-الفتح الاسلامي الثاني-العراقي بعد الجزيري؟/1

عبدالامير الركابي
amir.rekaby@hotmail.fr

2023 / 1 / 31

تحتاج السردية التاريخيه الاسلامية بالحاح غير عادي ـ بالاخص اليوم ـ لاعادة النظر، وللتعديل في جملة من الاساسيات بما يخلص التاريخ من سطوة التفسير العقيدي الايماني الالهامي المفرد، اضافة للاستشراقي، كي يضعه بخانه الاليات، وعمل البنية المجتمعية، حيث يكمن الاساس الاصل المولد لصيغة التعبير الحدسي الايماني النبوي، بما هو ضرورة اولى مرحلية بالنسبة لذاتها، حددت سماتها المؤقته اشتراطات كانت هي الغالبه في حينه.
وبحسب المنظور اللاارضوي الحالي العلي السببي، فان الدعوة المحمدية لم تات خارج اشتراطات الواقع وحكم الضرورة، واللحظة وتفاعلاتها، مع ماهو قائم ومميز لبنية المكان الذي يجري الحديث عنه، وتفاعلاته مع محيطه، واثر ذلك عليه وعلى بنيته، ومن غير الممكن الحديث عن الاسلام خارج اعتباره الوسيلة الرئيسية في الانقلابيه الجزيرة من خارجها، اذا لم نعد لعلاقة المنجز المذكور بالبنية الناظمه لمنطقة الشرق المتوسطي، وبالذات وبالدرجة الاولى بنية ارض مابين النهرين البؤرة، والخلفية الواقعية التي يعود لها تعبيراللاارضوية الابراهيمي، بما هو منظور مجتمعي مغايرمفارق، يصيغته المتلائمه مع استحالة ادراك الاساس الواقعي، او تشخيصه في حينه، باعتباره الهاما سماويا، ظل يتكرر مع الختامية النبوية، ومايزال ساريا، مكرسا بسبب استمرارالقصور والعجز العقلي عن ادراك الحقيقة المجتمعية، بصنفها اللاارضوي الذي وجد في ارض سومر كبدئية منطلق.
فالابراهيميه هي الشكل الاكمل للرؤية المجتمعية اللاارضوية لارض مابين النهرين، ابان زمن القصور والانتكاس عن امكانية التحقق، علما بان هذا النمط المجتعمي ضرورة كونية مجتمعية بحكم كون الظاهرة المجتمعية ازدواجية بنية، وهي لاتكتمل كينونة الابحلول المجتمعية الاخرى اللاارضوية السماوية داخلها، الامر الموافق لبنية مادة المجتمعية البشرية العقل /جسدية "الانسايوان"، ماقد ظل يحكم اجمالي عملية التفاعل المجتمعي التاريخي، ليفرض عليها ديناميات موافقة لاكتمال بناها، البارز منها بما يتعلق بالشرق المتوسطي بؤرة اللاارضوية وتعبيريتها، حالة الانصباب الروماني الفارسي، ونتائجها، وماتتمخض عنه من اختراق ابراهيمي لاوربا، ابتداء بالقراءة المسيحية، ثم للشرق الممتد وراء فارس، وصولا الى الصين والهند، مع القراءة المحمدية الجزيرية.
وليس مايشار له اعلاه متعارف عليه، اومعتبر على مستوى الرؤية التي تحرك التاريخ كما هي غالبه ومعتبره، ماظل يفرض على التاريخ بعدا احاديا، يعتبر حركة وسلوك ومتحققات بعض المراكز مثل روما، او فارس، ومنها احتلالهما لمركز الابتداء المجتمعي الشرق متوسطي، كمثالين بارزين، غاية تاريخيه، لاتنطوي على حاجة مضمرة غير موعاة، محكومة لقانون اعلى ينتظم التفاعلية التصيّرية المجتمعية، الامر الذي يغير كليا من مغزى الاحداث والمسارات من حيث الدوافع والمنتهيات، علما بان المنظور الاحادي غالب على مدى زمني ليس بالقصير من تاريخ المجتمعية، طالما اللاارضوية منتكسة تحت طائلة افتقارها لاسباب التحقق التحولي، واضطرارها لصياغة نمطها تعبيريا، بحسب اشتراطات الانتظارية الموسومه بغلبه الارضوية الاحادية، مع ضمان فعاليتها خارج ارضها.
هذا بينما تنمحي من الافتكار اية مؤشرات، بما في ذلك التكوينيه الدالة منها، فتسقط عند النظر للتطورات اللاارضوية وقراءاتها، الحاضنه المجتمعية، كمثل الجزيرة العربية وبنيتها المجتمعية الصحراوية الخاضعه لاقتصاد الغزو، والاحترابيه القصوى، كاختصاص لايوجد مايماثلة في مجتمعات العمل، بما انه ينشا هنا بديلا للعمل الذي يميل محاربوا الصحراء لاحتقاره، بينما ينشاون يرضعون القتال على صدور امهاتهم، مايجعلهم قوة لاترد، العامل غير المنظور، الذي جعل خروجهم من الجزيرة بعد انتصار العقيدة، بمثابة طوفان لاحدود ولاعقبات تقف بوجهه، هذا ونحن نتحدث عن مجتمع احادي قبلي اساسا، تتوسطة او يشقه من جنوبه حيث البحرالى شماله، حيث الهلال الخصيب، مسرب تجاري له محطة وسطيه مدينيه، يجعل التجارة وريعها عنصر تامين لقدر من التوازن المعاشي، يظل يحول بين ممارسة الغزو أوالانتقال الى قانون "اقتل لتعيش"، وهو ماقد وضع بذوره الاحتلال الفارسي خصوصا، والى حد ما الروماني، بقطع الاول المسار من البحر جنوب الجزيرة باتجاه الهند وغيرها، عدا عن التهديد المباشر بالاحتلال، لولا وعورة التضاريس، والثمن الباهض المطلوب دفعه لعلو مستوى القتاليه الجزيرية، وتداخل العنصرين، وكل هذا كان من شانه ان ولد حالة من الاختلال الاقصى، تفاقم بمرور السنين، حتى بلغ مستوى الازمه الطاحنه شبه الفنائية، وجعل الانتقال من الاحادية، شرطا لابقاء من دونه، وهو ماقد تمثل في القران والنبي محمد، اي بالعقيدية فوق القبيلية، فالاسلام هو انتقال اجباري للمجتمعية الجزيرية، من الاحادية الى الازدواج، بدا بالغلبة العقيدية على القبلية ابان العهدين النبوي والراشدي.
الاسلام والدعوة المحمدية حدث تاريخي مجتمعي، تقف وراءه اسباب عيانية ملموسه، من دونها ماكانت الدعوة تكون او تتحقق، ولايعني هذا الاقلال من اهمية ودور القوى العليا المنظمه للوجود، او حضورها الفاعل في رسم المواقيت والاشتراطات ضمن الاليات العظمى الكونيه، غير ان التركيز على الدعوة لوحدها معزولة عن الشروط التي حفزتها، لايعطيها البعد اللازم من الكمال الذي تنطوي عليه، اذا اعتمدنا العليّة لا الحدسية التي تظل سائده في الزمن الانتكاسي الانتظاري، مايستوجب اعادة النظر في التاريخ اللاارضوي ومحطته الختامية الاخيره، الشديده الاهمية والدلاله.
ولايمكن التعرف على مانحن بصدده اذا لم نتساءل اولا، عن السبب الذي جعل منطقة الجزيرة كنمط مجتمع لادولة احادي، خاضع لاقتصاد الغزو، ومن ثم للاحترابيه القصوى الاستثنائية، تقف على طرف ارض الازدواج وبؤرته المجتمعية، مع محاولة التصور لو ان هذه البقعة لم تكن قد وجدت في هذا الموضع بالذات، او لو انها وجدت لكنها لم تاخذ المواصفات التي هي عليها، في الوقت نفسه، ظلت فارس وروما على ماهما عليه، ويبقى الاهم المتلازم مع ذات السؤال، هو وجود هذه البقعة الاحترابيه الاستثنائية كخاصرة لارض محكومة للدورات والانقطاعات، هي ارض الازدواج المجتمعي اللاارضوي/ الارضوي، حيث الكيانيه اصطراعية بين نمطيتين، محكوم عليها ان تمر خلال تاريخها، بالدورات الكبرى والانقطاعات، اولها بعد سقوط بابل والدورة السومرية البابلية الابراهيمه، مع الانقطاع الاول الذي استمر من الاحتلال الفارسي الى الفتح الجزيري، والذي سيعقبه انقطاع اخر بعد الدورة الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، وسقوط بغداد عام 1258، وقد ظل مستمرا حتى القرن السادس عشر، وقت الانبعاث الذاتي الحالي، الشبيه لهذه الجهه بالتشكلية البدئية السومرية.
ولايعني ماتقدم ان اللاارضوية العراقية ليست احترابية استثنائية، فهي كذلك كينونة، حريتها تساوي وجودها، غير ان احترابيتها محدودة بنطاق ازدواجيتها الاصطراعية، هذا بما يتعلق باللاارضوية السفلى،وذلك عامل يمنع الاستمرارية بظل حالة مجتمعية ابعد ماتكون عن الاستقرار، اوانتفاء الضغط المستمر من المحيط تقصدا للموضع الشديد الخصوبة، من قوس الجبال الجرداءوالصحاري على امتداد القوس الذي يشمل الشرق والغرب والشمال، ماينجم عنه اختلال في التوازن الازدواجي الدقيق والشديد الحساسية، بالذات ابان الفترات التي يكون فيها الاصطراع بين المجتمعين، اللاارضوي الارضوي في حال تازم، او يقارب الذروة الافنائية، الامر الذي تاخذ الاليات الاصطراعية الازدواجيه اليه، بالاخص من اعلى، وبحسب ما تميل المجتمعية العليا الاحادية التغلبية السلطوية الذهاب اليه كينونة، كما كان حاصلا ابان الامبراطورية البا بليه الاخيرة، ومن هنا يتوفر عادة المدخل الذي ييسر للانصبابية الشرقية، ماتحتاجه لكي تحقق حضورها المؤدي لايقاف الديناميات الازدواجية، بالاخص مع ثقل وطاة الاحادية الاقطاعية العبودية الشرقيه، كما تتمثل في صيغة الامبراطورية الفارسية.
كل هذه التفارقات، واشكال التداخل، هي ملامح من الدينامية التفاعلية الكونيه الازدواجيه، ومكمن الصيرورة والتشكلية المجتمعية الذاهبة الى ماهي ميسرة له، ومصممة لاجل بلوغه، بعيدا عن التبسيطية الاحادية الارضية، ومنظورها الاحادي كما متجسد في حالتنا، سواء بوجهه العقيدي "الايماني" الصرف، او اية دوافع مفترضة كمثل القول بال "سياسويه"(1) عند النظر في الانتقالية من اشتراطات الدعوة الجزيرية، الى الازدواجية الامبراطورية الرافدينيه، في الطريق الى اكتمال شروط "الدورة الثانيه"، بالفتح وازالة وطاة وثقل الاحتلال الفارسي من على كاهل الديناميات الازدواجية، الامر الذي يغير كليا المفهوم السائد عن مقومات القوة الملازمه للعظمة الكيانيه، خارج مقتضيات التفاعلية الايجابية الموافقه لاشتراطات التحولية التاريخيه، ناهيك عن عناصرها غير الذاتيه حصرا، بما يجعل من الكيانيه المتعدية للكيانوية المحلية الجغرافية،كما حال ارض مابين النهرين، اوسع ديناميات من النطاق المحلي.
هذا والحديث جار عن لحظة جزيريه، هي تحول جزيري احادي الى الازدواج بالابراهيمية اللاارضوية، وهو يتلبس حال مجتمعية هي حالة احتراب استثنائي لايرد، وبمايجعل من الحضور الفارسي، المغيب مع عوامل ذاتيه للازدواجية الرافدينيه، عامل توحيد للاليات اللاارضوية الشرق متوسطيه كحصيلة، مركزا ردة فعلها التحريرية في الموضع المناسب لتامين اشتراطات الذهاب الى الدورة الثانيه، العباسية القرمطية الانتظارية، عن طريق تحريرها، او تسريعه(2)، وتامين المدى الضروري لاكتمال حضوره الامبراطوري اللاارضوي مجددا.
تبدا الدورة الثانية التي اليها يعود الفضل في الحاق الدائرة الشرقيه الذاهبة الى الصين بالازدواج المجتمعي، مع تكريسها شرق متوسطيا، والى غرب اوربا، بالمجتمعية القبلية الاحترابية، الواقعة تحت طائلة التازم الاقصى الاختناقي، بانبثاق التعبيرية اللاارضوية الابراهيمه، لتخضع القبيلة للعقيدة، وليتولد من يومها واقع جديد، من ازدواجية العقيدة/ القبيله على انقاض الاحادية، يبدا بالغلبه العقيدية التي تظل مفاعيلها مستمرة خلال العهد النبوي الراشدي، قبل ان يبدأ الانتقال من الاشتراطات البدئية الجزيرية، الى الاشتراطات الازدواجيه بعد فترة انتقالية تشتمل على مايطلق عليه "الفتنه" او "الفتنه الكبرى"(2) هو بالاحرى فترة تحول من الطور الجزيري، مع استنفاده ممكنات استمرار الفعالية العقيدية تحديدا، وغلبتها على القبيله، بعدما توفرت الاسباب لعوده حضور القبيله في ظل العقيدة ابتداء من زمن عثمان بن عفان والانتفاض عليه، والصراع الذي نشب بعد قتله، وصولا لمعركة الجمل، واستقلال معاوية بن ابي سفيان مستندا الى ضخامة عدد المحاربة في بلاد الشام بمواجهه الروم، كتعبيرعملي صارخ، عن عودة القبيله وحضورها الوراثي، ومايطلق عليه الملك العضوض، اي الاحادي .
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كمثال فان هشام جعيط، ينظر الى محركات ودوافع الفتنه والمشاركين فيها، من زاوية العامل السياسي الذي يتصدر عنوان عمله/ الفتنه: جدلية الدين والسياسة في الاسلام المبكر/ دار الطليعة بيروت/ د . هشام جعيط.
(2) لم تكن الحال او الديناميات في العراق يوم حصل الفتح الجزيري خامله كليا بدليل " معركة ذي قار" والتي قال عنها النبي محمد يوم وصلته اخبارها وهو محاصر في شعب مكه: " اليوم انتصفت العرب من العجم" مما يمكن اغفاله كدالة على تبلور احتمالات انبعاثية سرعها الفتح الجزيري، هذا ويذكر بان البصرة لم يضطر الفاتحون العرب لتحريريها وانها تحررت ذاتيا تقريبا في حينه.
(3) وضع طه حسين كتابا عن " الفتنه" فاسماها " الفتنة الكبرى"يقول عنه جعيط بانه " مميز بطابعه الادبي اكثر مما هو تاريخي" / المصدر اعلاه/ ص8.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن