الصورة القاتمة في قصة (نهاية المطاف) للقاص جاسم خلف فلحي

داود السلمان
Dawdbagad@yahoo.com

2023 / 2 / 13

مدلول النص
القدر أحيانًا يرسم الصورة المعكوسة، الصورة القاتمة، يرسمها بمداد شفاف قابل للمحو، واحيانًا يرسم صورة، لا يمكن أن تُمحى، وإن دار الزمن دورته المكوكية عليها، بل يبقى كل شيء على ما هو عليه. والصورتان تكون مرة في محلها، ومرة أخرى في غير محلها، بمعنى آخر تكون الصورة الأولى صورة ملائمة للحدث الذي سيجري فيما بعد، وهي صورة مضيئة مشرقة. والصورة الثانية تبدو مشرة للوهلة الأولى، لكنها تظهر على حقيقتها فيما بعد، إذ تصبح ضبابية نحسة، تنتهي نهاية مؤلمة.
والإنسان ما بين الصورة الأولى والصورة الثانية، يكون رأيه متذبذب، واحيانا يكون نادبًا لحظه، فيختار الصورة غير التي ظهرت له، ويتمنى لو تنقلب الصورة، فيحظى بما يريد هو لا ما يريد القدر، لأنّه لا يعرف النهايات كيف تكون، هل هي نهايات سعيدة أم نهايات حزينة، تفضي الى التعاسة، والى الحزن الأبدي، الذي وراءه الندم والأسف على ما فاته.
(من هنا أدار الكل ظهره وترك سطوة الزمن ولحن الأيام لأنغام ينتظرون سماعها) //القصة// وهذا رمز مبني عن حدث أوضحه القاص في هذه القصة الشجية؛ وهي تمثل الصورة الأولى برمزيتها واستعارتها، هي اختبار لشخصية البطلة، والبطلة تريد الصورة الثانية، والقدر اراد لها الصورة الأولى. وبين الأولى والثانية تقع الحيرة، لكن المفاجئة تكمن في النهايات. لهذا (فقد بات يكيل الامتعاض. يغزو بذاته صولات وجولات للبعد والانزواء). //القصة//
البطلة في حالة معركة مع القدر، وفي المعارك يحدث فر وكر، هي تريد حسم المعركة بوقت وجيز وبلا خسائر، والقيام بإعلان انتصارها على القدر، وبأنها ربحت المعركة بلا ضجيج يؤدي الى تعالي الأصوات المتداخلة. وهكذا، والقدر يبقى يقض العينان يتربض بالخصم، وثابت على عهده. (أما أنت كنت تنتظرين الفارس القادم والذي سيظهر في أفق خيالك ثم يقترب. يتدنى. ويبدو بوضوح وقد انسلخ من الطيف وحل مثابرا. يحمل وله الحب وأشجان الشوق بنظرات تغرس بقلبك). //القصة//
حسم الموقف...مدلول آخر للنص:
جاء الفارس تدق خطواته على الطريق، أنه يريد أن يسابق الزمن، وينهي قصة حياته الغرامية من أولها، وفيها استقراره الأخير... حتى (اقترب. أخذ يدور و يدور. كأن المكان هو المرتع الذي يود الحلول فيه. لينطلق بك بعد تجاوز المطلوب والمفروض إلى العش المزخرف بالذهب والمحاط بالديباج. كان ثريا. متمكنا ووسيما. ذلك جعل قريناتك في غبطة لك مع انهن أخذن يحسدن النصيب. وأرسل عجوزا ثم ثلاث عجائز ثم أكثر. بعد ذلك بدأ يجمع الرجال والوجهاء. يجلسون عندكم. كانت ابتسامة الوالدين واضحة والطلب قد منحهما سعادة لا توصف) //القصة//.
جولة قد تبدو للوهلة الأولى قد نجح فيها الفارس، وظفر بما يريد، لكن لكل فارس كبوة، ولكل بطل غلبة وهزيمة، ووراء كل نجاحات خسائر، ربما هي لم تكن في الحسبان؛ وعلى الجميع أن ينتظر ما تلد الأيام، فالأيام حبلى بالمفاجئات.
(وبان كل شيء للمعارف والجيران. أليس ذلك اليوم كان يوم الظفر وبداية يسر الحال وهو المراد المنتظر). //القصة//
فك الشيفرة:
الفارس البطل كان عشقه للبطلة ليس وليد الأمس أو اليوم، بل وليد تراكم لأيام طويلة، بلياليها، بسهرها، بعذابات الانتظار، وكانت تبادله ذلك كله، ربما هي تزيد على ما يعانيه من البُعد والحرمان.
وبفك شيقرة القصة يفاجئنا الكاتب جاسم خلف فتحي، بلا عناه ولا متاعب، لكون قصته هذه التي يقصها علينا هي قصة واقعية، ربما كانت على شاكلتها مئات القصص، وكل قاص يقصها بحسب رؤياه، وبحسب ما يمتلك من جاذبية في رسم ملامح القصة التي يريد أن يسردها، ويعبر عنها بما يمتلك من ادوات تؤهله لبناء قص ادبي، وبما يمتلك من مخزون معرفي. (حتى حلت عليك المصيبة التي أرهقت كل شيء فيك. فقد أتضح أنه عقيم لا أمل أطلاقا بعلاجه. وهنا كنت في زاوية رثة وتهافتت عليك الظنون. وتتقافز حولك الأوهام. وتسخر الأحلام. فأين أصبحت. ؟وهل نفعتك تلك المكابرة أو جاملتك التخيلات. وحين علمت ان أبن عمك قد تزوج وقد أنجبت زوجته أثنين من الأولاد. الجميع يشير لجمالهما. توقفت. كأنك تعدين نفسك لدخول ميدان. لكن تجهلين البدء والمكان).
ونهاية القصة كانت نهاية حزينة، والقارئ للوهلة الأولى قد يتبادر الى ذهنه ماذا ستكون النهايات؛ فالقصص الواقعية دائما ما نجدها تنتهي بهذه النهايات الأليمة المحزنة، هي تمامًا عكس القصص الرمزية، كون القصص الرمزية تنتهي بنايات مفاجئة، وربما غير مفهومة ولا متوقعة، كفكرة فلسفية أو كرؤية خيالية.
(وهذا الصخب العنيف مع النفس أمتد لملامحك. فغدوت بلا فتنة أو جمال. ومن شاهدك وانت تزورين أهلك أصابته الدهشة وحل عليه العجب. وما عليك إلا ان تحصدي ما زرعت من مكابرة متعجلة. وعزاؤك الوحيد هو أنك كنت يوما ما حبيبة لذلك الطيب الذي سار مع همومه وما اغدقت من معاناة. لكنه مع هذا وصل الدرب ودخل مروج الأيام الجميلة ومن حقه الأحتفاظ٠ بتلك السطور الأولى فهي أضحت قاعدته التي منها أنطلق وجاهد وثابر)//القصة//
وأقول: إنّ القصة بشكلها العام، تمتاز بسرد اجاد فيه القاص، وعبّر فيه عن كونه يمتاز باطلاع جزيل على بناء القص، وأنّه يمتلك ادوات القاص المطلع على ادوات القصة الحديثة، وعلى كيفية البناء القصصي.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن