الاختلاف حين يكون خطرًا

أشرف عبدالله الضباعين
a3zazi@hotmail.com

2023 / 1 / 20

رغم كل محاولاتي بقمع نفسي في الكتابة عن موضوع الاختلاف ونظرتنا كعرب لهذا الموضوع لكن وجدتُ نفسي تحت قمع القلم والفكر وضرورة الكتابة، خصوصًا أننا نتعرض لِكم هائل من "بيانات الكراهية" عبر مواقع التوصل الاجتماعي لكل ما هو مختلف.
يصور البعض الأمر بأن ما يُنشر على هذه المواقع تافه، وأنه لا بد لنا من عدم الاكتراث به، وتركه، لكنهم يتناسون أن الكِتاب القيّم والصحيفة التوعوية قد ولى عصرهم تقريبًا عربيًا وشرقيًا، وأن الغالبية من سكان هذه البقعة العمياء من الكرة الأرضية قد نال منها ما نال، وتوجهوا للتكتوك والانستجرام والفيسبوك وتوتير وغيرها من المواقع التي تُستغل لبث خطاب يركز على أن المختلف هو شخص أو مجموعة "ليست مثلنا"،وإذ كان هذا ليس موضوعنا الآن لكن مرور الكرام تذكيرًا بحال الأمة البائس لا يضر لعل الضرر الواقع قد يُنزع بمعجزةٍ قبل أن ينال ما تبقى من صندوق الأمة.
الاختلاف سُنة كما يقولون، لكنه ليس كذلك! الاختلاف هو طبيعة بشرية محضة، فالإنسان لا يختلف مع الآخر لأجل الاختلاف بل لأن التفكير جعل الأمر كذلك، والتفكير هنا لا أقصد به أن ينشغل الإنسان بالقراءة والفهم والعلم والدراسة، فحتى التفكير السطحي يعتبرًا تفكيرًا لكنه يوصف بالسطحي، كذلك قبول الفكر المُعلب الجاهز يعتبر تفكيرًا، لأن دخوله للفهم عند المتلقي يحتاج بعض الجهد، كفتح علبة السردين، رغم أنه لم يشارك في عملية الصيد والتعليب إلى ما هنالك... لكن!
ليس كل من يحمل فكرًا يُعتبر مفكر، فالمفكر يحمل فكرة ويبحث فيها ويتمحصها ويدرسها ويخرج هو بذاته بالفكرة، ويسمى عند البعض بالمعلم، أما ناقل الفكرة فليس بمفكر، بل حامل للفكرة. ولنتجاهل نوع الفكر هنا (فكر إيجابي وفكر سلبي) لأنه ليس موضوعنا، وقد نفرد فيه مقالا في وقتٍ لاحق.
والاختلاف ليس بين الإنسان والإنسان، بل الشخص نفسه يختلف تفكيره ومنطقه واستيعابه للأمور بالضرورة عبر مسيرته على هذه البسيطة، وليس من الضروري أن يختلف تفكيره 180 درجة، بل قد يمتد تطرفًا على نفس المسار الذي يسلكه.
وإذا كان الاختلاف كقيمة يتطلب إعطاء الآخر اعتباره، فهو يقتضي في ذات الوقت الاعتراف المتبادل، من غير مفاضلة، مع حق كل طرف في حفظ خصوصياته. لكن هذا يتطلب أن يكون المختلفون على درجة واحدة من المساواة، فلا يقمع أحدهما الآخر أو يصادر حق من حقوقه، لكن الاختلاف لا يعني الدخول في المقارنة لئلا يقع المحظور ،بمعنى أن يُصنف البعض بالجيد والبعض بالسيء، بل قد يشكل منطلق التوافق، أو على الأقل التعايش في ظل الاختلاف. ليصبح الاختلاف المحرك الأساس للتفاعل بين الأطراف التي تتجاذب القول أو الفعل، إيجابا وسلبا.
يستفاد من هذا أن الاختلاف حق الاعتراض. لكن إن كان من حق طرفٍ ما أن يعترض بينما لا يحق للطرف المختلف حق الرد، كان المجتمع قمعيًا من لونٍ واحد، أو كان السكان فيه طبقات ورتب، والمجتمع الذي يصنف أفراده لطبقات ورتب مجتمع متخلف لا أمل في نهوضه.
لا بد أن نقول أن الاختلاف موجود في كل المجتمعات، ثم أن التمييز العنصري القائم على رفض المختلف موجود أيضًا في كل المجتمعات، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل هذا التمييز يجري برعاية مباشرة من الجهات الرسمية أو غير مباشرة منها أيضًا؟ هل هو عمل متبناه من قبل جهة ما؟ هل هو عمل منظم أم فوضوي يحدثُ لسبب أو يحدث في أوقاتٍ محددة وبطريقة ممنهجة...الخ.
هذا الفهم لما يحدث في هذه البقعة العمياء عند كل مناسبة يقودنا إلى أن عميان يقودون عميان نحو الهاوية. ونعم أثبت التاريخ أن اللعب على الاختلاف جاء في معظم الأوقات رسميًا لتحقيق سياسة فرق تسد، وأكثر الأمور التي عبث بها الساسة الاختلاف الديني والطائفي والمذهبي والعرقي.
التركيز على الاختلاف هنا ليس لأجل الفهم والإدراك، والتطور والنمو، بل لأننا نرى أنفسنا كشعوبٍ أفضل من باقي شعوب الأرض، لماذا؟ لأننا نحمل صفات أو جينات أو رسالة أو لون عيون أو بشرة أو حتى رموش من وجهة نظرنا نحن... ونحن فقط الأفضل!



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن