الشيخُ خالدُ الجِرْجَاوِيُّ(838-905ه)وَقَّادُ الجامعِ الأزهرِ

صبري فوزي أبوحسين
sabrymhamed@yahoo.com

2023 / 1 / 8

‏التواكل والتكاسل والسلبيةُوالجمودُفي الحياة أمراض تنتشر في شخصية بعض الأجيال الشابة في زمننا هذا، وهي خطيرة الآثار، على المستوى الفردي والجماعي معًا!ومن الأفكار المغلوطة الناجمة عن هذه الأمراض النفورُ من المِهَن والحِرَف والصِّناعات والأعمال اليدوية من نِجارة وحِدادة وسِباكة وكهربة ونِقاشة وخِياطة وما إلى ذلك، والنظرُ إليها، وإلى المُتسلِّحين بها، نَظْرةَ استخفافٍ وانتقاصٍ وتعييبٍ وسخرية، و الإعراضُ عنها،وعدمُ التفكير في التعرُّف عليها، وعدمُ الأخذ بأسباب تعلُّمِها وإتقانِها للتكسُّبِ بها !
ومن ثَمّ لابد من التفكير في علاجهذه الحالة النفسية السيئة ووقاية هذه الأجيال منها! فما أحوج الشباب في وطننا إلى الاقتناع بأهمية هذه الحِرَف والمِهَن والصِّناعات والأعمال!
ولا ريب دينيًّا وعقليًّا وواقعيًّا في أن الحِرَف والمِهَن والصناعات جزء من الأعمال الحياتية الضرورية، وأنها أساس كل إنتاج وتعمير وتحضُّر، وأنها سبب استقرار كل أمة، وميزان تقدمها ورُقيِّها وتنميتها الشاملة، وإن إتقان هذه الحرف والمِهَن وشيوعها لَمِقياس كلِّ حضارة ونظام. ولا أدل على ذلك من قول الله -تعالى- عن سيدنا داوود-عليه السلام-: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لكُمْ لِتِحْصِنَكُم من بَأْسِكُمْ﴾،وكان الرسول-صلى الله عليه وسلم- من أصحاب المهن والحرف؛ فقد شارك في بناء الخندق يدًا بيد مع سائر المسلمين، وثبت أنه -صلى الله عليه وسلم-كان في مِهْنة أهله، وكان يَخِيط ثيابه ويُرَقِّعها ويَغسِلُها بيديه الطاهرتين الكريمتين، وكان يطبخ ويكنس بيوت العَجَزَة وكبار السن ويطهو لهم الطعام، وكم من المواقف والأحاديث التي وردت عنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التي تبارك العمل اليدوي وتثني على كل عامل يأكل من عرق جبينه، ويتسلحبحرفة أو صنعة! وكان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب-رضى الله عنه-من الحريصين على نشر ثقافة العمل اليدوي، وذلك في غير نص وموقف إيجابي رُوي عنه، من ذلك الأثر العُمَرِي الذي نصُّه: "إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني"، وكان إذا مُدِحَ بحَضْرته أحدٌ سأل عنه: هل له من عمل؟ فإن قيل: نعم .قال: إنه يستحق المدح. وإن قالوا: لا. قال: ليس بذاك"،وكان يُوصي الفقراء والأغنياء معًا بأن يتعلموا المِهْنة، ويقول تبريرًا لذلك: "فإنه يوشك أن يحتاج أحدكم إلى مهنة، وإن كان من الأغنياء"! وكان سيدنا عمر يحارب العَطالة والبَطالة بقوله: "إني لأكره أن أرى الرجل سَبَهْللاً(فارغًا)، لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة"، وقد عُرِف عدد من كبار الصحابة-رضوان الله عليهم أجمعين- بإتقانهم الحِرَف والمِهَن؛ فقد كان سيدنا الزبير بن العوام-رضي الله عنه- خياطًا؛ وكان سيدنا سعد بن أبى وقاص-رضي الله عنه- نبَّالاً أي يصنع النبال؛ وكان سيدنا عمرو بن العاص-رضي الله عنه- جَزَّارًا؛ وكان سيدنا خَبَّاب بن الأرت حدادًا، وكان سيدنا سلمان الفارسي حلاقًا، ومُؤَبِّرًا للنخل، وخبيرًا بفنون الحرب، وكان التابعي الجليلسعيد بن المسيب-رضي الله عنه- يتاجر بالزيت، ويقول: "والله ما للرغبة في الدنيا! ولكن أصونُ نفسي وأصل رحمي"...وغيرهم...
ولكي يزداد شبابنا قناعةً بهذه الأعمال اليدوية لابد أن نُعرِّفَهم بتراجم العلماء الكبار و حِرَفِهم وأعمالهم وآثارهم؛ ليحصل التأدُّب بآدابهم والتخلُّق بأخلاقهم، فيتحرك فيهم الشوقُ إلى الاهتداء بهديهم، والاقتداء بسِيَرهم؛ فقد اشتغل بها كثير من العلماء والأدباء والوُجَهاء في كل عصر ومَصْر، ومن يقرأ مصادر التاريخ العربي والإسلامي والمصري يرى هذه الحقيقة بادية بارزة جدًّا عند كل العلماء والأدباء العباقرة الأفذاذ، حيث نجد آلافًا ينسبون إلى مِهْنة يَتَكَسَّبون بها، ويَتَعَيَّشون منها، إضافة إلى إتقانهم علمًامن العلوم، أو أدب من الآداب، وبراعتهم في فن من الفنون!
ويكفي أن نشير هنا إلى أننا عندما نطالع أي كتاب تراجم في تراثنا العربي نجد فيه ألقابًا تشير إلى علماء وأدباء امتهنوا حرفًا وصناعاتٍ معينةً وعُرِفوا بها: من هؤلاءمَن كان يعمل في صناعة المفارش وبيعها فلُقِّب بـ(الأنماطي)، نسبة إلى الأنماط، وهي الفرُش التي تُبسط، مثل عثمان بن سعيد بن بشار أبو القاسم الأنماطي البغدادي(ت288هـ)، أحد أئمة الشافعية في عصره، ومن العلماء من كان يلقب بـ(الفَرَّاء) نسبة إلى صناعة الفِراء أي الملابس المُتَّخَذَة من جلود الحيوانات، مثلالفَرَّاء (ت207هـ) أحد أئمة مدرسة الكوفة في النحو، والذي عُرِف بلقب "أمير المؤمنين في النحو"، والذي قيل عنه:"لولا الفَرَّاءُ ما كانت عَرَبيةٌ"، والذي كان شديد الطَّلَب للمَعاش،يعمل بيده، ولا يستريح في بيته، وكان يجمع طولَ السنة فإذا كان في آخرِها خرج إلى الكوفة فأقام بها أربعين يومًا في أهله يُفرِّق عليهم ما جمعه ويَبَرُّهم!ومن العلماء من كان يعمل في صناعةالآجُرِّ(الطوب) وبيعه فلُقِبَ بـ(الآجُرِّي)مثل الفقيه والراوية الثقة الصدوق أبوبكر محمد بن الحسين الآجُرِّي(ت360هـ) صاحب المؤلفات الكثيرة،ومنهم من كان يعمل في صناعة الزجاج، فَلُقِّب بـ(الزجَّاج أو الزجَّاجِي) مثل العالم اللغوي النحوي أبو القاسم الزَّجَّاجي(ت340هـ) صاحب كتاب حروف المعاني، والنحوي الأديب أبو إسحاق الزَّجَّاج(ت311هـ) صاحب كتاب معاني القرآن،ومنهم من كان يعمل بالحِدادة مثل العالم البلاغي المُقَنِّن لعلوم العربية السَّكَّاكِي(ت626هـ)، المعروف بموسوعته "مفتاح العلوم"، والذي نُسب إلى مهنة السِّكاكة(الحدادة) التي كانت تحترفها أسرته؛ إذ ظل يعمل في صناعة المعادن إلى أن بلغ الأربعين من عمره فأتقن العربية والمنطق وتعرف على اللغتين التركية والفارسية.وعندما ننظر-مثلاً- إلى مَن لُقِّب بـ(الوَرَّاق) أي الذي يعمل بمِهْنة الوِراقة(أي الطباعة) نجد أسماء الوَرَّاق الدولابي(ت130ه)، والوَرَّاق المؤرخ(ت362هـ)، والوَرَّاق النحوي(ت381هـ)، والوَرَّاق الكرماني(ت329ه) والوَرَّاق السراج(ت695هـ)،... وغيرهم من الأعلام العلمية المكافحة الكثيرة في تاريخنا العربي.
ومن هؤلاء العلماء الأفذاذ في تاريخنا المصري الشيخ خالد الأزهري(838-905هـ) ذلكم العلم الصعيدي السوهاجي الجِرْجاوي الذي تُعَدُّ حياته درسًا في العمل والإنتاج وإثبات الذات، ومن ثم حرص كتاب السِّيَر والتراجم في عصره وبعد عصره على كتابة سيرته أمثال السخاوي(ت902هـ) في كتابه (الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع)،ونجم الدين الغَزِّي(ت1061هـ) في كتابه (الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة)، والأستاذ علي مبارك(ت1893م) في كتابه(الخطط التوفيقية)، وترجم له المستشرق الألماني بروكلمان في دائرة المعارف الإسلامية، ومن كتاب السير والتراجم المحدثينالأساتذة: يوسف سيركس في موسوعته معجم المطبوعات العربية، وخير الدين الزركلي في موسوعته (الأعلام)، وعمر رضا كحالة في موسوعته (معجم المؤلفين)، بل إن الباحثأحمد سعد كتب مقالاً بعنوان(خالد المصري الأزهري قصة خادم قناديل الجامع الذي أصبح سيبويه عصره)، كما أُلِّفتْ في دراسة تراثه رسائل علمية جامعية!وإن مطالعة ترجمته في كتب التراجم المختلفة لتطلعنا على ذلك. وهاك بيانًا بها:
نشأته:
ـــــــــ
إنه أبو الوليد زين الدين خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن أحمد الجرجاوي الأزهري، الذي عاش سبعًا وستين سنة، خلال القرن التاسع الهجري، في الفترة (838ه=1434م- 905هـ=1499م)، وقد وُلِد في بيئة صعيدية مكافحة، بمدينة جرجا، التابعة لمحافظة سوهاج، ومن ثم لُقِّب بـ(الجِرْجَاوي)، وذُكِر في كتاب الضوء اللامع أنه يُلَقَّب "الجِرْجِيِّ؛ نسبة إلى جِرْجةَ"! ثم انتقل الشيخ خالد بصحبة والده إلى القاهرة، وهو لا يزال طفلاً.
حرفته:
ــــــــــــــ
يُعرَف الشيخ خالد الجِرْجاويبـ(الوَقَّاد)، حيث عمل في الجامع الأزهر وقَّادًا، أي خادم قناديل الجامع الأزهر- أو بتعبير عصري- العامل المسؤول عن إنارة الجامع الأزهر؛ففي سيرة هذا العالم ما يدل على أنه ابتُلي بحادث حياتيّ فارق، تمثَّل في تعرُّضه لتَنَمُّر من طالب، غيَّر مجرى حياته، وجعله يتخذ قرارًا ذاتيًّا بتطوير نفسه وترقيتها عقليًّا واجتماعيًّا عن طريق العلم، حيث بدأ الشيخ خالد دراسته بعد أن أسقط فتيلةً من النار على كراسة أحد طلاب الأزهر، وقيل: أسقط بعض الزيت، وأظنه زيت القنديل! فقام الطالب بتعنيفه تعنيفًا شديدًا، حيث شتمه الطالب وعيَّره بالجهل، فتأثَّر الجرجاوي من ذلك تأثرًا نفسيًّا شديدًا،فقرَّر أن يترك الوِقَادة، وذهب إلى مدير الجامع الأزهر وقَيِّمِهِ آنذاك، وطلب منه أن ينتقل من قائمة (العُمَّال) بالجامع إلى قائمة (الطلاب)، فأخبره المدير أن هذا سينقص من راتبه،(من ثمانية دراهم إلى أربعة فقط)! فوافق (الجرجاوي)وأصرَّ على طلبه، فانتقل فعلاً إلى قائمة (طلاب الجامع الأزهر)، وأخذ يشتغلَ بطلب العلم بعد أن بلغ من العمر ستًّا وثلاثين سنة؛ حبًّا في العلم، ورغبةً في إثبات ذاته وتطوير حياته:
وما استعصى على شخصٍ منالٌ إذا الإقدامُ كان له ركابا
تعلُّمُه:
ــــــــــــ
وفي القاهرة حفظ العامل (خالد الجرجاوي) القرآنالكريم، ثم التحق بالأزهر الشريف، حيث تلقى العلوم العربية الأصيلة، وهو في سن الكهولة، في عمر السادسة والثلاثين من عمره، فأخذ علوم البيان والبديع والنحو والعربية والمنطق عن المؤرخ شمس الدين السخاوي)ت902هـ)، وأخذ النحو والصرف عن اللغوي النحوي أبي العباس الشُّمُنِّي(ت872هـ)، ومن شيوخه السيد علي تلميذ ابن المجدي(ت850هـ)، الذي تلقى منه علم الفرائض والحساب والفلك،والشيخ علي بن عبد الله السنهوري(ت889هـ)، الذي تلقى عنه اللغة والقراءات والأصول،... وغيرهم من شيوخ عصره الذين أسهموا في تعليمه وتأهيله ليكون أحدالمتخصصينالأفذاذ في علوم المنطق والبلاغة والنحو بالجامع الأزهر، غير أنَّه اهتمَّ بعلم النحو أكثر من غيره!
عمله:
ــــــــــ
وهكذا مَرت حياة المصري(خالد الجِرجاوي) ففي بدء حياته تكسَّب من حِرفةَ(الوِقَادة)، ثم تركهاوأكبَّ على طلب العلم، وتسلَّح بعلوم العربيةوتبحَّر فيها، حتىأُهِّل ليدرِّس،فعَمِلَ في مجال التعليم والتدريس، حيث تولى منصب (شيخ الشيوخ) بخانقاه سعيد السعداء(وهي مكان صوفي يجمع بين المسجد والمدرسة خاص بالصوفية)، ثم تصدَّر للإقراء بالجامع الأزهر الشريف بالقاهرة، حتى انتفع به خَلْقٌ كثير!فبرع وأشغل الناس،وأخذفي تدريس الطلاب اللغة العربية وفنونها الأساسية في هذا المكان المصري المبارك.
مكانته:
ــــــــــــــــــ
ذاع صيت الشيخ خالد الجرجاوي بعد ذلك وأصبح من أهمِّ علماء عصره، وألَّف عددًا من الكتب في النحو، وتميَّزت مؤلفاته النحوية بالعناية الفائقة بالخلاف النحوي، وكان يكثر من ترديد آراء ابن هشام الأنصاريالمصري(708-761هـ)، وهذا لم يمنعه من تخطئته في كثير من الأحيان! ويلاحظ على مؤلفاته أنَّها لم تتضمن آراء جديدة؛ فهو قلَّما يجتهد من عنده!وليس هذا عيبًا قادحًا فيه! فهذه كانت طبيعة عصره المملوكي، عصر التجميع والشروح، وكانت طبيعة الدراسات النحوية والصرفية القائمة على عرض قواعد العلم بطريقة منظمة وإحصائية في المقام الأول؛ فجهد(الشيخ خالد الأزهري) الأعظم كان ينصبُّ في تنظيم المسائل الخلافية في النحو وعرضها بصورة متقنة مع ذكر الحجج والعلل،وآراء المتخالفين، ونسبة إلى رأي إلى صاحبه وتوثيقه بمنهج قائم على الوضوح والدقة لم يسبقه أحد إلى مثله! فلُقِّبَ -أو صار كأنه- سيبويه عصره. ويَعُدُّه مؤرِّخو النحو العربي من نحاة المدرسة المصرية الشامية، وكانت مدرسة واحدة في هذا الزمان!
آثاره العلمية:
ـــــــــــــــــــــــ
• كثرت تآليف الشيخ وتنوعت، ويمكننا أن نجملها في تآليف دائرة في تخصصه الدقيق (وهو علم النحو)، حيث نجد له كتاب"التصريح بمضمون التوضيح"، وكتاب "تمرين الطلاب في صناعة الإعراب"، وقد فرغ من تأليفه سنة 886، ويُسَمَّى "التركيب"، وكتاب (الألغاز النحوية)، الذي فرغ من تأليفه يوم عرفة سنة 896ه، وكتاب "القول السامي على كلام عبد الرحمن الجامي"، وهو رسالة نحوية وتعليق على كتاب "الفوائد الضيائية" لعبد الرحمن الجامي ت898هـ، الذي يشرح فيه كافية ابن الحاجب(570-646هـ)، والذي انتشر انتشارًا كثيرًا بين علماء عصره.وللشيخ الجرجاوي أيضًا كتاب "إعراب ألفية ابن مالك"، وكتاب "شرح الآجرومية"، وكتاب "إعراب الآجرومية"، و"المقدمة الأزهرية في علم العربية"، وهو متن في النحو، جمع فيه أبواب النحو بطريقة مبسطة، وهو متن للمبتدئين، سهل العبارة. وصنع لهذا المتن "شرح المقدمة الأزهرية في علم العربية"، وكتاب "موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب"، وهو يشرح كتاب" الإعراب عن قواعد الإعراب"لابن هشام الأنصاري(708-761هـ)، شرحًا وافيًا، معتمدًا في استقصاء الشرح على كثير من آراء علماء النحو واللغة التي وردت في مؤلفاتهم وتصانيفهم.وفي آثار الشيخ خالد الجرجاوي ما يدل على (نزعة أدبية نقدية)، تمثلتفي كتابه"الزبدة في شرح البردة"، وهو شرح لبردة البوصيري(608-696هـ)، وله اختصار لهذا الكتاب بعنوان "مختصر الزبدة في شرح البردة"، وفي مجال (علوم القرآن الكريم) نجد له كتاب"تفسير آية: لا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ"، وكتاب "الحواشي الأزهرية في حل ألفاظ المقدمة الجزرية" في التجويد، فرغ من تأليفها سنة 867هـ.

وفاته:
ـــــــــــ
تُوفِّي الشيخ خالد الأزهري أثناء عودته من رحلة الحج في اليوم الرابع عشر من شهر محرم سنة 905هـ، وعمره آنذاك سبعة وستون عامًا، عاشها إنسانًا مصريًّا أزهريًّا صعيديًّا، مصلحًا معمِّرًا منتجًا، أعوام طيبة بدأها بإنارة المكان(الجامع الأزهر) وهو شاب في مقتبل عمره، ثم انتقل-في مرحلة الكهولة ثم الشيخوخة إلى تطوير ذاته معرفيًّا، ليؤدي مهمة سامية، هي إنارة الإنسان (طلاب العلم بالأزهر الشريف) في علوم اللسان العربي من نحو وصرف وبلاغة وبيان!
وينبغي أن يعلم شباب اليوم بمصرنا أن الكفاح في الحياة والحرص على إتقان حرفة أو حرف ليس خاصًّا بالعلماء والأدباء القدامى كالشيخ خالد الجرجاوي وَقَّاد الأزهر الشريف،بل يوجد بيننا في زماننا هذاشباب علماء مكافحون في الحياة، بدأوا حياتهم يتقلبون في حِرف وأعمال يَدَوِيَّة وبَدَنية مختلفة، وشاقَّة! من هؤلاء شاب يُعدُّ من جِينِ الشيخ خالد الأزهري، وأراه امتدادًا له، ومن نفس إقليمه جرجا، تلك البقعة المصرية الصعيدية التي كانت تطلق قديمًا –أيام الشيخ خالد-على ما يُوازي محافظة سوهاج كاملةً أو يزيد! إنه ذلكم الشاب المصري الصعيدي -الإخميمي الجِرْجاوي، حسب التعبير الجغرافي القديم- السوهاجي،الباحث اللغوي الأكاديمي الآن-الدكتور(مأمون علي خلف الله حسن) البالغ عمره خمسة وأربعين عامًا،كلُّها كفاح وجهاد، حيثوُلِد في نجع كمال الدين، من قرية الكُولَة،التابعة لمركز إِخْمِيم، بمحافظة سُوهاج، فبدأ في هذا النجع يمارس الفِلاحة مع والده كعادة أهل الريف، واستمرّ يمارسها بين الحين والآخر حتى قُبيل حصوله على الدكتوراة، ثم انتقل إلى العمل في قرى كثيرة بمركز إخميم،حيث عملمدة عامين عاملاً في أحد مشاريع الدولة المصرية لتربية الدواجن، وبعد ذلك سافرإلى القاهرة فعمل في مدينة الشروق -فترةَ إنشائِها- ضمن عمّال شركة لإزالة مُخَلَّفات البناء من المباني المُحدَّد بيعُها، ثم عمل عاملاً في مجال نِجارة التسليح ومعها العمل في حِدادة التسليح، ثم عملبسوهاج في مشاريع الدولة لتوصيل المياه للقرى؛ فقد كانيقوم بالحفر في الشوارع لتوصيل مواسير المياه رفقة آخرين، ثم سافرإلى دولة ليبيا وتنقَّل هناك بين العمل في مجالات البناء المتعددة: عامل بِناء، عامل خَرَسانة، عامل نِجارة، عامل حِدادة، عامل حفر قواعد بِناء، عامل تحميل مواد البناء- الطوب، الرمل، والزلط... إلخ- كما عمل مساعد كهربائي، ثم عمل بائعًا في أحد محلات العاصمة الليبيّة- طرابلس-، ثم عمل في قرية سياحية بوصفه مساعدًا لكهربائي... وكان ذاك السفر يتكرر أثناء فترات العطلة الدراسية للجامعة...
ولم يستمر الشاب المصري الصعيدي(مأمون) على حالته العُمَّالية هذه،بل إنه قد حدث له تَنَمُّر-كالذي حدث للشيخ خالد الجرجاوي!-من قِبَل أحد الطلاب، وعيَّره بالجهل وعجزه عن الالتحاق بالثانوية العامة، وأنه من أبناء الدباليم!حيث كان من طلاب دبلوم التجارة سنة1996م! فأخذ بأسباب التطوير الذاتي؛ فقد قرر تطوير نفسه في التعليم،والوصول إلى تعليم أعلى منهذا التعليم المتوسط!فعمل علىالالتحاقبالثانوية العامة بنظام المنازل، وما زال يجاهد فيهاسنواتٍ عديدة، حتى حصل عليها بمجموع عالٍ، يَزيد على سبعين في المائة؛ ليُؤَهِّله إلى الالتحاقبالتعليم الجامعي منتظمًا في كليةدار العلوم بجامعة المنيا، حتى حصل فيها على الليسانس في اللغة العربية والدراسات الإسلامية سنة 2009م، ثم واصل تطوير نفسهإلى الدرجات العلمية الأعلى؛ فحرص على الالتحاق بالدراسات العليا في كلية دار العلوم بجامعة المنيا، فحصل على دبلوم الدراسات العليافي تخصص البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن، سنة 2010م، ثم أعد موضوعًا لنيل درجة الماجستير، بعنوان: (التأويل البلاغي للحياة الأولى والموتة الثانية في القرآن الكريم) ليحصل على درجة الماجستير سنة2016م، ثم أعد موضوعه (الأفعال الكلامية في السرد القرآني لأنباء الأمم السابقة: دراسة تداولية)؛ليحصل على درجة الدكتوراة من كلية دار العلوم بجامعة المنيا سنة2022م)...
ثم كان استقرار ذلكم الشاب بوطنه مصر والعمل في مجال التعليم الخاص حتى اللحظة الآنية، ومن ثم استحق بجدارة أن يعمل مدرسًا ثم مشرفًا ثم مُوجِّهًا للُّغة العربية والتربية الإسلامية، مدة عشر سنوات(2011-2020م) بأحد المدارس الدولية للُّغات، كما عمل أستاذًا جامعيًّافي مركز علميمرموق خاص بالقاهرة لتعليم العربية للناطقين بغيرها، وهو نائب تحرير لمجلة دولية علمية مُحَكَّمة بإحدى الدول الآسيوية، وهو عضو ومُحكَّم بمجلتين تابعتين لجامعة محمد خيضر بسكرة، وجامعة وهران بدولة الجزائر،وهو الآن يؤدي دوره العلمي والثقافي مُشَرِّفًا مصرنا: يُفيد ويُنير، يتطور ويُطوِّر، وينشر الوعي المصري الوسطي المستنير، وله أبحاث علمية بعد شهادة الدكتوراة، منشورة في مجلات علمية دولية مُحَكَّمة...
فما أجملها من كفاحات لهؤلاء الأفذاذ! وما أجمله من تطوير للنفس والحياة والأحياء!...وإن هذه السِّيَر الطيبة لعلمائنا لتذكرُنا بقول أمير الشعراء، رضي الله عنه:
سعيُ الفتَى في عيشِه عبادهْ وقائدٌ يهديهِ للسعادةْ
لأنَّ بالسعي يقومُ الكونُ واللهُ للساعينَ نعمَ العونُ



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن