كتاب منذر سفر: هل القرآن أصيل؟ - 20 -

جدو جبريل
jadoujibril2021@gmail.com

2023 / 2 / 5

"أسطورة عثمان"

الدرس الرئيسي والأكثر حسماً الذي يمكن استخلاصه من هذه المعلومات حول النصوص القرآنية القديمة "المزعومة" ، هو أنها قابلة للمقارنة بشكل أساسي مع نص ما يسمى بـ "المصحف الإمام " أو "المصحف العثماني" - الذي بين أيدينا اليوم - وأنها تختلف عن بعضها البعض فقط في التفاصيل ، ليس في هيكلها ، ولا في محتواها أو نسبيا في عدد السور. هذه هي الطريقة التي تتشابه بها نصوص هذه المجموعات من مجموعة إلى أخرى، باستثناء بعض الاختلافات. يبدو أنها لا تزال ، وفقًا للأوصاف التي وصلت إلينا ، لتشمل عددًا من السور التي تختلف بوحدات قليلة فقط مقارنة بالمصحف الإمام ، اعتمادًا على ما إذا كانت بعض السور القصيرة جدًا قد تم تبنيها أم لا ، مثل الفاتحة ، أو السورتين الأخيرتين (الفلق والناس). الاختلاف الوحيد المرئي الآخر - دون أي أهمية حقيقية - هو ترتيب السور الذي يختلف أحيانًا بشكل كبير من مجموعة إلى أخرى.

وفقًا لهذه الملاحظات ، فإن جميع المجموعات - غير المصحف الإمام- المعروفة للمؤلفين القدامى تنتمي بلا شك إلى نفس الجيل ، وعلى أي حال تم تشكيلها من مرحلة محددة جيدًا في تراكم وتطور النصوص المنزلة: تلك التي شهدت الحسم للمصحف الذي بين أيدينا اليوم من حيث محتوى السور وعددها.

هناك مفارقة لا يمكن أن تخفى عن القارئ. إن أقدم مجموعة من المصاحف ، مثل مصاحف أبي أو ابن مسعود ، والتي من المفترض أن تكون قد تشكلت بشكل مستقل عن الجمع والتنقيح الذي قام به الخلفاء الأوائل، أبو بكر وعثمان ، وكلها تبدو تقريبًا مثل قطرتين من الماء، متشابهة ، وبالتالي فإنها جميعها تنتمي إلى نفس المجموعة. يضعنا هذا الموقف أمام بديلين:
- إما أن الجمع النهائي للقرآن قد تم في زمن النبي، ولكن في هذه الحالة، لم يكن هناك تجميع أو مراجعة عثمانية أبدًا.
- إما أن يكون هذا الجمع قد تم بعد وفاة النبي، ولكن في هذه الحالة لن يقوم به هذا أو ذاك من الصحابة (زيد، عثمان، علي، أبو بكر، ابن مسعود، أبي... ) ، لكنه سينتج عن التطور البطيء للتقليد الشفوي القائم على الكتابات التي تعيد إنتاج مجموعات جزئية من النصوص المنزلة في زمن النبي. هذه هي الفرضية الأكثر ترجيحًا بالنظر إلى بنية النص الذي درسناه، وما زالت أقدم آثار القرآن متباينة نسبيا.

علاوة على ذلك، فإن النسخة النهائية للمصحف لا تدع مجالاً للشك بخصوص عدم وجود جمع منهجي وطوعي حقيقي يتم تحت سلطة محددة. إذا لاحظنا توزيع السور في المصحف، يمكننا أن نرى بوضوح أنها لم تخضع لأي معيار من معايير التكوين. يظهر هذا كثيرًا في التباين الشديد الموجود بين السور الطويلة ( البقرة) والقصيرة جدا. كما أن هذه السورة الطويلة (البقرة) في حد ذاتها تعادل في الطول آخر 75 سورة في المصحف (من إجمالي 114 سورة من القرآن). من الواضح أنه إذا كانت هناك أي رغبة في جمع منهجي وتنسيق نهائي للنص القرآني، فإن القرآن لن يقدم مثل هذا الاختلال الواضح في بنية مهمة مثل تلك الموجودة في السور.

انتهى هذا الوضع، بعد نصف قرن، بالاستقرار، وفقًا لمجموعة نموذجية تم اعتمادها على الأرجح في عهد الخليفة الأموي عبد المالك أو في عهد ابنه وليد الأول، أي في زمن بروز الحجاج كحاكم.

مخطوطة سمرقند
مخطوطة سمرقند مركبة (1). إنها يحتوي بالفعل على أجزاء كتبها كتبة مختلفون وفي تواريخ مختلفة. لم يكتمل ، لأن عشرات الصفحات مفقودة في البداية والنهاية ، وبعضها في المنتصف . وهي موجودة حاليًا في طشقند بعد رحلات طويلة جلبتها عام 1485 إلى سمرقند ، ثم في عام 1868 إلى "سانت بطرسبرغ" ، لتحط الرحال في عام 1917 في طشقند.
________________________
(1) - تحتوي المخطوطة علي 383 رقعة (تقريبا ثلث القران)، منها 69 منسوخة على ورق و ليس جلد وبخط حديث. الخط المستخدم هو الخط الكوفي و بدون تشكيل. و تحتوي المخطوطة على فواصل السور و علامات الوقف و التعشير. و فيها أخطاء إملائية كثيرة. في الواقع هي أكثر مخطوطة فيها أخطاء إملائية. و لا تخضع لنظام إملائي واحد، فتجد أحيانا كلمة "على" تُكتب "على" و أحيانا تكتب "علا". و أحيانا يتم تقسيم الكلمة الواحدة علي سطرين.
__________________________

في عام 1905 ، أمر القيصر "نقولا الثاني" (2) الدكتور "بيساريف" (3) - Dr Pissaref - بعمل حوالي خمسين نسخة تحت عنوان القرآن الكوفي لسمرقند ، ولا يزال من الممكن العثور على بعض نسخه في المكتبات الغربية.
________________________
(2) - أُعدم "نيكولاس الثاني" في 17 يوليو 1918 ، وهو إمبراطور لروسيا من سلالة "رومانوف". كان "قيصر كل روسيا" ، وهو أيضًا ملك بولندا و"دوق" فنلندا الأكبر ، من 1 نوفمبر 1894 حتى تنازله عن العرش في 15 مارس 1917.
(3) - في عام 1905، نشر المستشرق الروسي "س. بيساريف" نسخة طبق الأصل من مصحف سمرقند الشهير (طشقند الآن) المنسوب إلى الخليفة الثالث عثمان (تبين اليوم عدم صحة هذا الادعاء). ورغم ذلك يعتقد العديد من المسلمين اليوم ، في آسيا الوسطى وأماكن أخرى ، أن مخطوطة طشقند كانت نسخة عثمان الشخصية من القرآن ، والتي كان يقرأ منها عندما تعرض للهجوم وقتل في عام 35 هـ / 656 م ( والغريب نفس هذا الادعاء بالتمام والكمال نسب زورا وتلفيقا لمصحف المشهد الحسيني بمصر). يتألف من حوالي 950 ورقة ، ولكن تمت إزالة الأوراق الفردية على مر السنين. تتضمن طبعة "الفاكس لبيساريف" 353 صحيفة. في عام 1992، سُرقت خمس عشرة صحيفة من الأوراق الأصلية وبيعت في المزادات، لذلك لم يتبق اليوم سوى 338 ورقة من المخطوطة.
_____________________________________
نستخدم هنا صفحات المخطوطة التي تم نسخها على الموقع الإلكتروني:
http://www.callnetuk.com/home/aperfectquran/A1.htm

يمكن ملاحظة بعض الخصائص المميزة لهذه المخطوطة التي تهمنا. تحتوي هذه المخطوطة على محذوفات ، بعضها بسبب إهمال الناسخ. تم تصحيح بعضها عن طريق الإضافات في الهامش. وهناك بعض الاختلافات التي يجب وضعها في الاعتبار. أحيانًا يتم استبدال اسم الله في مخطوطة سمرقند بالضمير "هو" كما في الآية 284 من سورة البقرة (مخطوطة س 90):
((لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ علي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )) .


و الآية 78 من سورة آل عمران (مخطوطة س 109 ):
(( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) .

أحيانًا يتم حذفه في الآية 283 من سورة البقرة (مخطوطة س 89):
((وَإِنْ كُنْتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )).

و الآية 119 من سورة المائدة (مخطوطة س 252):
((قَالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذلك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) .

في الآية 37 من سورة آل عمران، اختفت عبارة "إنَّ الله" من المخطوطة (س 92)، دون الإضرار بفهم النص:
((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أنى لَكِ هذا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ )).

وهناك أيضًا متغير في الآية 146 من سورة آل عمران (مخطوطة س 134) التي تتحدث عن ما عانى منه (النبي محمد) "ما أصابه" أثناء معركة أحد ، بينما يتحدث "الفولغيت" - المصحف - عن ما عاناه أصحابه " ما أصابهم".

علاوة على ذلك، تعطينا هذه المخطوطة دلالات مثيرة للاهتمام تتعلق - حسب بعض الباحثين - بتاريخ تكوين الآيات، يرجع هذا على الأرجح إلى أن المخطوطة مكونة من أجزاء من تواريخ مختلفة.

لكن المقارنة السريعة للمخطوطة مع المصحف تظهر ظاهرة جديرة بالاهتمام. هناك ثلاث حالات: الآية 91 من سورة الأنعام؛ والآية 128 من سورة الأنعام والآية 25 من سورة الأعراف، عندما يشير المصحف إلى نهاية الآية، فإنه يضيف حرف العطف ("و") في بداية الآية التالية، بينما هذا غائب في المخطوطة. من ناحية أخرى، نجد حالة معاكسة (الآية 113 من سورة آل عمران) حيث يكون المصحف هو الذي يزيل حرف الواو في بداية الآية، في حين أنه بالفعل جزء من الجملة في المخطوطة. ومن الملاحظ وجود بعض "القراءات" (السبع) التي تحذف أيضًا الواو في بداية آيات معينة على عكس ما هو وارد في المصحف.

هذه العلاقة بين وجود علامة نهاية الآية أو عدم وجودها وبين الاقتران التنسيقي تستحق بحثًا من شأنه أن يلقي مزيدًا من الضوء على "تاريخ" سيرورة تقسيم النصوص القرآنية إلى آيات.
___________ يتبع 21: أسطورة أو إشكالية الأصالة __________________



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن