والحكومة شبه الاستعمارية، التي تمثل مختلف مجموعات الأوليغارشية الشريكة في المؤسسات الإمبريالية. القيادة السياسية للمواجهة العسكرية، وحكومة زيلينسكي، تتآمران على انتصار الشعب الأوكراني، بيد أن الغالبية العظمى من الناس تريد النصر. وكلما زادت التضحيات والوفيات، زاد رفض تسليم أي جزء من البلاد. على الطبقة العاملة أن تتولى قيادة مقاومة الغزاة، ورفع برنامج ثوري.
إننا نشهد التوليفة الضرورية والممكنة لحرب التحرير الوطني ونضال الطبقة العاملة لتحقيق الاستقلال السياسي، من أجل تحررها الاجتماعي. وهذه التوليفة هي ما يخشاه الجنرال السابق في المخابرات السوفياتية، والرئيس حاليا، بوتين. في بداية الاجتياح، وفي لحظة هذيان، قال إن: “أوكرانيا من اختراع فلاديمير لينين”. كما قال إن “أوكرانيا ليس لها معنى كدولة مستقلة”. كلماته تلك تكشف “حنينه إلى القيصرية”، لكنها أيضا تبين للعالم ما هو أبعد من ذلك بكثير: الفترة القصيرة لاستقلال أوكرانيا بدأت بثورة السوفييتات عام 1917. ولم يتحقق الاستقلال الحقيقي – الوحيد المعروف في تاريخ البلاد – إلا عندما كانت السلطة في أيدي طبقة العمال والفلاحين الأوكرانيين المسلحة، والتي كان لديها سياسة بلشفية واضحة بشأن تقرير المصير الوطني.

برنامج العمل في أوكرانيا:


وقف التضحية الصارخة بالعمال لصالح الأوليغارشية والطبقة الحاكمة! آلاف العمال يتجمدون في الخنادق الأمامية بينما تعلق الشركات عملهم وتخفض رواتبهم إلى النصف. أولئك الذين يذهبون إلى الجبهة يحصلون على رواتب بائسة وعائلاتهم في البرد، بينما يتجول وزراء زيلينسكي في سيارات فاخرة، أو يقضون أعياد الميلاد في إسبانيا، والنائب جوليا تيموشينكو تستمتع بحمامات الشمس على شواطئ دبي.
وضع كل موارد البلاد في خدمة تحقيق الانتصار العسكري على المحتل! الأولوية في توزيع الموارد يجب أن تكون للجنود وأفراد الدفاعات الإقليمية! رواتب كاملة، وتوجيه كل القوى العاملة الصناعية للدفاع الوطني!
تأميم كل الشركات وربطها بالدفاع الوطني تحت رقابة العمال!
وقف تعسف القادة العسكريين! احترام القوات التي تخاطر بحياتها في الخنادق! احترام استقلالية الدفاعات الإقليمية! حتى الآن، يعود الفضل في الانتصارات العسكرية الأوكرانية فقط إلى تضحيات وجهود الشغيلة. هؤلاء الناس يعرفون أنه من بين كل الأسلحة الحديثة والقوية المعروضة على محطات التلفاز الغربية، لم يصل سوى عدد قليل، متأخرا، وبطريقة مراوغة. نطالب بالسلاح لأوكرانيا!
كل مشتريات القوات المسلحة يجب أن تكون تحت إشراف لجان منتخبة من الأفواج نفسها! موارد الحرب ضد المحتل، الخارجية والداخلية، يتم تبديدها بالربح والفساد ونهب ممتلكات الدولة! الحكومة تفشل في محاربة الفساد. يقال بعض المسئولين ويتم تغييرهم بآخرين فاسدين أو غير قادرين على تولي مسؤولياتهم. الموارد موجودة. لقد جمع الأهالي أموالا طائلة للجيش، ويطالبون بمعاشات عوائل القتلى، وتقديم المساعدة مجاناً للجرحى وعائلاتهم!
لا لسداد الدين الخارجي! أوكرانيا في حالة حرب ضد غزو واحتلال ترتكب فيها إبادة جماعية على يد ديكتاتورية. نطالب بالإلغاء الفوري للديون الخارجية التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الأوروبي! دعونا نتخلص من نفاق القوى الإمبريالية التي تعلن دعمها وهي تستعد لجني الأرباح الربوية.
لا لعضوية الناتو أو الاتحاد الأوروبي! أثناء الحرب، بيّن الناتو أن “المساعدة المادية” لم تكن على المستوى المطلوب، ولم تلب الاحتياجات الملحة للمقاومة الأوكرانية، وذلك لأن هذه “المساعدة” تخضع في الواقع لمصالح الإمبرياليتين الأوروبية والأمريكية، وهدفها النهائي هو دحر هيمنة النظام الروسي على أوكرانيا لاستبدالها بهيمنة الاتحاد الأوروبي. خطط “إعادة الإعمار” المتفق عليها بين زيلينسكي والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي ستعمق الطابع شبه الاستعماري للدولة الأوكرانية. ولهذا السبب لا بد من الدفاع عن وحدة أراضي أوكرانيا الموحدة والمستقلة والحرة بشكل حقيقي.
مصادرة كافة أصول الأوليغارشية الروسية والشركات المرتبطة بنظام بوتين في أوكرانيا! مفارقة شنيعة أنه في الوقت الذي يتم فيه غزو أوكرانيا من قبل روسيا، لم تتم مصادرة الأصول المالية الكبيرة لأوليغارشيتها الممتدة في البلاد. هذا من شأنه أن يتيح الحصول على الموارد اللازمة دون الخوض في مسألة الديون الخارجية، وتحقيق ظروف لائقة للجنود على الجبهة وفي الخطوط الخلفية.
من أجل التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة! وحدها الطبقة العاملة الأوكرانية، المتحالفة مع البروليتاريا الأوروبية والعالمية – والتي تناشد بشكل خاص تضامن عمال بيلاروس وروسيا أيضا – يمكنها تحقيق مهام الدفاع الوطني وقيادة الشعب إلى النصر. لتعزيز مقاومة العمال الأوكرانيين، علينا تطوير كافة مبادرات التضامن الحالية للطبقة العاملة الأممية، كتلك الخاصة بشبكة التضامن النقابي الأممية، وشبكة التضامن الأوروبية الأوكرانية، وشبكة التضامن الأوكرانية في الولايات المتحدة الأمريكية.


ترجمة تامر خرمه
مراجعة فيكتوريوس بيان شمس



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن