مُتْ قَاعِدًا

عبد الله خطوري
khatoriabdellah@gmail.com

2023 / 1 / 20

أَنَا مَنْ أَنَا..
أنا مِنْ سَرَابٍ خَاشِعٍ
أنا منْ رُؤىً
تتقاطرُ الأطيافُ منْ أشْطَانِهَا
أنَا مِنْ دِمًا
سُفِكَتْ كَمَنْ
قُطِعَتْ جَوانِحُهُ ضُحًى
بُتِرَتْ وراحَ يُحَلِّقُ
مُددًا تسيخُ وَتُسْحَقُ
بَكَتِ النَّيازكُ في عُلًا تَتَشَقَّقُ
هَوَتِ آلْمَلائِكُ في دُنًى
لَيْسَتْ تَدُومُ لأهْلِها
لهفي على نفسٍ قَضَتْ
لهفي على روحٍ بكتْ روحا لها
كانت تخال حُلومها قمر الزمان وعنبرا
ظلت تهيم كؤوسُها بين المقاصفِ سُمَّرَا
حتى إذا جنّ المغيب بزنده
لاحتْ حتوفٌ تقتفي
أثر الصبابة والمُنى
أثر الطراوة في الشبيبة أغبرا
لهفي على عقل يروم تيقنا
أين الرّجَـا..أين السعادةُ يا تُـرَى؟؟
بَكِّي على قلبي الذي عشق السُّهى
فتكدَّرَتْ أنساغُهُ وتكسَّـرَا
رفض المهانة في آلحياة تسوقه
سوق البهائم للسفاد مُعَفَّـرَه
لهفي على عُمْر خلا لم يكترثْ
لمسيره زهر جميلٌ أو ثَـرَى

هو كذلك..ما يبقى ف الواد غير حْجَارو..وحجارة أي ذات ذاتُها، لا شيء غيرها يجب أن يظل في شغاف حناياها التي عبرها تفرض هوية صلابة مَرْوها آلصلد آلثابت الذي لا يتغيرُ على مجالها الاجتماعي..مَنْ لا يُكرم نفسَه في معيشه اليومي طيلة حياته، لا ينتظر أن يكرمه أحد..لا ينتظر من الأغيار سبر جوهر كينونته ويعلي شأنها، فلا قيمة للمرء إلا بعد أن يرحل ويغادر..رحم الله فلان كان وكان وكان..هذا بعض مما سيُقال بعد أنْ تشد آلرحال..من أجل صحة نفسية وبدنية في بركة الأعمار، عش قويا، مت واقفا، لا تأبه لأحد، لا تفكر كثيرا، لا تندم على ماض فات لا تجزع لمستقبل لم يأت لا ترتع لحاضر واقع..عش كما أنت لا تمتقع لا تحمل نفسك ما لا تطيق، فتأنيب النفس وعتاب الذات لن يُجديَ شيئا ذا بال ما لَمْ تستطع الانفلات من الحصار الساكن دواخلك، عليكَ رميَ ثقل الجاذبية عُرْضَ الهواء وتحلق بأجنحة خفاف لتجربة خفة الكائن الممكنة وتستطيع الجؤار دون خشية خدش جرح أحد..جرح..!!..ولْيَكُنْ..فَمَنْ قال إن ممارسة الحياة فعل تخدير وتهوية لأجواء حارقة..لا، إنها مبضع راشق يفتق لا يرتق يخدش ينبش لا يرتاح أبدا إلا بالبوح المطلق..آه..لو نستطيع تجربة مثل ذا البوح في تواريخ حيواتنا الضئيلة والكبيرة والأكبر المترعة بألف لغم ولغم..آه لو نستطيع كلنا عيش ذواتنا كما تشمها أنساغنا كما نعرفها كما عشناها كما سمعناها كما حُكِيَتْ لَنَا كما أحسسنا بها كما نرومُها نسعى إليها نحلم بها..كَـمَـا كَمَا كَمَا..كمااااا..ليت ليت ليت...

لما قصد(حسين الضاوي)في إحدى قصص مجموعة(دنيا الله)ل(نجيب محفوظ) حَفْلَ تكريمه ذات أربعاء، بقلب متوجس، مرتاب، حائر..كان يحدس دون شك ما سيقع..لَمْ يحضر لقاعة الاحتفال أحد.لَمْ يُبَالِ به وبتقاعده أحد..أخيرا وبدون لف ولا دوران، سيواجه نفْسَه بالحقيقة..سيكتشف أن مُجملَ علاقاته في آلعمل كانت خيطَ دخان مبنيةً على مصادفات نفعية هشة لا غير، لقد كان غاطسًا في شغل بيروقراطية الإدارة غارقًا في تسلق درجات مَسار سُلّمه المهني بعيدا عن تمثل ضروريات واجباته العائلية والمجتمعية؛ فقرر وهو في ذروة بداية مواجهة واقعه الجديد، أن لا يضيع لحظتَه المعيشة فيما لا يجدي ولا ينفع بَعْدَ أن تأكد مما لا يدع مجالا للشك بأن مقولة (ما حك جلدَك إلا ظفرُك)ليست مجرد حكمة شائخة يتيقن منها المرء بعد فوات الأوان؛ ولكن منهج سَمْتِ حياة يستوجب آلِالتزام به فيما تبقى من حياة (١)

مَنْ لم يُكرم كيانَه، في معيشه اليومي طيلة حياته، لن يكرمه أحد..هذا أكيد..الأبِيُّ لا ينتظر من الآخرين، كيفما كان مقامهم، منة ثَناء مَدْحٍ مُقابلَ ما يعمل من أعمال هي من صميم واجباته.إنه يكد يتعب لأنه يُؤمن بأن العمل"عبادة"، وسيلة لإثبات الذات لذاتها لا لغيرها من الذوات؛ ثم إن الإنسان السوي يُحب الشغلَ كقيمة إنسانية نافعة تميزه عن غيره، ويشغف بخدمة نفسِه وآلمجتمع والمجتمعين فيه، ويرتاح لراحتهم شاعرا بغبطة الرضى لوجوده الإيجابي بينهم..(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) _الزخرف/الآية:٣٢

مُوَظَّفُنا المحفوظي(السيد حسين)لم يُحْسِنْ فيما يبدو لنفسِه ولمحيطه، لم يستحضر هذه الخصيصة في العمل، فراح يُغرق ذاته في تقديس الشغل من أجل قيم شكلية آستهلاكية صِرفة أَوْدَتْ بعلاقاته بذاته وعائلته الصغيرة في سبيل تحقيق مسعاه، لتودي به في نهاية المطاف إلى مدارج النسيان..التكريم في عمق جوهره تكريم الإنسان لنفسه بمحبته ذاته أولا ومحبته آلآخرين، وصولا إلى آعتراف هؤلاء آلآخرين بعمله ومجهوداته التي قدمها لهم وللمجتمع في مجال تخصصه وآشتغاله، وكل مَنْ يسعى لخدمة الناس وإسعادهم وإدخال الفرحة على قلوبهم ورسم آلبسمة على شفاههم بِنِية صادقة يستحق الشكر وآلتكريم وآلتنويه وآلتقدير، فتتلاحم ذات الفرد العاملة المقتنعة المؤمنة الواثقة من نفسها بذوات المعترفين بالجميل الشاكرين لِمَنْ أَسْدَى إليهم معروفا في لَحْظة أو لحظات ما من الحياة، مما يساعد في خلق فضاء إنساني منسجم تسوده المحبة والاحترام والأخوة المبنية على الصدق والألفة والتكافل والتعاون في مجتمع سوي سليم...
حالة(حسين الضَّاوي)تُذكرني كذلك بفقدان الامتيازات التي يحظى بها بعض الموظفين خلال فترة عملهم من سلطة ونفوذ وما شابه، وعند إحالتهم على التقاعد يكتشفون الزيف الذي كانوا يعيشون في وهمه؛ وتزداد حدة هذا المعطى في البلدان المتخلفة حقوقيا المبنية على التعسف السلطوي، ولعلي أذكر هنا فيلم(محمد خان: زوجة رجل مهم/١٩٨٨)الذي عرض حالة ضابط عاش طيلة حياته المهنية في شطط مسرف للسلطة، ليجد نفسه على حين غرة محالا على معاش آستباقي شبه مطرود سَبَّبَ له آنتكاسات ذاتية حادة لم يستطع التعايش معها نتيجة عدم قدرته التكيف مع نمط عيش جديد كمواطن عادي مما ولد نتائج اجتماعية ونفسية وخيمة له ولمحيطه العائلي...

على المرء أن لا يُغْرِق نفسه وطاقته وصحته في العمل أكثر مما ينبغي، ففي الحياة ما يستحق أن يعاش فيها وبها ومن أجلها من غير العمل؛ والوعي بهذا المعطى قبل فوات الأوان أضحى أمرا غاية في الأهمية، ولعل من مبادئ تكريم الإنسان نفسه إعطاؤها ما تستحق من ميزات تُمكنها العيش بدَعة وسلام عوض حياة جري الوحوش التي هيمنت على الأفراد والجماعات..{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم منَ آلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}سورة الإسراء 70...
فأحَبُّ الناسِ إلى خالق الناس أنفعُهم للناس أو كما جاء في الحديث:«إن لله خلقا خلقهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك آلآمنون من عذاب الله» رواه الطبراني...
ومن باب التكريم، بل من أولوياته أن يبدأ الإنسان بتقدير وآحترام نفسه وإيلائها المكانة اللائقة بها بالعمل على تزكيتها والسمو بها عبر التفاني في العطاء دون آنتظار جزاء أو شكور..ثم إن ثقافة الاعتراف بالجميل بالثناء الجميل يجب، في جميع آلأحوال، أن تسود مجتمعا يحترم نفسه ويسعى إلى تنمية ذاتية شاملة لأفراده وجماعاته من باب (مَن أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له)؛ وبدون هذا الاعتراف تُحْبَط همم آلأنام وتُيَأَّسُ عزائم آل آلجأش، فالتكريم اللائق بمَن يستحقه ليس صدقة أو إحسانا أو إعلان فعل خير أو تباهيا به، بل واجب عرفان لمن أحسن صنعا إلينا من أجل إعلاء شأن القيم النبيلة والحث عليها بصفتها تلعب دورا هاما في تمييز البعد الإيجابي الفعال في المجتمع عن غيره من الأبعاد السلبية.فقيمة العمل والبذل والسخاء في العطاء والرفع من شأن الأعمال التطوعية داخل مجال آختصاص المرء وخارجه مازالت تحتاج لمزيد من التنويه والتشريف..ولعل هذا جزء من الأمانة التي وعد أن يتحملها الإنسان في عمارة الأرض، وعليه أن يفي بوعده والالتزام بشرف الوفاء بالكلمة التي جعلها في رقبته مما سيقوي دون شك إنسانية الإنسان وآلتزامها بمعان وآعتبارات أخلاقية ونفسية وقيمية تدل على الكرم والتسامي بالفعل الإنساني إلى مراتب أكثر نُبلا..من هنا، فكرامة المرء هي هِبة عليا، وعطية من المُعْطي الخالق الكريم الذي سخر له خصائص ومزايا حميدة للاتصاف بها آستحق بموجب جهده في تمثلها هذا التكريم، كما أن العبرة من التكريم تشجيع الكائن المكرَّم وتحفيز له ولغيره لمزيد من البذل من أجل المحافظة على الصفات الحميدة والتمسك بالسلوكات السوية والمثل العليا وإعلاء من شأن القيم المحمودة التي يكرم من أجلها في سبيل تحبيبها والتفاخر بها وتعزيز دورها في المجتمعات وتوريثها الأجيال اللاحقة كأُسٍّ هام من أُسُسِ التربية الرشيدة في حضارة الإنسان...

من هنا جرت العادة، وجرى العرف أن يجتهد آل المجتمع فيما بينهم في نطاق مجهوداتهم الشخصية المحدودة للبوح بكلمة(..شكرا..)بسيطة لزميل لهم قضى بين ظهرانيهم ردحا من زمن غير يسير، تقولها بصدق أعينُهم وقلوبهم قبل تنبس بها نبرات بحات حناجرهم المرتعشة.يهمسون بها يجهرون، في وقت يقف فيه المسؤولون الرسميون في القطاع موقف السلب المتفرج الماسك بمقصلة التشطيب يزيحون بجرة قلم أو نقرة هاتف جوال أسماء وألقاب وصفات وكينونات ومصائر مَن آمنوا خدموا أخلصوا صدقوا كابدوا آجتهدوا صبروا، ليُسَاقَ لهم خروج متعسف كيفما آتفق من أبواب ضيقات نكرات مهملات منسيات، كأن هؤلاء الجنود المجندة لم تلبث في خدمة الفرد والجماعة والمجتمع والدولة غير عشية وضحاها..ابتهج بنفسك أَعْلِ من قدرها..آآآفْرَاااحْ بْرااااسَكْ آآآصَاحبي..(٢)أقولُها صادقا لنفسي ولكل مُسْتخدَم أجير مُيَاوِم وموظف..واللَّهِيمَا فْرَحْتِي بْنَفْسَكْ لَافْرَحْ بِكْ شِي حَدْ..الإنسان الطبيعي السوي يقوم بواجبه العملي بتفان وإخلاص وصدق..ثم كفى..وفوق طاقة المرء لا يلام..ولا ينتظر، عند طرق بُوَيْبات التقاعد مِنْ رؤسائه وسُلمه الإداري وهيئته المشرفة على القطاع الذي يعمل به، أن يذكروه بكلمة محبة أو آعتراف كيفما كانت.. فلا عزاء في مثل ذي النزوع الذي لن يسمن ولن يغني من جوع..جَهْد رؤساء الإدارة الاكتفاء بتحبير رسالة إدارية غير رسمية مقتضبة منمقة موجزها..جَهِّزْ أوراقك لتسوية وضعيتك الجديدة في أقرب وقت وبه الختام والسلام..هكذا بجرة قلم جاحد صفيق تغدو أيها المُسَخِر نفسَه لخدمة نبيلة..متقاعدا..والكلمة تحمل في طياتها للأسف حمولة وجع موجع عندما يُمْسي الموت نفسُه أمرًا على وجه الاستعلاء "مُتْ..."مقرونا بصفة وحالة الخنوع والخضوع"..قاعدا"..لذا، علينا، أقولها أعيدها..إنْ كان لا بد من الموت فمن العار أن نموت جبناء..لا فض فوك يا متنبي العصور كلها..مَنْ قال إن المتقاعد آمرأة يائس عانس كاسد تم تطليقها، تتقبل الفعل بآستكانة ذل، لا تُبادر إلى ردود أفعال كيفما كانت..مَنْ جعل عمرنا الثالث مفعولا يتلقى الأفعال لا يفعلها.. لااااا..أوصيكم أعزائي عزيزاتي وأوصي نفسي..كرموا أنفسكم اشمخوا بأنوفكم قليلا وكثيييرا..لقد كرمكم عز وجل من فوق سبع سماوات وهو أدرى بما خلق وجوهر وقيمة وغاية وسر ما خلق، فكيف ترضون غير الكرامة سَمْتَ عيش، كيف تقبلون غير آلكبرياء نهج حياة.. لتكنِ العزةُ ديدنكم والشهامة والكرامة والأنفة نبراسكم فيما تبقى من بركة الأعمار..زيدوا لقدام زيدوا القدام (٣) لا تساوموا لا تَهِنوا لا تحزنوا لا تخضعوا لا تتوسلوا لا تتنازلوا لا تستكينوا لا تتمسحوا بأعتاب أحد لا تنتظروا جزاااء في دُناكم الدنية فهي لو جازت خيرا أحدا لساد آلعالمين سلاااام.. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين...

_إحالات:

١_قصة:(كلمة في آلليل)نجيب محفوظ المجموعة القصصية:(دنيا الله)/دار القلم/بيروت ١٩٧٢/صفحة:١٦٥وما بعدها
٢_واللَّهِيمَا فْرَحْتِي بْنَفْسَكْ لَافْرَحْ بِكْ شِي حَدْ:افخر بنفسك لا تنتظر غيرك يفخر بك...
٣_زيدوا لقدام:تقدموا تفاءلوا



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن