تاريخ فرنسا 09 – لويس التاسع، أسير المنصورة

محمد زكريا توفيق
zakariael@att.net

2023 / 1 / 8

الفصل السادس عشر
لويس التاسع، 1226

لويس الثامن، المكنى بالأسد، حكم فترة قصيرة جدا. لكن كانت معظم أفعاله، في وقت والده، فيليب الثاني، وسياسته الماكرة مع ملوك إنجلترا.

الملك الصغير، لويس التاسع، الذي جاء إلى العرش عام 1226، عندما كان عمره أحد عشر عاما فقط، كان سعيدا بوجود أم جيدة وحكيمة، وهي الملكة بلانش من قشتالة، التي ربته بعناية، وحكمت مملكته نيابة عنه بشكل جيد وبحكمة.

كانت في بعض الأحيان غيورة وصارمة بعض الشيء، وعندما كبر، كانت تغار من اهتمامه بأي شخص آخر غيرها، شأن معظم الأمهات.

عندما تزوج مارغريت، من مقاطعة بروفانس، لم تحب أن يكون ابنها الشاب مع زوجته كثيرا، خوفا من أن يؤثر هذا على اهتمامه بأمور الدولة الأكثر خطورة.

لكنها في العموم، كانت أما وملكة ممتازة. وكان هناك عدد قليل جدا من الملوك في أي بلد، يشبهون لويس في الصلاح والعدل والقداسة.

لم يقم أبدا، على ما يبدو، في كل حياته، بفعل أي شيء يدعو للخجل. كان جل اهتمامه بالأمور الدينية. في بعض الأحيان، الملوك على هذه الشاكلة، ينسون واجباتهم قبل الناس، مما يجعلهم حكاما غير جديرين.

لكن، كان لويس يعتقد أنه لا يقوم بواجبه بشكل صحيح تجاه الرب، إن لم يأخذ في اعتباره مصلحة شعبه. لذلك أظهر نفسه كملك حكيم، قبل أن يكون محارب جيد. لقد كان أقوى بكثير وأذكى من الأحمق هنري الثالث، ملك إنجلترا.

اعتقد بارونات لويس أن في إمكانه أخذ مقاطعة جوين من إنجلترا، لكنه قال إنه لا يحب الظلم والخروج على القانون.

كان هنري قد تزوج من أخت ملكة فرنسا، وصارت صلة قرابة بين الأطفال، لذلك لن يفعل ما من شأنه أن يؤدي إلى حروب بينهم.

لكن، عندما طلب هنري استرداد نورماندي وأنجو، بحث الأمر جيدا، وقرر رفض طلبه. وأصر على الاحتفاظ المقاطعتين كعقاب، لأن الملك جون، والده، متهم بقتل آرثر، دوق بريتاني، وهي مقاطعة فرنسية.

كان لويس لا يزال شابا، عندما مرض وأشرف على الموت. فنذر أنه لو تعافى، سوف يذهب للحج في الأراضي المقدسة، والجهاد من أجل تحرير قبر المسيح من المسلمين.

بمجرد أن تماثل للشفاء، بادر باستدعاء جيشه، واستعد للقيام بحملة صليبية جديدة، وفاء للنذر. أخذ معه زوجته وإخوته، وترك الحكم لوالدته، مما أحزن شعبه، لأنه كان حاكما عادلا.

بما أن المسلمين الذين يسيطرون على الأراضي المقدسة، يتمركزون في مصر، لذلك كان الاعتقاد بأن أفضل طريقة لهزيمتهم، هي مهاجمتهم في عقر دارهم، مصر.

أبحر لويس ونزل في مصر. ثم حاصر وأخذ مدينة دمياط. ترك زوجته، الملكة مارجريت، هناك، وسار مع جيشه بجوار شط النيل، على أمل ملاقاة الجيش المصري وفرسانه من المماليك.

لكن الوقت كان زمن فيضان النيل، والأراضي كلها مستنقعات وبرك وطين. العربات والفرسان بخيولهم بالكاد يستطيعون التحرك.

كما أن الوباء قد انتشر بين صفوف جيشه. الملك نفسه، قد أصيب بشدة. لكنه ورجاله كان عليهم أن يستعدوا للمعركة الوشيكة في مدينة المنصورة.

كان لدى الملك الصالح الأيوبي، حاكم مصر، بعض الوقت، لتجميع قواته وحشدها في المنصورة عام 1249. في نفس الوقت، الذي كان فيه جيش لويس التاسع في مدينة دمياط، كما أسلفنا.

عندما كان الملك الصالح أيوب في سوريا، أصيب بمرض السل. الآن، اشتد به المرض وبلغ مرحلة متقدمة. لكنه بالرغم من ذلك، أظهر شجاعة وطاقة لا تكل. بعد ذلك، رقد في فراشه يحتضر.

جيشه الضخم، المكون معظمه من المماليك، كان يتجمع بالمنصورة. هناك، نصبت خيمة، وضع فيها السلطان المحتضر.

زوجته الوفية "شجر الدر"، كانت تقوم بتمريضه وهو في النزع الأخير. في يوم 23 نوفمبر 1249، توفى الملك الصالح أيوب. بعد ذلك بيومين، زحف الصليبيون من دمياط لمواجهة جيش الملك الصالح المتوفي.

كان للملك الصالح ابنا، هو توران شاه. كان بعيدا في حصن كيفا (مدينة في تركيا الآن). لا يستطيع الحضور قبل شهرين أو ثلاثة.

بذلك، تركت "شجر الدر" وحيدة مع جثة زوجها، في وضع لا تحسد عليه، والصليبيون على الأبواب ينتظرون ساعة الهجوم.

قامت هذه المرأة الأسطورة، والتي لم تأخذ حقها في التاريخ، بإخفاء خبر موت السلطان. وبادرت بإعطاء الأوامر باسمه. كان يأتي القواد إلى خيمتها، فتعطيهم أوامر السلطان مكتوبة ومختومة باسمه، وهو متوفي. وكان توقيعه يتم تقليده بأحد العبيد بالخيمة.

في ديسمبر 1249م، وقف لويس التاسع بجيشه على الضفة الغربية لأحد فروع النيل (البحر الصغير)، في المنصورة، في مواجهة الجيش المصري، بقيادة قطز وبيبرس، على الضفة الشرقية.

في ليلة 7 فبراير، بدأ جيش لويس التاسع يعبر القناة. المياه كانت عميقة والأرض كانت طينية زلقة موحلة. على حين غفلة، عبر جزء من الجيش الصليبي وسارع في مهاجمة المصريين. الذين أخذوا على غرة.

إلا أن الجيش المصري وفرسان المماليك البحرية، قام بالهجوم المضاد، وأباد القوة الفرنسية المهاجمة. عندما نجح باقي الجيش الفرنسي في العبور، وجد كامل الجيش المصري في انتظارهم.

في 11 فبراير، قامت معركة بين الجيشين دون أن ينتصر أيا منهما. في نفس الوقت، قطع المصريون خطوط الاتصال والإمداد بين الجيش الفرنسي وسفنه الراسية في ميناء دمياط. فأصابهم الجوع، وانتشر بينهم مرض الدوسنطاريا.

بدا لويس التاسع الانسحاب مع جيشه في الخامس من شهر أبريل، لكن في اليوم التالي، هجم عليهم المصريين، فهزموا هزيمة منكرة.

كان الملك ضعيفا للغاية. بالكاد يستطيع الجلوس على حصانه، حاول لم شمل رجاله، لكن بدون جدوى. كان كل شيء عبثيا. لكن فرسان المماليك كانت في كل مكان.

كان لويس التاسع مريضا واهنا لدرجة أن جنوده أنزلوه من حصانه، ووضعوا رأسه في حضن امرأة، وهم يتوقعون موته في أية لحظة. ثم لم يجد الصليبيون بدا من التسليم، ووقع الملك أسيرا.

كان المماليك يرغبون في إعدام الأسرى الفرنسيين، كعادة الجيوش في تلك العصور. لكن، بعد مفاوضات مكثفة، ولأن شخصية لويس كانت تدعو للإعجاب، قبل المماليك إطلاق سراح الملك والأسرى الفرنسيين، نظير دية ضخمة تقدر بمليون دينار ذهب. وفي 7 مايو 1250، أبحر لويس التاسع ومن بقي من جيشه، من ميناء دمياط إلى عكا.

بعد أن أوفى لويس بنذره، وزار الأماكن المقدسة، عاد إلى فرنسا. لم يجد والدته في انتظاره، لأنها كانت قد توفيت أثناء غيابه.

تبع ذلك أربعة عشر سنة سعيدة من حكم لويس. كان أكثر الملوك حكمة وشجاعة في مملكته. اتسم حكمه بالعدالة والاستقامة.

كانت هناك شجرة بلوط كبيرة بالقرب من قصره في فينسين، أحد أحياء باريس. اعتاد الجلوس تحتها، لكي يستمع لشكاوى الفقراء قبل الأغنياء، والحكم بالعدل للجميع.

كان لديه حس واضح وحكم جيد. جعله يرى الأشياء على حقيقتها، ويدرك ما يجب القيام به. كان البابا في شجار كبير مع الإمبراطور فريدريك، وحاول أن يجعل لويس يأخذ أراض تابعة للإمبراطور، كما فعل مع والده ضد جون ملك إنجلترا.

لكن، رأي لويس أنه، حتى مع مباركة البابا، ليس بالفعل الصحيح، ورفض العرض. وكان هو وهنري الثالث، ملك إنجلترا وزوج أخته، صديقين مخلصين. وكانت إليانور، زوجة إدوارد، وريث إنجلترا، تعيش مع عمته، ملكة فرنسا مارجريت.

وقد كان لويس التاسع، ملك فرنسا، وهنري الثالث، ملك إنجلترا، وشقيقيهما، تشارلز، كونت أنجو، وريتشارد، إيرل كورنوال، قد تزوجوا من أربع بنات، لكونت مقاطعة بروفانس.

وكان إيرل كورنوال، قد تم اختياره لكي يكون ملك الرومان. وبذلك، أصبحت ثلاث أخوات ملكات. الأخت الرابعة، بياتريس، بقي لها مقاطعة بروفانس.

قيل إنها كانت غير سعيدة، لأن أخواتها جلسن على عروش ملكية، بينما تجلس هي على كرسي عادي. لكن قبل مرور فترة طويلة، عرض البابا مملكة الصقليتين على زوجها تشارلز، كونت أنجو.

كانت هذه البلاد، حقا، تخص حفيد الإمبراطور فريدريك، وتمنى لويس ألا يقبل أخوه هذا العرض. لكن تشارلز كان رجلا طموحا، بالرغم من أنه كان يتظاهر بالتدين والزهد في الدنيا، حتى يبدو مثل لويس.

مع جيش من بروفنسال، ذهب تشارلز لكي يستولي على المملكة التي نسميها الآن نابولي وصقلية. فانطلق الوريث الشاب كونرادين لكي يستعيد ميراثه. لكن تشارلز تحداه في المعركة، وقام بأسره وإعدامه.

كان لويس دائم التفكير في القيام بحملة صليبية أخرى، ووعد تشارلز بالانضمام إليه، وكذلك إدوارد من إنجلترا. كل شمال إفريقيا، كان تحت سيطرة المغاربة المسلمين.

لكن لويس كان لديه أخبار، جعلته يعتقد أن باي تونس، يمكن أن يعتنق المسيحية. وأراد أخوه تشارلز أن يريهم حجم الجيش الصليبي لكي يرعبهم ويجعلهم يستسلمون.

لذلك هبط لويس، مع جيشه، في خليج تونس، ونصب خيامه في سهول قرطاجة القديمة، وانتظر الملك شارل وإدوارد من إنجلترا.

لكن المغاربة، لم يقبلوا بوجود أجانب على أراضيهم. كان الجو حارا جدا وغير صحي، فاندلع وباء قاتل. تنقل لويس بين الخيام، لكي يتقصى حال المرضى ويباركهم. لكن سرعان ما أصابته العدوى ومرض هو نفسه.

رقد في الفراش، وأخذ يردد مزامير داود، وهو يملي رسالة لابنته يقول فيها وصيته. لكن حالته كانت تزداد سوءا. أخيرا، مع الكلمات، "يا أورشليم، يا أورشليم! " على لسانه، توفي في عام 1270.

وصل تشارلز من صقلية، وإدوارد من إنجلترا، بعد ثلاثة أيام. وبمجرد أن تمكنا من لم شمل الجيش البائس المريض والحزين، أبحروا جميعا إلى صقلية، وأخذوا معهم الملك الشاب فيليب، الذي كان مريضا جدا، وغير قادر على الاستمرار في الحرب الصليبية. فاضطر إدوارد للذهاب وحده.

أما لويس التاسع وابنه الأصغر، الذي توفي قبل يوم أو يومين، فقد دفنا معا في سانت دينيس، وهو منذ ذلك الحين، بات يحمل لقب القديس.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن