خنساء لمحمد عز الدّين الجّميل، رواية أوجاع الذاكرة

فتحي البوكاري
fethi.boukari@gmail.com

2023 / 1 / 20

لا شكّ أنّ مآسي سنوات الجمر في حقبة الاستبداد ما تزال تسيل الكثير من الحبر، وتستدعي المزيد من اهتمام الكتّاب والحقوقيين.
الوجيعة التي لم تنطفئ نارها بعدُ، ستبقى ملتهبة في صدور الضحايا إلى الوقت الذي تزاح فيه الستارة عن نور الحقيقة كاملا دون تضليل أو تشويه، إلى الزمن الذي تلاحق فيه اللعنة قوى الظلم التي مارست باسم البلاد قوتها بإفراط، والأطراف التي تورّطت في تلك التجاوزات من زبانية الحقبة السوداء المظلمة في تاريخ تونس المعاصر، ومحاكمتهم بكل إصرار وجدّية.
ليس من السهل أن ينسى شباب الأمس، وقد ترهّلت أجسادهم وابيضت رؤوسهم، سوء المعاملة والعداء والاضطهاد الذي زرع في طريق حياتهم مبكرا وملأها أشواكا ونسجت حول مصائرهم البائسة شبكة من الافتراءات والإقصاء، خاصة في هذه الأيّام، وقد أصابت الخيبة انتظاراتهم بعد الانقلاب على الدستور وانتكست راية المسار الديمقراطي بشكل غير متوقّع، فعادت الأوجاع والمشاهد الوحشيّة الفظيعة بقوّة إلى الذاكرة الجمعيّة، وانفجرت في وجوههم الوعود الكاذبة بتحقيق العدالة وجبر الأضرار مثل فقاعة الصابون، جعلتهم يسعون عبثا إلى السكن أكثر في الماضي مخنوقين بضبابية الوجود وضجيج فتنة الحاضر.
من بين البارزين في قائمة الضحايا قلّة قليلة أدركت منذ أكثر من عشر سنوات أن الظلم المخيف سوف يربح بذرة جديدة إن لم يتصدّى لوأده الثوّار، ولا يمكن توقع الإصلاح الحقيقي من الطبقة السائدة التي تنظر إلى ما حدث بشيء من التراخي واللامبالاة، فاتّحدوا في مجهود واحد وهو التوثيق الذي تجلّى بحماس متوهج في قوالب فكرية وأدبيّة متنوّعة، وثّقوا فيها الانتهاكات التي تعرّضوا لها وندّدوا بالأمراض الرهيبة التي أصابت جسد المجتمع، أشاروا إليها في كتاباتهم لإيقاظ السخط وإثارة الاستياء الاجتماعي والتحسيس بفظاعة جرم الطغيان، يكفي أن أذكر هنا "برج الرومي" رواية لسمير ساسي، وثلاثية عبد اللطيف العلوي، و"في القلب جمرة" لحميد عبايدية، ليتّضح الحال.
هؤلاء المشار إليهم عاشوا تجربة السجن، أو استمعوا إلى حكايات من عاشوها، فألّفوا عنها نصوصا وروايات وتوسّعوا في الوصف والتحليل والتساؤلات والمراجعات الجادة أيضا.
ومع ذلك، فإن عدد المشتغلين على هذه المحنة، والسّاعين لتبيان أوجاعها، يكاد يكون قليلا جدا مقارنة بالفظائع التي حدثت وأهوالها، وأيضا، بسبب صمت الضحايا أنفسهم عن روايته وتستّر المجرّمين عن كشفه، إذ أنّه عقب اندلاع الثورة أحرق كم هائل من التقارير وأتلفت وثائق كثيرة مهمّة من أجل طمس معالم الجريمة، وإخفاء آثارها.
لكنّ هذه الندرة في النصوص التوثيقية وشحّ الاعترافات غير الكلامية الكاشفة لزبانية نظام ابن علي، والتي تظهرهم كنموذج يستحقّ الموت والدفن، لا يتوقّف عواملها عند الرغبة وعدم الرغبة، بل أيضا بسبب الحياة القاسية البائسة التي يعيشها من أقيمت على شرفهم مأدبة هيئة الحقيقة والكرامة، وعجز البعض عن التعبير عن مأساتهم كتابيا، تقول د. أنديرا راضي في مقدمة قراءتها لروايتي "كسر شر": "إن العديد منا يحبذ الاعترافات المكتوبة، ولا يفضل المحادثات الكلامية، لأنها تٌخفي ملامحنا حين نخجل، ولا تفضح نبر صوتنا عندما نتوجع ونتأوه، ولا تكشف دموعنا حين نكابر، ولا تفضح هواننا عندما نصبر ثم نصبر ثم لا نصبر (...)، وأنا أتابع مباشرة اعترافات ضحايا الانتهاكات اللاإنسانية للنظام البائد وخاصة اعتراف "سامي براهم"(1). ومن خلال ما سمعته من الأصدقاء والمقربين، تأكدت أنّ "سامي" وجميع من تحدثوا مباشرة في الإعلام، لم يقولوا الحقيقة، لأنّ الحقيقة أبشع من أن تقال، وأمّر من أن يُكشف عنها."(2)
والظروف في الفترة الأخيرة مثيرة للاهتمام، بعد توقّف المسار الديمقراطي بالبلد، وبشكل خاص غياب الضحايا وورثتهم عن مواكبة جلسات الدوائر القضائية المختصّة إلى جانب غياب المحامين والمنسوب لهم الانتهاك، فقد تحوّل مسار العدالة الانتقالية إلى مجرّد ملهاة لا فائدة منها.
ولكلّ هذه الأسباب، فقد نظر الحقوقيون إلى تلك النّصوص الأدبيّة على أنّها وثائق وشهادات مثيرة للاهتمام لا فقط مجرّد روايات تخيلية جالبة لفضول القرّاء.
ورغم أن مثل هذه الكتب المدرجة في حقل "أدب السجون" موجودة بكثرة في كل الأزمان والأمصار ومكتوبة بجميع اللغات، مثل "يسمعون حسيسها"، شرق المتوسّط"، "من تدمر إلى هارفارد"، "شرف"، "القوقعة"، "تلك العتمة الباهرة"، "تزممات: الزنزانة رقم 10"، "السجينة"، "بابيلون هنري شاريير"، إلخ، إلّا أنّ رواية محمد عز الدّين الجّميل "خنساء في سجن النساء"(3) لها طابعها المميّز.
أعرف عز الدين الجّميل منذ عقود في فترة نشاطه الثوري من أجل الحرية وبعدها، جمعتني به محطّات سياسيّة، كان ناشطا في المجتمع المدني ويهوى الرسم كثيرا، ولكن ما عرفته كاتبا أبدا، إلى أن طالعت صورة غلاف روايته الأولى "أسوار وأقمار" معلّقة في جدار صفحته الالكترونيّة، لم أطّلع على مضمونها حتّى يتسنّى لي وضعها في إطارها الأدبي، ومن حسن الحظّ أنّنا تلاقينا دون موعد مسبق بمقرّ الأرشيف الوطني، وكان يحمل نسخا من روايته هذه، مرجع دراستي، يعتزم إهداءها إلى المؤسسة، ودّني بنسخة منها وتحدّث مشيدا بها.
وفيما أنا أنصت إليه، ألقيت نظرة خاطفة على بعض الصفحات، شدّتني الصور المضمّنة في النصّ؛ رصاصة في الفخذ وأخرى في الركبة، ضربة بالماتراك على السّاق، قصاصات جرائد، تقارير طبّية، بلاغات وتغطيات صحفية، قرار مراقبة إداريّة، وصور لمناضلات قال عنهن إنّهنّ الشخوص الحقيقية لروايته، وحين قرأت في ظهر الكتاب حديث السجينات عن بعض ما جرى لهن؛ كشفط الثدي بآلة حلب البقرات، ومحاولات الاغتصاب بأقلام الحبر، والتصاق وحوش آدمية بأجسادهن وهنّ عاريات مكبّلات وتمرير أعضائهم التناسلية وقرصهنّ في الأماكن الحسّاسة من أجسادهنّ، وتهديدهنّ بفضّ عفّتهنّ بمفكّات البراغي، ارتعبت، وتساءلت: هل هذه رواية أم وثيقة؟
في خمسينات القرن الماضي وعلى مدى ثلاثة عقود متتالية عادت القوى اليمينية الأمريكية لتوجيه نظرتها المتوحّشة إلى التيّار الشيوعي باعتبار المنتسبين إليه أشباحا شرّيرة يحملون في دواخلهم روح الشرّ وجب اقتلاعها وطردها بالضرب والتعذيب، بعد أن توقّفت مدّة من الزّمن سمحت بالتقارب السياسي والعسكري لمقاومة الخطر الداهم الذي يمثّله تحالف التيّارين النازي والفاشي أثناء الحرب العالميّة الثانية. في تلك الفترة برز مصطلح المكارثية، وهو وصف لسلوك يقوم على أساس توجيه الاتهامات للفرد بالتآمر والخيانة والتخريب دون القدرة على إثباتها، وقد كان أحد ضحاياها عملاق المسرح الأمريكي وأحد رموز الأدب والسينما الكاتب والروائي آرثر ميللر، وكذلك تشارلى تشابلن وأينشتاين.
ويبدو أنّ المكارثيّة لم تنته بموت جوزيف مكارثي سنة 1967، بل استمرّت مرتحلة إلى الدول المتخلفة التي يدّعي زعماؤها أنّهم أخرجوا المستعمر بـ"أدمغتهم"(4) لا بقوّة السّلاح، وبهذا الاعتراف المشين يزداد العامّة يقينا، مع قناعة صامتة، بأنّ رؤساء هياكل منظومة الحكم في أوطانهم ما هم إلّا حرّاسا للمصالح الغربية، وقناعا يتخفى وراءه الاستعمار الجديد، تؤكّده الكراهية الشنيعة لهوية شعوبهم وعقيدتهم. كانوا يرعون مواطنيهم مثل الماشية، يفتحون في وجوههم مشاريع عبثية لتكسير إرادتهم، ويدوسون على كرامتهم بنعالهم وبالأجهزة الصلبة التي اتّخذوها لتحقيق تلك الأهداف، زنازين صغيرة مظلمة وقذرة وظروف صحّيّة مروّعة وأساليب عقاب جهنميّة.
ولا شكّ أنّ النظام التونسي، مثل بقيّة الأنظمة في العالم العربي، قد ورث خلال العقد الثامن من القرن العشرين أفكار مكارثي القمعيّة، واقتفى أثره مستبدلا الشريحة المستهدفة من الشيوعيين بالإسلاميين، ومن قبلهم كان أنصار التيّار القومي. كان الوضع في تونس سيّئا للغاية وكانت البلاد في خضم أزمة منفتحة على المجهول، وكادت كوّة الحرية الصغيرة، التي فتحت سنة 1989 للتنفيس، أن تعصف بوجوده في دائرة الحكم، إذ أنّ الانتخابات التشريعية قد أظهرت مدى سخط المواطنين عليه وحجم المعارضة الإسلامية والتأييد الشعبي الذي حظيت به.
في تلك الفترة، وبعد تحليل نتائج الانتخابات، دُقّ ناقوس الخطر من المدّ الإسلامي المتعاظم وتصاعد نفوذ الإسلاميين، فتقرّر إشاعة الخوف من خطر أصحاب الميول الإسلامية، وتحجيمهم، وتقليم شوكتهم، لمنع وقوع احتمال وصولهم للسلطة، فسنّت قوانين قاسية خانقة للحريات تعاقب الناس على آرائهم ومعتقداتهم، وتجرّم الانتساب إلى أي جماعة أو حزب غير معترف به من طرف النظام، وتأثّم الأشخاص الذين يقومون باجتماع في مكان ما أو في منازلهم دون ترخيص مسبق من السلطة، وتلاحق العاملين في هياكل الدولة ومؤسساتها وتتنصّت على مكالماتهم الهاتفية وتفتح رسائلهم الشخصية للاطّلاع على فحواها.
هذه القوانين، التي داست على الحقوق المدنيّة للمواطن وانتهكت كرامته وجعلته يعيش في حالة توتّر شديد، طبّقت بحماسة كبيرة وبخيال "مكارثي" جامح، وخلقت جوّا متوتّرا مشحونا بالأراجيف والتظليل وافتراءات المخبرين، ومنحت قدرة لا متناهية للأجهزة الأمنية على القمع وأعطتها الشرعيّة الكاملة لقهر وإذلال المواطنين، ولم يتورع جهاز الأمن من ارتكاب العديد من المخالفات والانتهاكات القانونية وتتبع خطوات المشكوك في أمرهم ومراقبتهم فطال سوطها كلّ التيّارات السياسيّة المعارضة دون استثناء، فمن هو مكارثي هذا البلد الذي يطلق الاتهامات جزافا ويصادر الحريات؟ وهل هو معيّن من الدّاخل أم من الخارج؟
تجيب عن تلك الأسئلة بطريقة ما كلّ روايات أدب السجون التونسيّة، غير أنّ رواية "خنساء في سجن النّساء" اتّسمت إجاباتها بالجرأة في تسمية الأشياء بمسمّياتها، إذ طرحت تواريخ حقيقية وتناولت أحداثا وقعت بالفعل في مسرح الحياة لأشخاص حقيقيين حملوا الأسماء نفسها وأعادوا تفصيلها بدقّة بالغة في مسرح الرّواية.
يعتبر الدكتور محمد التومي في مقدّمة الطبعة الثانية للرواية أنّها سيرة غيرية، إذ يقول: "إنّ هذه الرواية بما هي سيرة غيريّة لمجموعة نساء جمعهنّ فضاء سجن النّساء بمنوبة وأقبية الدّاخلية وغرف التوقيف وزنزانات التعذيب... كان عزّ الدين جميّل فيها حريصا على نقل الوقائع التي سمع من السّاردة سلوى المشاركة في الأحداث تماما كما فعل الطاهر بن جلّون في روايته "تلك العتمة الباهرة" التي نقل أحداثها سماعا عن السجين عزيز بنبين بما هو سارد مشارك في ملحمة سجن تزمامرت الرّهيب"(5) ، وقد يكون توصيفه صحيحا بالاستناد على نقل الأحداث، إن كان ذلك بالسماع أو بالاطّلاع على وثائق هيئة الحقيقة والكرامة المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان بتونس الحديثة، ولكنّ كاتبها يختلف عن صاحب "تلك العتمة الباهرة" لكونه يسترجع ملامح الظروف من تجربته الشخصية لا التخييل.
إنّ طرح التواريخ الحقيقية في الرواية لا يشكّل سبقا يجعل من الكاتب مجدّدا في ذاك الجنس، فبإمكان القارئ أن يتعثّر في مطالعاته برواية ماري آن شيفر وآني باروز، "جمعية غيرنزي للأدب وفطيرة قشر البطاطا"، فهي سلسلة من الرسائل تعجّ بالتواريخ، كما أنّ بطلة رواية "السجينة" لـ"ميشيل فيتوسي" هي شخصية حقيقية قاسمت الكاتبة غلاف الرواية لتنحت فيه اسمها كصاحبة القصّة الأصلية، وحتّى عملية تضمين النصّ لمجموعة من الرسائل والقرارات الرسمية والوثائق الإدارية والتخيلية نجدها في رواية "ابن شقيق النجاشي" للكاتبة الإيطالية أندريا كاميلياري. ولكن، ما يميّز حقّا رواية "خنساء في سجن النّساء" ويخرجها، إلى منتصفها، من دائرة السيرة الغيريّة هو وجود ضمير مستتر، تقديره الكاتب نفسه، عزّ الدين جميّل، المشارك الأصلي في رواية الأحداث من خلال التلازم في المصائر مع أبطال روايته، فهو الذي قضّى من عمره سبعة عشر عاما في السّجون مقابل آرائه، وكابد العذاب، ومرّ بجميع بوّابات المراكز ومناطق "الاستنطاق والتحقيقات المكّارثية"، والإنسان الذي يملك مثل تلك التجربة الأليمة سوف تعلق صور أحداث المحنة في عقله ولا تُمحى أبدا، وسيكون الوحيد القادر على التحدّث بلسان سلوى وأخواتها وسدّ الفراغات عند السهو والنسيان، لا من ثمرة خياله بل ممّا رآه بأمّ عينه، خاصّة إذا ما تعلّق الأمر بمسرح الأحداث، الأمر الذي لن يقدر عليه لا الطاهر بن جلون ولا غيره من الروائيين في تمثّل الواقع الحقيقي وتقريبه إلى القارئ، وهذا ما يفسّر تسارع الحقوقيين لترجمتها إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية، وتحويلها إلى شريط، فهي سيرة غيرية تنهل من مجرى نهر سيرة الكاتب الذاتية.
كانت صورة مقتل الطالب الطيب الخماسي بالرصاص ماتزال ماثلة في أذهان الناس خريف عام 1990، عندما تمّت مداهمة منزل الهادي البجاوي، "هناك وجدنا جيشا من قوات الأمن الخاصة المدرّبة على استعمال الأسلحة ورياضات فنون القتال (...) مرفوقين بالكلاب المروّضة (...) جاؤوا لاغتيال شاهد العيان الرئيسي على انتهاكات النظام (...) ومحو دليل جريمتهم"(6) ، انطلق الكاتب من تلك الحادثة ليكشف عن فظاعة أساليب القمع المكارثي في تونس وتطوّره إلى شكل أشدّ قسوة من مجرّد تلطيخ سمعة بسبب المعتقدات والانتماءات السياسية، أو مجابهة الجوع والفقر نتيجة الحرمان من الوظيفة والمراقبة اللصيقة، فقد ابتكرت مجموعة ملعونة من الكائنات أساليب شيطانيّة للغوص في أعماق روح الفرد من أجل اقتلاع المعلومات التي يريدونها، يسلّونها من فمه ودمائه، ينتزعون منه الاعتراف بأفعال، لم يقم بها، والتي من شأنها أن تدينه، وكانت السّاردة تتساءل دوما وإلى اليوم: لمصلحة من تقوم هذه الأجهزة الأمنية بتلك الجرائم الأخلاقيّة في دولة مسلمة؟ وبتعبيرها الخاصّ: "لماذا يستبيحون بلا إحساس ولا ضمير دماء عائلاتنا وأعراض بناتنا وحرّية مواطنينا؟ ألسنا تونسيين؟ أبناء وطن واحد وشعب واحد ودين واحد ولغة واحدة وثقافة واحدة؟ حتّى لو كنّا غير ذلك، أي أديان وأي قيم وأيّ ثقافات محترمة تشرّع لمثل هذه الانتهاكات؟"(7)
تصف لنا الراوية سلوى البجاوي أهوال عمل بعض الوسائل عديمة الرحمة، إذ تقول: "اعتمدوا كثيرا (...) على التّحرّش والاغتصابات للتنكيل بالضحايا من الجنسين والتّشفّي فيهم وفي ذويهم وانتزاع الاعترافات منهم" (8)، ثمّ تضيف في موضع آخر: "يتقدم زميل لهم ويلصق تلك الشفاطة في أحد ثدييها ويشغّلها (لا لشفط الحليب) ولكن لشفط الاعترافات"(9).
بإطلالة على العرض المروع، من العسير أن نفهم كيف يمكن لشخص يعيش في بلد مسلم محافظ أن يتصرّف بوحشيّة ذئاب محاكم التفتيش، وكأنّما عبوس مراكز الأبحاث وكآبة مكاتبهم قد أفسدتهم، فالمكتب "عبارة عن غرفة واسعة به ثلاث طاولات وكرسي وهراوة غليظة وأخرى أقلّ منها وسلسلة حديدية، تبعثر أثاثه القليل، واتّسخت جدرانه ببقع حمراء"(10) ، من المؤكّد أنّ المرء حين يخيّر بين أن يموت سريعا في مراكز التحقيق أو يموت ببطء في الحبس سوف يختار الإقامة المجانية في السجون، فقدرة الإنسان على الصمود والتحمّل قد تستنفد تحت وطأة الإفراط في العنف والتعذيب والمعاناة، وكآبة المكان وبشاعة أجهزة الموت يمكن اعتبارها جزءًا من توابل العقوبة.
ولا شكّ أنّ خروج تنين الإسلاميين من مسبح نشاطه السرّي للمشاركة السياسيّة في الانتخابات التشريعية قد كشف جميع العناصر النشيطة وأنصاره، فسهل بذلك على أجهزة الأمن ملاحقة المشتبه في ولائهم له، واضطهادهم والتنكيل بالآلاف منهم، في حملة تطهير واسعة امتدّ سعيرها لعقدين متتاليين من الزمن، تكدّسوا فيها في السجون محتجَزين مع الأشرار. ورغم أنّه لكلّ منهم حكاية تستحقّ الرواية، إلّا أنّ عزّ الدين جميّل، إمعانا منه في الإدانة، وسدّا لمنافذ الجنوح إلى الذرائع والمبررات، خيّر أن يفضح النظام القائم آنذاك بلسان فتاة ريفية قاصر لم تبلغ من العمر سوى ستّة عشر عاما، ولا علاقة لها بصراع الحكم وتطلّعات إخوتها المثاليّة، لا شيء يدفعها إلى ذلك غير الرابط القوي بين أفراد الأسرة، أسرة في منطقة فلاحية محافظة، تقول سلوى البجاوي متحدّثة عن ليلة فرارها من جهاز تفحص حياة المواطنين ومعتقداتهم، الجهاز الأكثر عداء وعنفا عليها وعلى المجتمع: "عروس شقيقي عبد القادر لا علاقة لها بهذه القضايا، كانوا يريدون إيقافها فكانت ترتعد خوفا، (...) مسكتها من يدها وخرجت بها بعد منتصف الليل بين الحقول والمزارع والأودية والأجنّة، لم تتوقّف عن البكاء طيلة المسافة التي قطعناها، (...) هاجمتنا الكلاب السائبة في حقل القمح الذي كانت تحيط به أشجار الطرفة وخندق وادي صغير تجتمع فيه مياه الأمطار، لم أشعر ببرودة الماء والطين، (...) فقدت كلّ حواسي في تلك الليلة ولم تبق إلّا دقّات قلبي المتسارعة تدكّ صدري دكّا كأنّها طبول حرب، وشهقات بكاء زوجة أخي كأنّها طعون سيف مسموم. لا تزال الحنّاء في كفّ العروس الجديدة"(11) . لا أدري لماذا تذكّرت وأنا أقرأ هذه الفقرة الناشطة السياسية في الحركة الثوريّة إيما جولدمان مؤسّسة المجلّة اللاسلطوية التي قضّت، خلال النصف الأول من القرن العشرين، سنوات عدّة في السجن، وأجبرت على التخييم في الحدائق العمومية قبل أن تنتقل إلى السكن مع البغايا، وفي حين لقيت إيما جولدمان في نساء الشارع التعاطف الصادق وبعض الأصدقاء الذين ساعدوها على إيجار غرفة صغيرة وجدت فيها الحماية والرّاحة في عملها بماكينة الخياطة، فإنّ بطلة الرواية، في تلك السنّ، شعرت أنّها تقف منبوذة أمام أبواب المنازل المغلقة في وجهها، محتارة في فهم مشاعر النّاس وتصرّفاتهم حتّى أولئك الذين ارتبطوا معها بصلة القربى أو كانوا مرتبطين بأخيها في النضال رفضوا مد يد المساعدة في أوضاعها الصعبة. فالذين سلبوا منها الفرح وسعادة الحياة خيّموا بسواد روحهم اللاإنسانية في كلّ البلاد، فساد المجتمع الخوف. تقول: "قرّر زوجها إخفاءها في منزل إحدى العائلات المناضلة إلى الصباح، امتثلت للطلب، (...) طرقنا أبواب بعض المنازل ولكن أمام الخوف من بطش المخلوع لاحظنا تثاقلا وحرجا في قبول إيوائنا (...) تفهّم عبد القادر تبريرات الإخوة فلم يسألني لماذا عدت بها"(12) ، وفي سياق آخر تقول: "سرحت في التفكير واستشراف ارتدادات هذا الإيقاف، ماذا سيفعل عبد القادر بمخبئه في سقف المنزل؟ وأسراره التي أعرفها؟ هل سيبقى في محيط المنزل أم سيستمرّ في إحراج الإخوة المناضلين ومواصلة الاستنجاد بهم للاختفاء؟"(13)
ومن الغريب أن تنخرط مؤسسات الدولة جميعها في هذا الإجرام، ويستغل موظفي الدولة سلطاتهم لملاحقة غير المرغوب فيهم من الناحية السياسية، وتستسلم المؤسسات التعليمية الثانوية والجامعية لنفوذ الأجهزة الأمنية حتّى بات الفرد تحت رحمة كل شرطي ومخبر بائس، ومع ذلك، لم ينطق المجتمع وقتها بكلمة إدانة ولم يصرخ بأعلى صوته إنّنا نعيش في هذا البلد بلا قانون.
___________________
(1) مفكر وناشط حقوقي وباحث تونسي في علم الاجتماع، متحصّل على شهادة الماجستير في اللغة والآداب العربيّة تخصّص حضارة ، يعمل كباحث في مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية بتونس وكذلك في قسم اللغة والآداب العربية والحضارة بكلية العلوم الإنسانية الاجتماعية بتونس، له العديد من المقالات البحثية المنشورة والمشاركات في مؤتمرات بحثية عربية ودولية.، من مؤلفاته: الدين والسياسة: بين تهافت العلمانيين وقصور الإسلاميين، منشورات كارم الشريف، تونس، 2012.
دراسة تحليلية نقدية لأصول الفقه عند المعتزلة من خلال كتاب المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي (كتاب مشترك مع توفيق بن عامر)، منشورات كارم الشريف، تونس، 2014. نشط سامي براهم في صفوف حركة النهضة الإسلامية المعارضة، فتعرض للسجن لمدة 9 سنوات بين 1990 و1999، تعرض أثناءها لأنواع شتى من التعذيب وصلت حد محاولة إخصائه. بعد الثورة التونسية، شارك سامي براهم في جلسة الاستماع العلنية الأولى لهيئة الحقيقة والكرامة في 17 نوفمبر 2016.(المصدر: ويكيبيديا الموسوعة الحرة)، كتب قصّة عن السجن نشرت له مجلّة قصص التابعة لنادي القصّة بتونس أقصوصة يمكن إدراجها ضمن أدب السجون.

(2) د. أنديرا راضي، رواية "كسر شر" ما لم ينشر بملفات الهيئة لفتحي البوكاري، مجلة بصرياثا الثقافيّة الأدبيّة، العدد 233 بتاريخ 1 يناير 2023، ص 142.
(3) الجّميل محمد عزّ الدّين، خنساء في سجن النساء، دار يس للنشر، تونس، الطبعة الثانية نوفمبر 2022. رواية من الحجم المتوسّط تقع في 343 صفحة قدّم لها الدكتور محمد التومي، أستاذ الأدب بالجامعة التونسيّة. صدرت الطبعة الأولى في حويلية 2022.
(4) أنظر خطاب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، في هذا المعنى.
(5) الجّميل محمد عزّ الدّين، خنساء في سجن النساء، دار يس للنشر، تونس، الطبعة الثانية نوفمبر 2022، ص8.
(6) المصدر السابق، ص 15.
(7) المرجع السابق، ص70و71.
(8) المرجع السابق، ص23.
(9) المصدر السابق، ص69.
(10) المصدر السابق ص46.
(11) المصدر السابق، ص18.
(12) المصدر السابق، ص18.
(13) المصدر السابق، ص42 وص43.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن