القداسة والشخصنة وأوهام الربوبية دون الله في الديانات الإبراهيمية

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2022 / 12 / 28

مع أن الأديان الإبراهيمية التي يؤمن غالبية معتنقيها أنها منزلة من الله الواحد، وأن هذا الرب الواحد قد وضع وشرح للإنسان قيمة الدين كونه رافع أجتماعي وفكري وحضاري أراد أن يرفع الإنسان من درجة الجهل والأمية الإيمانية إلى درجة العلم واليقين بقوانين كلية تتعلق بأن الوجود حركة عقلية منطقية لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بقوانين وعلل وشرائع شمولية منضبطة وموحدة، الهدف منها في النهاية تحقيق مشروع الله في الأرض وهو الإعمار والإصلاح والتطور والحفاظ على الوجود لكونه البيئة الحقيقية للإنسان كي يرتقي، ومع ذلك ومع الإيمان البشري بالأديان الذي يتدرج من العمق والتأصل والتشدد والتزمت إلى مرحلة اللا أبالية وعدم الأهتمام وأحيانا الإنكار بما سمي كفرا وجحودا، لكن بقى دور الإنسان دورا أساسيا في صلاح وخراب هذه الأديان وتحريقها وجرها في كثير من الأحيان لفهمه الخاص وليس لما يريد الله أن يكون، ومن ضمن المحاور الكثيرة التي تدخل بها الإنسان لأسباب عدة هو موضوع التقديس للرموز وشخصنة أفراد وأفكار داخل منظومة الدين، بما يعرف التطرف في التعظيم أما أستحبابا أو كرها لها.
يثار في هذه الأيام وخاصة عند بعض الطوائف الدينية والتي تعاني من إشكالات الإقصاء والمظلومية نوعا من الإنحياز لعناصر دينية محترمة عانت في سبيل الدين ونشره ما عانت كجزء من وظيفتها الرسالية، وأتخاذ هذه المعاناة كرمز لها وبالتالي تعظيم الرمز هو في الحقيقية تعظيم وتضخيم لمظلوميتها الخاصة، بأعتيار أن هذه المعاناة الطائفية ترتبط مع معاناة الرمز من خلال ربط موضوعي بينهما، وتم بناء جسور ترجع أصل معاناتهم لكونهم بنتمون إلى ذات الرمز ويتخذوا هذا الأنتماء أساسا للعلاقة الدينية والإيمانية بأستبدال جزء كبير قواعد الدين والرسالة بما يعرف بالولاء والتقديس للرموز، وكأنها عملية تحول من دين كلي إلى دين فرعي داخل إطار الدين ذاته، هذه الحالة بدأت عند اليهود وتحديدا عند بني إسرائيل الذين يؤمنون أنهم من سلالة سارة زوج إبراهيم ع، وأن قيمة إيمانهم ومكانتهم الدينية لم تأت من خلال أبوهم إبراهيم النبي والرسول عند الله، وإنما من خلال السيدة سارة الزوجة التي منحتهم عرق النقاء والتفضيل والمنزلة الرفيعة، في حين أن سارة وكنا يقولون هم واحدة من عدة زوجات لإبراهيم ولم تذكر في كتبهم بأنها كما يوصفون، بل كانت امرأة أمنت بإبراهيم وأتبعته وعبدت الله من حلال إيمانها برسالة ونبوة إبراهيم، وبالرغم من موقف بني إسرائيل وتفريقا عن بني يعقوب الذين جعل الله فيهم الرسالة والنبوة ولم يشطحوا بإيمانهم وحافظوا على الدين من تحريفات بني إسرائيل، قد لا قوا من المظلومية والقتل والتكذيب من أبناء عمومتهم من بني إسرائيل الكثير ومع ذلك لم يتخذوا من السيدة سارة ولا حتى من إبراهيم أبيهم رمزا، وأصروا على أن يعبدوا ما عبد أبائهم إبراهيم وأسحق وبعقوب.
تماما ما حدث في بني إسرائيل في زمن أنبيائهم وأنتظارهم للماسيح المخلص الموعود حدث ذات الأمر وتكرر المشهد والفكرة، وتحول المسيح بحد ذاته إلى أقنوم من ثلاثة من ثلاثة أقانيم أحدهم الله رب العالمين، وصارت السيدة مريم مع كل ما أحيط بها وبأبنها من أفكار تصل في كثير من الأحيان الى الإساءة والتهوين والأبتذال إلى رمز يمثل دين داخل الدين، وأصبح الإيمان بالمسيح وأمه مفتاحا أوليا للإيمان بالله بل أستبدل البعض الإيمان بالمسيح وأمه بدل الإيمان كله، وأستبدل كلمة الإيمان بالله وما شرع على لسان الأنبياء والرسل هو جوهر الإيمان والعبارة المشهورة عندهم (من مات وأمن بي فقد مات مسيحيا)، مع أن المسيح لم يدع هذه الدرجة ولا تلامذته ولا المخلصين من أتباعه، وكان يرى في نفسه رسولا من عند الله مصدقا لما معه ومبشرا بنبي من بعده، هذ التكرار في المشهد التقديسي مرتبط أساسا بثلاثة قضايا سنوردها لاحقا بعد أن نتكلم عن حال الدين الثالث.
في الدين المحمدي الإسلامي كانت عملية التقديس والتعظيم والرموزية المشخصنة واضحة وصريحة ولا تختلف عما جرة في اليهودية الإسرائيلية والنصرانية الإسرائلية من شكلية وتكييف، مع أن الرسول محمدو بموجب النصوص القرآنية قد أخبرهم بثلاثة أمور، الأولى لا معصومية لأحد عند الله والمعصوم فقط هو إتباع الحق فقط، فقد جاء بالنص القرآني (قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) الأنعام (50)، فالرسول كما جاء بنص أخر بشر مثلنا لا يعلم ولا يعرف ما هو إليه صائر إلا الظن برحمة الله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، فالنبي وهو الأقرب لله من سائر البشر وحسب النص الديني والفكرة الإيمانية لا يجزم بشيء حتى يأت خبر به من الله أو أنتظار أمره (فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)، وعلى غير الهدى هذا أنقسم المسلمون طرائق قددا في التعظيم والتقديس والشخصنة.
بدأ من الذين جعلوا غاية الدين محمد وأل محمد وأصحاب محمد وهم نسوا أن الدين ليس محمد ولا أحد غير الله والحق المبين (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ ۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْـًٔا ۗ وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ)، فذهب محمدا إلى ربه ناجحا فائزا مرحوما ولم يذهب دين الله، نعم المحبة والمودة مأمورا بها ومطلوبة نصا، ولكن على مستوى عام مثله مثل كل الرسل لا نفرق بين أحدا منهم إلا بما رتب الله لهم من منزلة خاصة، فتعظيم محمد أو أل محمد أو الصحابة أو غيرهم هو ذات الألية التي أحدثت دبن داخل الدين، وكما قالت اليهودية الإسرائيلية أن الدين بالسيدة سارة والمنزلة الشريفة، قال بعض المسلمين من الطوائف التي تعرضت للأذى والمظلومية مثل ما قالوا/ أن فاطمة بنت محمد هي السر المستودع في الدين وما خلق الوجود ولا صار إلا لأجلها وأوردوا الأحاديث والروايات والقصص ما لم ينزل به من سلطان، ضاربين دين محمد ومحمد الذي تستسقي فاطو الشرف منه عرض الحائط وكأن الله أختصر الإيمان والتدين بحل فاطمة وهذا دين غير دين الله الذي يقول (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
وهكذا عمل قسم أخر من المسلمين حين جعلوا تكريم وتعظيم وتقديس الصاحبة وزوجات النبي كمقابل نوعي لأهل البيت والزهراء من باب المواجهة بالمثل، بابا لأبتكار دين داخل الدين، وزعم البعض منهم أن عدم تعظيم وتقديس هؤلاء يخرج الإنسان من الملة ويعدا كافرا مستباح الدم والمال والعرض، وفي جميع الحالات والصر التي قعلها المؤمنون بدين الله بالشكل الذي أوردناه هم من خرجوا من دين الله الذي قوم على مرتكز أساسي وهو كما جاء في النص السابق وتكرر في عشرات النصوص وهو ما سار عليه أل إبراهيم وأل يعقوب وأل عمرا وأل محمد والخيرون ممن تبعه بإحسان إلى يوم الدين (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ)، فلا قداسة ولا تعظيم ولا شخصنة لأحد في دين الله، ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الأخرة من الخاسرين الظالمين الضالين.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن