مناضلٌ من ذاك الزمان ... سيرة حياة المناضل الشيوعي الراحل خيري يوسف مظلوم الحيدر

حامد خيري الحيدر
hamido20501965@yahoo.com

2023 / 1 / 20

ولد المناضل خيري يوسف مظلوم الحيدر "أبا حازم" عام 1924 في ناحية الكحلاء التابعة لمحافظة ميسان، لعائلة صابئية مندائية مناضلة هي عائلة "آل الحيدر"، التي ارتبط غالبية أبنائها منذ فترة مبكرة بالحركة الوطنية العراقية، حيث كانت المعتقلات السياسية آنذاك بيوتهم الثانية التي دونوا تاريخهم المُشّرف بين جدرانها، بالإضافة الى تقديمهم شهداء أبطال أبخسوا دمائهم الزكية الطاهرة من أجل مَجد بلدهم وحرية شعبهم، لوطنيتهم العالية التي توارثوها جيلاً بعد جيل والوعي الفكري والثقافي المُتميّز الذي اكتسبوه بعد اعتناقهم الأفكار الاشتراكية العظيمة، والتحاقهم بمختلف صنوف الدراسة ثم سلكهم سُبل الوظائف الحكومية بعد ذلك.
كان خيري الأبن الأكبر لعائلة أمتهن والدها المُعيل طيب القلب حرفة صياغة الحلي الفضية والذهبية وأم مكافحة صلبة الشكيمة، وأخوين سلكا كذلك درب الدراسة والوطنية هما "عبود" و"شاكر". وبعد أنهائه دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدارس مدينة العمارة، التحق بدار المُعلمين الريفية في بغداد وتخرج منها عام 1944، ليعمل بعدها مُعلماً في مدارس منطقة "المعيّل" التابعة لمدينة العمارة، ليدفعه حسّه الوطني وهو يرى معاناة وبؤس البسطاء من أبناء شعبه والتمايّز الاجتماعي المَقيت بين مكوناته الأصيلة، للالتحاق بصفوف الحزب الشيوعي العراقي عام 1946، بعد أن التقى في ذلك العام لأول مَرّة بالرفيق الخالد مؤسس الحزب يوسف سلمان "فهد" عند مدينة القرنة في محافظة البصرة، حيث مَنحه هناك شرف عضوية الحزب، ومنذ ذلك الحين نَذر حياته لحرية وطنه والنضال من أجلها، وقد تزامن ارتباطه المصيري هذا في فترة صعبة ومفصلية من تأريخ العراق الحديث، حيث تنامي المَد الثوري وتصاعد الزخم الجماهيري للحركة الوطنية العراقية، ونضالها السياسي في مجابهة الطبقة الرجعية الحاكمة، نتيجة الوعي اليساري الكبير الذي أخذ يمتد تدريجياً نحو شعوب الشرق ومنها الشعب العراقي، بعد انتصار الجيوش السوفيتية على جحافل النازية في الحرب العالمية الثانية.
بعد فترة قليلة من انتمائه لصفوف الحزب الشيوعي أصبح خيري الحيدر أحد كوادر الحزب النشطة العاملة بخط التنظيم الفلاحي في محافظة ميسان، ومساهماً فاعلاً في ترسيخه وثباته وتوسعه يوماً بعد آخر في قصبات جنوب العراق، حيث كان يصف أيام نضاله تلك بين الفلاحين البسطاء ومعاناتهم وهم يناضلون ضد الاقطاع وتسلطهم بأجمل أيام حياته، إذ تعلم منهم الطيبة والنخوة والصبر على المعاناة، بالمقابل كانوا قد بادلوه ذلك الود والاحترام الكبير بعد أن فتّح عيونهم على مفاهيم جديدة كانت غائبة عنهم، عَرَّفتهم بأبسط حقوقهم كبشر يعيشون ويساهمون بدورهم الانساني في هذه الحياة، بسبب التجهيل المُتعمد الذي مورس بحقهم من قبل الاقطاعيين، لدرجة أن رفاقه الفلاحين لقبوه بـ"نخلة البرحي" لسخاء وحلاوة عطائها ورسوخ جذورها عميقاً في الأرض. وكانت أولى نشاطاته النضالية البارزة والمؤثرة في مطلع عام 1948، وذلك تزامناً مع اندلاع وثبة كانون الخالدة في العاصمة بغداد التي أسقطت معاهدة "بورتسموث" مع الحكومة العميلة التي حاولت أبرامها لمصلحة المستعمر البريطاني، حيث أخذ يتنقل بين أقضية محافظة ميسان ونواحيها وقراها، بغرض أسناد الوثبة وتأييد ثوارها من قبل جماهير الجنوب من الفلاحين والمستضعفين، مُحفزّاً إياهم على الانتفاضة والثورة هم كذلك على الجَور والحيف والواقع المرير الذي يعيشون معاناته، بسبب تجبّر وظلم نظام الأقطاع وقيده الخانق، ليغدو جراء تحركاته السياسية تلك أحد الملاحقين والمُهددين بالقتل من قبل "سراكلة" الاقطاع وزبانيتهم.
وبعد أشهر قليلة من الوثبة بدأت الأجهزة الأمنية القمعية بممارسات جائرة للانتقام من مناضليها وثوارها في جميع مدن العراق، في محاولة لاسترجاع مكانة النظام الملكي الحاكم وقوته، بتوجيه ودعم من أسياده المستعمرين البريطانيين، من خلال توجيه ضربات قاسية وموجعة للقوى الثورية وعلى رأسها مناضلي الحزب الشيوعي، تمثلت ذروَتها فيما بعد بإعدام قادة الحزب الخالدين، يوسف سلمان "فهد" وحسين الشبيبي "صارم" وزكي بسيم "حازم" في 14 شباط 1949، وكان من بين المطلوبين ضمن هذه الحملة الشعواء المناضل خيري الحيدر، حيث تعرض جراءها الى الاعتقال والتعذيب، إلا أن ذلك لم يمنعه من مواصلة طريق الكفاح العنيد من أجل حرية وانعتاق شعبه، ليتوّج نضاله المحموم هذا بمشاركته الفاعلة في انتفاضة الفلاحين الخالدة في محافظة ميسان عام 1952 والمعروفة باسم "انتفاضة آل أزيرج"، بعد أن مَهّد مع باقي رفاقه الظروف المواتية لاندلاعها، وكان من أبرزهم المناضلين الراحلين عبد علوان وعبد الواحد كرم، وقد وَثّق المناضل الراحل بهاء الدين نوري بشكل موضوعي دقيق تفاصيل هذه المأثرة الخالدة مع رجالها في كتابه "على ضفاف الهور".
وبسبب ملاحقات عناصر الأمن الدائمة للمناضل خيري الحيدر، ومداهمات رجال الشرطة شبه اليومية لبيت عائلته في محافظة ميسان لغرض اعتقاله، أضطر للانتقال مع عائلته عام 1953 للسكنى في العاصمة بغداد، في دار مؤجرة عند أحد أزقة محلة "فرج الله" في شارع الكفاح الذي كان يُسمى آنذاك شاع غازي، كما تم تعيينه مُعلماً في مدرسة الشاكرية الابتدائية، وخلال هذه الفترة تزوج من أبنة خاله ورفيقة نضاله حياة عبد الرزاق الحيدر، التي غَدت كاتمة اسراره وسنده العظيم في حياته وصموده، بعد أن تفهّمت الدرب الطاهر الذي يسير فيه ليواصل هو نضاله الوطني ونشاطه السياسي، الذي كانت نتيجته أن فُصِل من الخدمة الوظيفية والحِق قسراً بدورة الضباط الاحتياط العاشرة في الكلية العسكرية ببغداد عام 1955، والتي ضَمّت آنذاك العديد من الكوادر المتقدمة في الحزب الشيوعي، والذين كان من أبرزهم المُفكر وعالم الاقتصاد الراحل الدكتور أبراهيم كبة، والمؤرخ الراحل الدكتور فيصل السامر، وفنان الشعب الراحل يوسف العاني، والشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي، وذلك من أجل التمكن من مراقبتهم ووضعهم تحت أنظار الجهات الامنية، لكن رغم ذلك كان المناضلون الشيوعيين ومن بينهم خيري الحيدر يتسللون خلسة من المعسكر متسلقين أسواره مساءً ليُكملوا نضالهم بين صفوف الحزب ليلاً ثم يعودوا إليه مع ضياء الفجر، وكان يغّض النظر عن غيابهم عند التعداد المسائي المعتاد عريف الخفر المُجنّد المتعاطف مع القوى الوطنية آنذاك الملحن الراحل عباس جميل.
وبعد أنهاء المناضلين تلك الدورة التي دامت بحدود ثمانية أشهر لم تمنح لهم الرتبة العسكرية كما هو معتاد، خوفاً من أن يستغل ذلك في تقوية تنظيمات القوى الوطنية داخل المؤسسة العسكرية، وكان قد رُزق خلال تلك الفترة بأبنته البكر أيمان، ثم بعدها بسنتين أبنته الثانية جنان، وبسبب فصله من الخدمة فقد أضطر للعمل بعدة أعمال لإعالة أسرته، حيث عمل عام 1956 في أحدى شركات المقاولات التي كانت تنفذ أحدى مشاريعها في معسكر منصورية الجبل، الذي كان مقراً للواء التاسع عشر، وحينها التقى لأول مرة بآمر اللواء الزعيم الخالد الشهيد عبد الكريم قاسم، وفي مطلع عام 1958 انتقل للسكنى مع عائلته ووالديه وشقيقيه عبود وشاكر مع عوائلهم، في بيت مؤجر كبير في منطقة الصالحية في بغداد بالقرب من مبنى الاذاعة، وبسبب نشاطه النضالي الدؤوب الذي لم ينقطع يوماً، فقد تعرض خيري خلال هذه الفترة الى عدد من محاولات الاغتيال، دبرتها أجهزة أمن النظام الملكي البائد أسوة ببقية مناضلي الخط الأول في الحزب، نجا منها بأعجوبة بسبب يقظته المتناهية وشدة احتراسه الحركي.
كان خيري الحيدر باعتباره أحد الكوادر المتقدمة في الحزب قد أبلغ بشكل خاص قبل بضعة أيام من موعد تفجر ثورة الرابع عشر من تموز الخالدة عام 1958، حيث وَرَد ذلك بمنشور سري خاص تم تعميمه لعدد محدود من أولئك الكوادر.. (ترقبوا أحداثاً جسام خلال الايام القادمة)، ثم عَلم قبل يوم واحد فقط بموعد التنفيذ الفعلي بعد لقاء عابر سريع مع رفيق نضاله الدكتور أبراهيم كبه في شارع الرشيد، على أثر ذلك ظل طيلة يوم 13 تموز الذي سبق الثورة، في حالة ترقب وانتظار تلك الأحداث لحظة بلحظة متهيئاً بمسدسه وبدلته الخاكي، ليقوم بواجبه النضالي الموكل إليه والمُتمثل باستثارة الجماهير وأنزالهم الى الشارع، وهذا ما حدث بالفعل بعد سماعه دوي الرصاصات الأولى للثورة عند صبيحة ذلك اليوم العظيم، حينها قاد أول مظاهرة شعبية مساندة للثورة في شارع الرشيد مع رفيقه المناضل المندائي الراحل لعيبي خلف، هاتفاً بالجماهير المصدومة من هول المفاجأة.. (ثورة شعبية.. ثورة شعبية.. سقطت الملكية.. يحيا الشعب.. يحيا الشعب)، لتغدو بغداد خلال فترة وجيزة بعد ذلك الهتاف المُدوّي ونزول الناس العفوي الى الشارع كبحرٍ هائج مُتلاطم من البشر، ثم قام مع جماهير الشعب الثائرة الهاتفة بسقوط النظام الملكي البائد بالهجوم على ستوديو بغداد وسط شارع الرشيد وتحطيم صور ملوك وأمراء وأفراد العائلة المالكة، ثم أسقاطهم بعد ذلك تمثال الجنرال "مود" من أمام مبنى السفارة البريطانية.
بعد انتصار الثورة ترأس خيري الحيدر أول وفد رسمي يمثل المناضلين السياسيين المفصولين من وظائفهم لمقابلة زعيم الثورة عبد الكريم قاسم، للمطالبة بحقوقهم ورَّد الاعتبار لهم وأعادتهم لوظائفهم السابقة مع كافة مستحقاتهم، فما كان من زعيم الثورة إلا أن استجاب مباشرةً لجميع تلك المطالب آمراً المَعنين بتنفيذها على الفور، عندها أعيد الى الخدمة الوظيفية كمدير لمدرسة الشاكرية في بغداد، حيث واصل عمله الحزبي عندها بنشاط في خط تنظيم المعلمين للحزب الشيوعي، إضافة الى مهامه السابقة في التنظيم الفلاحي في محافظات الجنوب، حيث ساهم بشكل فاعل مع بداية تأسيس النقابات المهنية مندوباً عن الحزب الشيوعي في تأسيس نقابة المعلمين العراقية بعد شهر واحد فقط من انتصار الثورة، وانتخاب الدكتور فيصل السامر كأول نقيب للمعلمين في العراق، وكان قد التقى حينها بعالم الآثار الراحل الأستاذ طه باقر، الذي كان يسعى هو كذلك بحماس لتثبيت أركان هذه النقابة الناشئة من أجل التمهيد لتأسيس جامعة بغداد.
وبعد أن أصدرت حكومة الثورة قانون الاصلاح الزراعي أنتدب الحزب الشيوعي العراقي المناضل خيري الحيدر ليترأس أول مؤتمر فلاحي لغرض توزيع الاراضي المصادرة من مخالب الاقطاعيين في جنوب العراق على عموم الفلاحين البسطاء، حيث أدار المؤتمر معه عدد من المعلمين اعضاء الحزب إضافة الى عدد كبير من المناضلين الفلاحين الشيوعيين، من بينهم الشهيد صاحب مُّله خصاف "صويحب" والمناضل الراحل فِعل ضِمد، وكان خلال السنة الاولى للثورة قد رُزق بأبنه حازم، الذي سَمّاه تيمناً بالاسم الحركي للشهيد الخالد زكي بسيم، مما زاد من مسؤولياته كثيراً نحو عائلته، ثم ليُضاف الى كل التزاماته الصعبة تلك أن أصبح مُعيلاً ومسؤولاً عن عائلة شقيقه الأصغر عبود الذي توفي بشكل مفاجئ عام 1961، ثم في مطلع عام 1962 عُيّن مديراً لإحدى المدارس المسائية في بغداد، وبعدها ببضعة أشهر أنتقل للسكن في دار جديدة كائنة في منطقة الداوودي ببغداد.
بعد انتكاسة ثورة تموز وتغلغل المَد الرجعي في مفاصل الدولة من أجل التمهيد للإطاحة بها، أصبح المناضل خيري الحيدر مع باقي مناضلي الحزب الشيوعي من جديد عرضة للمطاردة والاعتقال، حيث أعتقل من داره عند خريف عام 1962 من قبل اجهزة الأمن التي اخترقتها العناصر القومية الرجعية وتم أيداعه معتقل الفضيلية، ثم موقف الأمن العام في باب المعظم، نُقل بعدها الى السجن العسكري الكائن في معسكر الوَشّاش (الذي تحول الى متنزه الزوراء فيما بعد) للتحقيق معه من قبل الحاكم العسكري بتهم وأباطيل كاذبة مُلفقة، وقد حدث وهو رهن الاعتقال في تلك الفترة الانقلاب الفاشي في يوم 8 شباط الاسود عام 1963، وسيطرة عصابات البعث على مقاليد السلطة ومقدرات الحكم في العراق بعد قتلهم لقادة ثورة تموز، حيث تم نقله مع باقي المناضلين الشيوعين الى معتقل قصر النهاية في بغداد (قصر الرحاب الذي شَهَد نهاية العائلة الملكية)، حيث تعرض هناك الى أبشع انواع التعذيب الوحشي على يد المجرم المقبور "ناظم كَزار"، فكان مثالا للمناضل الصامد الباسل المستعد أن يَهب حياته لشعبه ووطنه والمبادئ التي آمن بها، ولرفضه القاطع توقيع مستند البراءة سيئ الصيت من الحزب الشيوعي العراقي، ليُحال إثر ذلك الى محكمة صورية خاصة، حكمت عليه حكماً جائراً بالسجن المُشدّد لخمس سنوات يقضيها في سجن الحلة.
لكن رغم تواجده في ذلك السجن، واصل بعنفوان قل نظيره ودون انقطاع نضاله السياسي بجلدٍ ودون هَوادة، حيث تمكن مع باقي رفاقه المناضلين من توعية وكسب العديد من المسجونين الى صفوف الحزب والذين اصبحوا فيما بعد كوادر قيادية فيه، إضافة الى مواصلة عمله الحزبي بالتواصل مع منظمات الحزب في خارج السجن، من خلال نقل الرسائل والمنشورات الحزبية السرية من السجن وإليه بين طيّات ملابس أبنه الصغير حارث الذي كان له من العمر ستة أشهر فقط عندما غدا والده رهن الاعتقال، لتنقل زوجته تلك الرسائل الى رفاقه في الخارج عن هذا الطريق، ليغدوا أبنه حارث أصغر رسول للحزب الشيوعي آنذاك.
ومن ضمن الاوامر التي تلقاها معتقلي سجن الحلة في تلك الأيام، أمر هام من قيادة الحزب بوجوب تهريب عدد من الكوادر الحزبية المُغيّبة في السجن، والتي كان الحزب بأمس الحاجة إليها في الخارج، مما حدا بالمناضلين الى حفر نفق كبير من داخل السجن وحتى خارجه، أستمر العمل فيه عدة أشهر ساهم المناضل خيري الحيدر مساهمة فاعلة في إنجازه، وبالفعل تم عن طريقه تهريب المناضلين المَعنيين الذين طلبتهم قيادة الحزب، وكان من أبرزهم الشاعر الراحل مظفر النواب. من جانب آخر لم ينس خيري الحيدر وهو داخل زنزانته واجبه الانساني والمهني، مستنداً الى القاعدة الثورية (التثقيف أولى خطوات التحرر)، حيث أنشأ داخل السجن مع عدد من رفاقه المعلمين الشيوعيين مدرسة صغيرة لتعليم باقي المسجونين الذين لم تسنح لهم فرصة التعلم أوليات القراءة والكتابة ومبادئ اللغة الانكَليزية وطرق الاسعافات الاولية.
وقد ظل خيري الحيدر حبيس سجن الحلة حتى أواخر عام 1964، عاشت عائلته وأطفاله الصغار خلال هذه الفترة بأيامها العِجاف ظروفاً قاسية وهي تعاني صعوبة الحياة وشَظف العيش، تمكنت من تجاوزها بجَلدٍ وشجاعة بفضل صمود زوجته الصابرة المجاهدة، ورعاية والده جد الأسرة الذي غدا المعيل لشؤونها، حتى تم أطلاق سراحه بعفو عام مع العديد من المناضلين الشيوعين بعد سقوط حكومة البعث الفاشية البغيضة نتيجة الخلاف الذي نَشب بينها وبين المقبور عبد السلام عارف، لكن أبقي على قرار فصله من الخدمة الوظيفية، ليتنقل عندها في عدد من الاعمال هنا وهناك لإعالة عائلته، بعد ازدياد احتياجاتهم المعيشية، خاصةً بعد أن رُزق بأبنه الأصغر حامد، حيث عمل مدة من الزمن مُعلماً في مدرسة "الطفل" الأهلية في بغداد التابعة للكنيسة المسيحية، وقد التقى خلال خدمته هناك بوفد دولة الفاتيكان الذي زار العراق لتفقد أحوال الأطفال اليتامى فيه، وقد أثنى الوفد كثيراً على مساعيه وأساليبه التربوية المُميّزة في احتضان هذه الفئة المظلومة من المجتمع العراقي، وجهوده الكبيرة في رعايتها وتعليمها.
وفي عام 1968 تمت اعادة المناضل خيري الحيدر للخدمة الوظيفية مع بقية المفصولين السياسيين، ليعمل موظفاً في دائرة النفوس العامة في بغداد، ثم أعيد تعيينه مع العديد من المعلمين الشيوعين عام 1969 في سلك التعليم، في محاولة صورية من قبل سلطة البعث الحاكمة لتجميل صورتها السوداء القبيحة أمام الشعب، ليرجع حينها مرة أخرى الى مهنته الأثيرة على قلبه مُعلماً في أحدى المدارس الابتدائية في قضاء أبي غريب غرب بغداد، وخلال هذه الفترة أنتدب بتوجيه من قيادة الحزب الشيوعي الى جانب عدد من أعضاء الكادر المتقدم فيه، لإجراء مفاوضات مع حزب البعث للاتفاق على الخطوط العامة لمشروع الجبهة الوطنية المقترح، والرامي الى استقرار العراق وتهدئة أوضاعه العامة من خلال معاضدة مكوناته السياسية فيما بينها، لكنه أنسحب من تلك المباحثات بعد فترة وجيزة بعد تيّقنه لخبرته السياسية الطويلة بعدم جديّة الطرف الآخر في الأمر، مُبيناً رأيه الصريح والواضح الى قيادة الحزب، ناصحاً إياها بعدم الاستمرار بهذا التوجه، وأن ما يجرى (وقد أثبت قادم الايام ذلك) مجرد خدعة خبيثة ومراوغات وسخة من قبل حزب البعث للكشف عن تنظيمات الحزب الشيوعي وأعضاء قياداته وكوادره العليا والفرعية لغرض تصفيتها لاحقاً، وكان من أبرز ضحايا هذه المؤامرة الدنيئة عضو اللجنة المركزية الشهيد ستار خضير الحيدر، كما كان هو نفسه ضمن قائمة المستهدفين بالتصفية الى جانب رفاق آخرين من بينهم المناضل الراحل بهاء الدين نوري، ليعود حينها الى العمل السري مرة أخرى ضمن تنظيمات الحزب لكن بوتيرة أقل نتيجة الضغط الكبير الذي واجهه الحزب من قبل سلطة البعث الرجعية.
وفي منتصف السبعينات نقل المناضل خيري الحيدر للتدريس في مدرسة عكاظ النموذجية في بغداد لعدة سنوات أستمرت حتى عام 1979، حيث احال نفسه على التقاعد بعد مسيرة تربوية معطاء طويلة، ليتفرغ للكتابة والمطالعة والعناية بحديقته الغناء الجميلة ونخلاته الباسقات التي كانت تذكرانه بنضاله الجسور بين صفوف الفلاحين، ثم ليغدو بيته في منطقة الداوودي ببغداد بمثابة منتدى ثقافي جميل، وملتقى لشخصيات ثقافية عريقة، من سياسيين ومناضلين واساتذة جامعات وأدباء ومفكرين وشعراء، وخلال هذه الفترة شارك منظمات الحزب في التوعية الجماهرية لعموم الشعب، كما انه شارك بشكل فاعل في مهرجانات ونشاطات ومؤتمرات الحزب الشيوعي خلال فترة الجبهة الوطنية وحتى هجمة الردة عليها عام 1977، كما أجرى العديد من اللقاءات مع وفود الاحزاب الشيوعية والاشتراكية والعمالية العالمية، مثل الاتحاد السوفيتي وكوبا وبلغاريا وألمانيا الشرقية وايطاليا، حيث وَضّح لهم تاريخ الحزب ومراحله النضالية وأهم وأبرز محطاته البطولية مع الحركة الوطنية العراقية، ليتم على أثرها استدعائه عدة مرات الى مديرية الامن العامة للتحقيق معه حول تحركاته ولقاءاته تلك، كما أنه خضع مع أفراد عائلته الى مراقبة وملاحقة شديدة في جميع تفاصيل حياتهم.
كان التعب والقلق والارهاق الشديد والضغط النفسي الكبير الذي رافق المناضل خيري الحيدر طيلة حياته بسبب نشاطه السياسي الفاعل، إضافة الى مضاعفات التعذيب الجسدي الرهيب الذي تعرض خلال وجدوده في معتقلات الانظمة الباغية خاصة بعد انقلاب شباط الاسود عام 1963، قد سَلَب من صحته وعافيته الكثير، حيث تعرض في أواسط الثمانينات الى عدة جلطات دماغية أصابت جسده بالضمور والوَهَن، وكذلك تعرضه الى مشاكل صحية عديدة أخرى أدت فيما بعد الى وفاته في 22/1/1998 في داره ببغداد، ثم ليوارى الثرى في مقبرة طائفة الصابئة المندائيين في منطقة أبي غريب غرب بغداد، وبذلك فقد العراق والحزب الشيوعي العراقي أبناً باراً من أبنائه الأوفياء ومناضلاً جسوراً في مسيرة التضحية من أجل الوطن.
‫ومع سيرة العطاء الناصعة الطاهرة هذه ستبقى ذكرى المناضل الراحل أبا حازم خالدة راسخة في قلوب كل من عرفه وسار بدربه، مناضل فذ ذو مكانة خاصة لما تَمَتع به من عمق وجمالية الثقافة وغزارتها، إضافة الى الشجاعة والنخوة والشهامة والوطنية العالية والأيمان الراسخ المطلق بالمبادئ الاشتراكية السامية وحتمية انتصارها، وحبه اللامحدود لأبناء شعبه العظيم وخاصة البسطاء والكادحين منهم، وكرهه الكبير للظلم والظالمين والتخاذل والخيانة، ليُلخص فلسفة حياته وما آمن به طيلة مسيرته الطويلة الشاقة بمقولته المُعبّرة... (بفرحٍ أنحني لوردة جميلة، لكن محال أن أنحني يوماً لجلادٍ ظالم)، ليغدوا للجميع مثالاً وعنواناً للفخر والشموخ مع باقي رفاقه الخالدين الذين اعتنقوا تلك الأفكار العظيمة، الحالمة بوطنٍ حرٍ كريم يعيش بين ثناياه شعبٌ باسمٌ سعيد‬‬‬‬.‬‬‬‬‬‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن