محكمة التمييز الاتحادية تنتصر لاختيار الصبي لدينه بعد البلوغ عند إسلام احد أبويه، قراءة فقهية في ضوء اجتهاد محكمة التمييز الاتحادية

سالم روضان الموسوي
salm1956@yahoo.com

2023 / 1 / 27

محكمة التمييز الاتحادية تنتصر لاختيار الصبي لدينه بعد البلوغ عند إسلام احد أبويه

قراءة فقهية في ضوء اجتهاد محكمة التمييز الاتحادية

قررت محكمة التمييز الاتحادية بموجب قراراها العدد 14161/هيئة الأحوال الشخصية والأحوال المدنية/2022 في 24/10/2022 تصديق قرار محكمة الأحوال الشخصية في بغداد الجديدة العدد 3846/ش/2022 في 4/9/2022 والذي قضت فيه بقبول خيار البنت الصبية بالرجوع إلى الدين المسيحي الذي كان عليه أبويها قبل إشهار إسلام احدهم، وأسندت الحكم بأسباب فقهية وقانونية، منها ان الإسلام بني على الحرية والخيار، وان لا اكرها في الدين، كما أشارت إلى الاتفاقيات والمواثيق الدولية ومنها العهد الولي للحقوق المدنية والسياسية التي صادق عليها العراق بموجب القانون رقم 94 لسنة 1970 النافذ، وأسباب أخرى وردت في صلب قرار الحكم، ثم صادقت محكمة التمييز الاتحادية على الحكم بأسبابه وفقرته الحكمية، عندما عللت التصديق عليه بانه صحيح وموافق للشرع والقانون للأسباب والحيثيات التي وردت فيه، وللوقوف على هذا الاجتهاد المهم والذي أرى انه انتصر لرأي فقهي من بين عدة أراء متباينة ولم تكن محل اتفاق على مستوى الشريعة الإسلامية وكذلك على مستوى الاجتهاد القضائي وسيكون العرض على وفق الاتي:

1. موقف القانون العراقي من حق الرجوع للقاصر الذي اعتبر مسلماً تبعاً لأبيه: ان نص المادة (26/ثانياً) من قانون البطاقة الوطنية رقم 3 لسنة 2016 لم ترد فيه إشارة إلى حق القاصر في الرجوع إلى دينه السابق عند البلوغ، كما لم يرد فيه أي نص يمنع ذلك، وارى ان سكوت المشرع العراقي عن إيراد نص حول هذا الموضوع يجعل الأصل فيه الإباحة، لان المنع يجب ان يرد فيه نص، وحيث ان الأصل حرية المعتقد فان المنع لابد وان يكون بنص صريح، لان المنع يرتب جزاء على من يرتكب الفعل الممنوع أياً كان نوعه، حيث ان لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص وعلى وفق ما ورد في المادة (19/ثانياً) من الدستور، لكن يرى البعض إن الأمر يحال إلى منظومة الأحكام الشرعية، على اعتبار ان قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل في المادة الأولى قد أجاز الرجوع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، ولم يكن ذلك خيار الرجوع عن الدين بالنسبة للقاصر محل إجماع فقه الشريعة وعلى وفق ما سيتم عرضه لاحقاً. اما على مستوى الاتفاقيات الدولية فان المادة (14) من اتفاقية حقوق الطفل قد جاء فيها الاتي (تحترم الدول الأطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين) وأصبحت تلك الاتفاقية بمثابة القانون الوطني الواجب الاتباع في العراق بعد المصادقة عليها بموجب القانون رقم 3 لسنة 1994.

2. موقف الفقه القانوني : ان شراح قانون الأحوال الشخصية ومنهم القاضي علاءالدين خروفة، يرى اذا كان الزوجان غير مسلمين وأسلمت الزوجة والزوج كان مجنون لا ينتظر شفائه فيعرض الإسلام على ابويه فان اسلما بقى الزواج قائم وان رفضا الدخول في الإسلام يفسخ عقد الزواج بين الزوج القاصر المجنون والزوجة التي أسلمت وحتى لو كان جده قد اسلم فانه لا يتبع جده في الإسلام ويبقى على دينه[1]، ويضيف مؤكداً على ان القاصر لا يلزم بدين أبيه وتنقطع تبعيته لإسلام أبويه عند بلوغه فان له الخيار في ذلك وعلى وفق ما ذكره القاضي خروفه فيقول (تستمر تبعية الولد لمن اسلم من أبويه مدة صغره سواء كان عاقلاً او غير عاقل ولا تنقطع إلا ببلوغه عاقلا فلو بلغ مجنونا فلا تزال تبعيته مستمرة)[2]، كما يرى احد أساتذة الأحوال الشخصية اذا اشهرت الزوجة اسلامها وكان الزوج قاصرا او صبيا غير مميز فان كان عدم تمييزه لصغر سنه ينتظر لعرض الإسلام عليه، حتى لو اسلم ابويه او احدهم[3]

1. موقف القضاء العراقي: سار القضاء العراقي لعدة اتجاهات وعلى وفق الاتي:

‌أ. الاتجاه الأول: أجاز لمن صار مسلماً بالتبعية إن يختار الدين الذي يرتضيه عند بلوغه سن الرشد بلا تراخٍ منه وفي حال تحقق الشروط الموجبة لهذا الاختيار وهي البلوغ والعقل والاختيار على أن لا يتراخى في استعمال هذا الحق بعد البلوغ مدة طويلة وقد اتضح ذلك جليا في عدة قرارات تميزية منها القرار المرقم 201 /هيئة عامة ثانية/1976 الصادر في 25/12/1976 م والذي نص ((ان الصبي إذا اسلم تبعا لإسلام أبيه يحق له الردة إلى دينه السابق إذا تحققت شروطها وهي البلوغ والعقل والاختيار )) والقرار المرقم 17/طعن لمصلحة القانون/87ـ88 في 21/12/1987 والمتضمن (( وحيث أن القاصر اسلم تبعاً لإسلام أبيه يحل له العودة إلى دينه السابق)) والقرار المرقم 324 /موسعه أولى/ 85ـ86 في 21/9/1986م والمتضمن ((ان حق اختيار الدين المسيحي في هذه الحالة يجب أن يكون عند البلوغ مباشرة )) وغيرها من القرارات

‌ب. الاتجاه الثاني: قضى بعدم الجواز للقاصر الذي بلغ السن الرشد وكان قد اسلم تبعاً لإسلام احد أبويه إن يرجع أو يختار دينه عند بلوغ سن الرشد بل عد ذلك ردة يمنعها الإسلام وكان القرار الذي أسس لهذا النهج وكان ما لحقه من القرارات التميزية كانت تصدر تأسيسا على تلك القرارات ومنها القرار التميزي الصادر بالعدد 318 /هيئة عامة/1999 في 14/2/2000 والقرار الصادر 6042/ هيئة الأحوال الشخصية الأولى / 2012 في 10/9/2012

‌ج. الاتجاه الثالث: العودة إلى ما كان عليه الاستقرار القضائي حيث أجازت للقاصر الذي بلغ سن الرشد اختيار الرجوع إلى ديانته السابقة وعلى وفق ما جاء في قرار محكمة الأحوال الشخصية في الكرادة العدد 3846/ش/2022 في 13/6/2022 المصدق بموجب قرار محكمة التمييز الاتحادية العدد 14161/ هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية/2022 في 24/10/2022 وهو الاتجاه قضائي الأخير في العراق، محل البحث

2. موقف فقه الشريعة الإسلامية: وسأعرض الأمر بمناقشة مقتضبة عن اعتبار الردة جريمة معاقب عليها وعن موقف إسلام القاصر تبعاً لأبيه وعلى وفق الاتي:

‌أ. هل عقوبة الردة محل إجماع المسلمين: يرى بعض الكتاب المسلمين بان لا يوجد إجماع على ان للردة عقوبة ويجبر المرتد على العودة إلى الإسلام ومنهم الدكتور طه جابر العلواني حيث يقول لا يوجد إجماع على وجود حد او عقوبة شرعية ثابتة بالقرآن والسنة وان الإنسان يملك حرية اختيار الدين والكره على اعتناق الإسلام خارج نطاق التكليف ولا يحمل مسؤولية ما يكره عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة[4]، ويشير إلى واقعة تاريخية في زمن الرسول الأكرم (ص) بان الرسول لم ياذن لأصحابه باكراه أولادهم المتهودين على الإسلام[5] ، كما يشير إلى ان ذلك لم يكن محل إجماع المسلمين حيث لم يقره الخليفة عمر بن الخطاب (رض) وفي واقعة مشهورة (أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ , ثُمَّ قَالَ: هَلْ كَانَ فِيكُمْ مَنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ , قَالَ: نَعَمْ , رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ قَالَ: فَمَاذَا فَعَلْتُمْ بِهِ، قَالَ: قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ , فَقَالَ عُمَرُ: فَهَلا حَبَسْتُمُوهُ ثَلاثًا وَطَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ بَيْتًا , وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ , اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ , وَلَمْ آمُرْ , وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي) وكذلك وقائع أخرى وكذلك إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي وسفيان الثوري[6]. كما أشارت الى ذلك أستاذة القانون اللبنانية الدكتورة سعدى محمد الخطيب إلى ان الإسلام لم يفرض عقوبة محددة على الشخص المرتد عن الإسلام ولكنه اعلمه بانه سيكون في الآخرة من الخاسرين، ولان الإسلام اقر بحرية المعتقد فانه اقر حق تغيير المعتقد وما حصل في العصر التاريخي الاسلامي من حرب على المرتدين فان ذلك غير صحيح لان الحرب عليهم كانت بسبب خيانتهم للمسلمين وتآمرهم على المسلمين او بسبب قطع الطرق على سبيل التجارة للمسلمين وتحت عنوان جريمة الحرابة، ولم تكن تلك الحروب بسبب ردتهم عن الإسلام[7]

‌ب. ‌كما يذكر الدكتور طه العلواني ان الآيات القرآنية الكريمة التي تناولت مفهوم الردة عن الإسلام هي سورة البقرة الآية (17) وسورة آل عمران ( الايات 86، 90، 91، 100، 106، 177) وسورة المائدة الاية (54) وسورة النساء الاية (137) وسورة النحل الاية (106) وسورة الحج الاية (11) وسورة محمد الاية (32). وهذه الآيات جميعها تشترك في بيان حقيقة الردة اسما ومفهوما، فهي تفيد معنى الرجوع عن الإسلام والايمان بعد قبولهما وفقا لما امر الله تعالى به[8]، والآيات أعلاه هي جميع ما ورد في القرآن عن الردة ولم يذكر فيها اي عقوبة دنيوية على ذنب او جريمة تحت مسمى الردة ولم تشر لا تصريحاً ولا على سبيل الإيماء الى ضرورة اكراه المرتد على العودة الى الإسلام او قتله اذا امتنع[9]، كما يقول الكاتب ذاته ان حرية العقيدة في القران أحيطت بسائر الضمانات القرآنية التي جعلت منها حرية مطلقة لا تحدها حدود ما دامت في اطار حرية اختيار المعتقد وان الحساب عليها خاص بالله عز وجل ولا يجاوزه إلى سواه[10].

‌ج. يقول البهوتي (لا يحكم على المرتد بالقتل الا اذا دخل الإسلام ونطق الشهادة وهو يعقله وانه متيقن من إسلامه)[11] ويضيف بان المسلم هو من ينطق بالشهادتين فاذا لم ينطق بهما لا يعتبر مسلماً ولا يحمل على التكليف، ولا يعتبر مرتد اذا ما اعلن انتمائه لأي دين اخر حتى وان تلفظ وهو مكره لان إسلامه لا يصح حيث ان الإكراه فيه ظلم ولا يصح الإسلام بالظلم[12]. وهذا ما قرره أيضا محي الدين النووي فيقول بان مرد ذلك الى ان الخلاف في صحة إسلام الصبي، فعند الشافعي وزفر أن الصبي لا يصح إسلامه حتى يبلغ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ) ولأنه قول تثبت به الأحكام فلم يصح من الصبي كالهبة، ولأنه أحد من رفع القلم عنه فلم يصح إسلامه كالمجنون والنائم[13]

‌د. كما يرى احد علماء الشيعة الأمامية العلامة السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي بان اختيار الإسلام يكون بالإرادة الحرة وعن طرق العقل والبحث والتدقيق من قبل الإنسان عملا بالآية الكريمة (لا إكراه في الدين)[14]، ويضيف بان الإنسان عندما يستعمل عقله فان النتيجة هي اختيار الإسلام، لان الإسلام يعطيه الحرية الكاملة للاختيار، وبذلك لا يمكن ان نعتبر الشخص الذي لم ينطق الشهادتين مسلماً[15].

‌ه. جاء في الحديث النبوي الشريف (كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، حتى يُعرِبَ عنه لسانُه إما شاكراً أو كفورا ، فأبواه يُهوِّدانِه ، أو يُنصِّرانِه ، أو يُمجِّسانِه) ويقول الشوكاني في هذا الحديث دليل على أنه لا يحكم للصبي ما دام غير مميز إلا بدين الإسلام، فإذا أعرب عنه لسانه بعد تمييزه حكم عليه بالملة التي يختارها[16]

‌و. ويذكر الشيخ الطوسي بان المراهق اذا اسلم اعتد بإسلامه ولا يعتد بإسلامه تبعاً لإسلام أبويه ويشير بهذا الصدد إلى قول الشافعي (بان لا يحكم الصبي بإسلامه ولا بارتداده، ويكون تبعا لأبويه، غير أنه يفرق بينه وبينهما لكيلا يفتناه . وبعض من أصحاب الشافعي من قال : يحكم بإسلامه ظاهرا ، فإذا بلغ ووصف الإسلام يكون مسلما من هذا الوقت)، بمعنى ان ما قبل بلوغه لا يعتد بإسلامه وإنما من تاريخ البلوغ وبعد اختياؤه وهي ما قصدته عبارتهم (فإذا بلغ ووصف الإسلام يكون مسلما من هذا الوقت)[17]، ويشير احد الفقهاء إلى (ان المولودَ مولودٌ قابلٌ للأمرين، إن شاء قبل الإسلام وإن شاء قبل الكفر. وأحكام الارتداد عن فطرة أو ملة أمور تعبدية حكم بها الشارع، لا أن من كان أبواه مسلمين فهو مسلم، ومن كان أبواه كافرين فهو كافر. والاعتماد على مثل هذه الدلالات في إثبات الأحكام الشرعية بعيد عن مذاق الفقه)[18].

‌ز. كما قال الإمام مالك (إن أسلم الأب تبعه أولاده وان أسلمت الام لم يتبعوها لأن ولد الحرين يتبع أباه دون أمه)[19]

‌ح. ويشير احد فقهاء الإمامية بان بعض الفقهاء لا يعتدون بإسلام المراهق للبلوغ ولم يحكموا بإسلامه[20]

‌ط. كما وردت رواية عن واقعة عرضت على الأمام الباقر (ع) بان نصرانيٌ مات و كان له أولاد صغار وسأله احدهم اذا أسلم الأولاد وهم صغار؟ كيف نورثهم فقال الباقر عليه السلام (يدفع ما ترك أبوهم إلى الإمام حتى يدركوا، فإن بقوا على الإسلام دفع الإمام ميراثهم إليهم، وإن لم يتموا على الإسلام إذا أدركوا دفع الإمام ميراثه إلى ابن أخيه وابن أخته المسلمين)[21]

3. ومن خلال العرض نجد ان خيار الرجوع عن الدين للقاصر الذي عد مسلما تبعاً لإسلام أبويه أو احدهم لم يحظى بأجماع المسلمين، وانه من الأمور الخلافية، وهذا يخرجه من مفهوم ثوابت أحكام الإسلام التي ورد ذكرها في المادة (2/اولا/آ) من الدستور العراقي التي جاء فيها الاتي (لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام)، وحيث انه ليس بمحل إجماع ولا يوجد حد له في القرآن والسنة والإجماع، فانه يخضع لقواعد التعزير إن رأى ولي الأمر سواء كان السلطان او من يسن القوانين، وفي الوقت الحاضر يكون مجلس النواب هو صاحب الصلاحية في تقرير التعزير المناسب اذا كما وجد ان الفعل يشكل اعتداء على المجتمع، وله الخيار في التقنين، وهذا محل إجماع الفقه الإسلامي حيث يقول محي الدين النووي بان (من أتى معصية لا حد لها ولا كفارة عزر على حسب ما يراه السلطان)[22]، وكرر هذا القول من المعاصرين المرحوم الدكتور عبدالكريم زيدان، حيث يقول ان التعزيزات محظورات شرعية ليس لها عقوبة والإمام هو الذي يقدر العقوبة وعلى وفق قول الفقهاء ان الحدود مقدرة والتعزيرات مفوضة إلى رأي الإمام او السلطان[23]، وأكدت هذا الرأي وعملت به في مجال الاجتهاد القضائي المحكمة الدستورية العليا في مصر بقرارها المرقم 201 لسنة 2002 عند تصديها للطعن بعدم دستورية قانون الخلع المصري رقم (1) لسنة 2000 وكان الطاعن يرى انه يخالف الأحكام الشرعية ، ورد الطعن وكان من بين هذه الحيثيات التي بررت بها دستوريته هو سلطة ولي الأمر في أن يختار ما يراه مناسب من الأحكام الفقهية وعلى وفق ما يلي (لا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها فهذه الأحكام وحدها هي التي لا يجوز الاجتهاد فيها إذ تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان. وعلى خلاف هذا، تأتى الأحكام الظنية سواء في ثبوتها أم دلالتها أم فيهما معاً. فهذه الأحكام هي التي تنحصر فيها دائرة الاجتهاد، ولا تمتد إلى سواها، حيث تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، وعلى أن يكون هذا الاجتهاد واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية بما لا يجاوزها، متوخياً تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما يقوم عليه من صون الدين والنفس والعقل والعرض والمال. ولئن جاز القول بأن الاجتهاد في الأحكام الظنية حق لأهل الاجتهاد فأولى أن يكون هذا الحق ثابتاً لولى الأمر يستعين عليه في كل مسألة بخصوصها، وبما يناسبها بأهل النظر في الشؤون العامة. وأية قاعدة قانونية تصدر في هذا الإطار لا تحمل في ذاتها ما يعصمها من العدول عنها وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكماً شرعياً قطعياً، وتكون في مضمونها أرفق بالعباد، وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم)[24]، وهذا يقودنا الى ان المشرع عندما لم يجرم الردة فانه مارس صلاحياته التشريعية، ولم يخالف ثوابت احكام الاسلام، لان حق القاصر بالرجوع الدينه قبل أسلام ابويه او احدهم هو من الامور التي اختلف فيها الفقهاء، حيث كان لجمهور من الفقهاء ومن شتى المذاهب رأي بجواز الرجوع والاختيار لدينه عند البلوغ، مثلما كان العمل عليه من قبل محكمة التمييز الاتحادية ومنذ تاسيسها وكان فيها خيرة القضاة ممن لهم خلفية شرعية ومنه القاضي منير القاضي والقاضي ضياء شيت خطاب وصادق وشامل رشيد الشيخلي وهو ازهري وكذلك الشيخ عبدالقادر إبراهيم وسواهم من أفاضل القضاة في العراق.

وفي الختام لابد من تعضيد الاتجاه الأخير لمحكمة التمييز الاتحادية لأنها عادت إلى ما كان عليه الاجتهاد القضائي المستقر لأكثر من خمسين عاماً، لكن لنا ملاحظة إجرائية، اذ أرى ان يكون الرجوع عن طريق الهيئة العامة لمحكمة التمييز الاتحادية وليس هيئة الأحوال الشخصية، لان القرار أعلاه شكل عدولاً عن قرارات سابقة لمحكمة التمييز، وهذا العدول فضلا عن كونه صادر عن هيئة الأحوال الشخصية، فانه عدل عن اجتهاد للهيئة العامة في محكمة التمييز الاتحادية بقرارها العدد 318/هيئة عامة/1999 في 14/2/2000، مثلما يكون العدول من اختصاص الهيئة العامة حصرا على ىوفق ما جاء في المادة في المادة (13/أولاً/آ) من قانون التنظيم القانوني رقم 160 لسنة 1979 المعدل التي جاء فيها الاتي (ما يحال عليها من إحدى الهيئات اذا رأت العدول عن مبدأ قررته إحكام سابقة(

سالم روضان الموسوي

قاضٍ متقاعد
الهوامش=====================================


(1] القاضي الشرعي علاءالدين خروفه ـ شرح قانون الاحوال الشخصية- الجزء الاول- منشورات مطبعة العاني ـ بغداد عام 1962 ـ ص245

[2] القاضي الشرعي علاءالدين خروفه ـ مرجع سابق ـ ص246

[3] الدكتور عمر عبدالله ـ احكام الشريعة الإسلامية في الاحوال الشخصية ـ منشورات دار المعارف المصرية ـ طبعة القاهرة الرابعة عام 1964 ـ ص 372

[4] الدكتور الشيخ طه جابر العلواني ـ اشكالية الردة والمرتدين ـ منشورات مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد ـ طبعة عام 2011 ـ ص7

[5] الدكتور الشيخ طه جابر العلواني - مرجع سابق ـ ص100

[6] الدكتور الشيخ طه جابر العلواني - مرجع سابق ـ ص136

[7] الدكتورة سعدى محمد الخطيب ـ حرية المعتقد ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ الطبعة الاولى عام 2011 ـ ص67

[8] الدكتور الشيخ طه جابر العلواني ـ مرجع سابق ـ ص 91

[9] الدكتور الشيخ طه جابر العلواني ـ مرجع سابق ـ ص 95

[10] الدكتور الشيخ طه جابر العلواني ـ مرجع سابق ـ ص 101

[11] منصور بن يونس بن إدريس البهوتي ـ كشاف القناع ـ فقه المذهب الحنبلي ـ ج4 ـ منشورات دار الكتب العلمية في بيروت ـ كبعة اولى عام 1997 ـ ص 286

[12] منصور بن يونس بن إدريس البهوتي – مرجع سابق – ج6 – ص 228

[13] محي الدين النووي ـ كتاب المجموع ـ منشورات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع في بيروت ـ الجزء التاسع عشر ـ بدون سنة طبع ـ ص 223

[14] سورة البقرة الآية 256

[15] العلامة السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي ـ كتاب النص والاجتهاد ـ منشورات مركز الدراسات الإسلامية في طهران ـ طبعة عام 1985 ـ ص 7

[16] محمد بن علي ابن محمد الشوكاني ـ كتاب نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار ـ الجزء الثامن ـ منشورات دار الجيل في بيروت ـ طبعة عام 1973 ـ ص 18

[17] الشيخ الطوسي ـ كتاب الخلاف ـ الجزء الثالث ـ منشورات مؤسسة النشر الإسلامي ـ طبعة قم عام 1991 ـ ص 592

[18] الفقيه المحقق مير عبد الفتاح الحسيني المراغي ـ كتاب العناوين الفقهية الجزء الثاني ـ منشورات مؤسسة النشر الاسلامي في قم ـ الطبعة الأولى عام 1997 ـ ص 734

[19] عبدالله بن قدامة ـ كناب المغني ـ الجز العاشر ـ منشورات دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع ـ طبعة بيروت دون سنة طبع ـ ص 96

[20] الشيخ حسن آل عصفور من فقهاء الشيعة ـ كتاب تتمة الحدائق الناضرة ـ الجزء الثاني ـ منشورات مؤسسة النشر الإسلامي ـ طبعة قم عام 1990 ـ ص 321

[21] نقلا عن الشيخ ابو الفضل بهاء الدين محمد بن الحسن الأصفهاني المشهور ب‍ (الفاضل الهندي) ـ كتاب كشف اللثام عن قواعد الأحكام ـ الجزء التاسع ـ منشورات مؤسسة النشر الاسلامي ـ طبعة قم دون سنة طبع ـ ص347

[22] محي الدين النووي ـ المجموع شرح المهذب الجزء الثاني والعشرين ـ منشورات مكتبة الرشاد في السعودية ـ بدون سنة طبع ـ ص 305

[23] الدكتور عبدالكريم زيدان ـ منشورات مؤسسة الرسالة ناشرون ـ طبعة بيروت الاولى عام 2005 ص 393

[24] للاطلاع على القرار الصادر عن المحكمة الدستورية العليا العدد 201 السنة القضائية 23 في 15/12/2002 مراجعة الرابط الاتي https://www.sccourt.gov.eg/SCC/faces/RuleViewer.jspx



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن