منقسمون في وجه الهزيمة: الانشقاق في النخبة الروسية

إدريس ولد القابلة
saharaokd@gmail.com

2022 / 12 / 19

تتجه روسيا نحو معركة أخيرة بين الراديكاليين ، الذين يعتبر التصعيد بالنسبة لهم نمط أو أسلوب حياة ، والواقعيين ، الذين يدركون أن الاستمرار في التصعيد قد يؤدي إلى انهيار البلاد.

كان هناك حديث إعلامي بالفعل عن انقسام محتمل داخل النخبة الروسية في الآونة الأخيرة ، بعد انسحاب روسيا السريع من منطقة "خاركيف" الأوكرانية. منذ ذلك الحين ، أُجبرت القوات الروسية أيضًا على الانسحاب من مدينة "خيرسون" الرئيسية ، وبدأ الانقسام المتوقع في الظهور. وينقسم أعضاء النخبة الروسية إلى "واقعيين نسبيين" يطالبون بوقف تكتيكي للقتال من أجل إعادة التفكير في أهداف روسيا ، من جهة ومن جهة أخرى، وأولئك الذين يدافعون عن التصعيد بلا رحمة وبأي ثمن.

لم يسبق أن دفعت قرارات بوتين الاستراتيجية - التي يُنظر إليها عمومًا على أنها ثمن الاستقرار - النخب الروسية إلى حافة الانقسام. لم تكن هناك أية مقاومة تذكر لصعود دور "سيلوفيكي" (1) ، والحرب الجورجية عام 2008 ، في حين أن ضم شبه جزيرة القرم وفصلها عن أوكرانيا في 2014 لقي ترحيبا إيجابيا من قبل الكثيرين.
________________________
(1) - ذوو الارتباط بإنفاذ القانون ووكالات الاستخبارات والقوات المسلحة وغيرها من الهياكل التي تفوض لها الدولة حقها في استخدام القوة. في روسيا الحالية يشمل هذا المصطلح ممثلي الجماعات السياسية ، ولكن أيضًا رجال الأعمال المرتبطين بهياكل السلطة حاليا أو في الماضي (الاتحاد السوفياتي). يسعى "سيلوفيكي" إلى أن يُنظر إليه في روسيا على أنه غير مأدلج ، ولكن مدفوعًا بمقاربة براغماتية تهدف إلى تعزيز "القانون والنظام" بالإضافة إلى المصالح الوطنية الروسية. يُنظر إلى "سيلوفيكي" عمومًا أنهم يأملون لإعادة ظهور دولة روسية قوية.
_______________________

منذ 2015 ، بدأت الحياة في روسيا تتحول بسرعة ، وبلغ التحول ذروته مع تغيير الدستور للسماح لبوتين بالبقاء في السلطة والقضاء التام على المعارضة المعادية لبوتين . تذمرت النخب الروسية ، لكنها استمرت وكأن شيئًا لم يحدث. حتى غزو أوكرانيا لم تشهد النخب أي انقسام ، رغم أنه كان بمثابة صدمة لأغلب عناصرها. عن طيب خاطر أو العكس ، كان عليهم قبول الحرب كأمر واقع. كل من كان يعارضها بشدة غادر البلاد ببساطة. وإذا لم يتمكنوا من المغادرة ، ظلوا صامتين.

إلى حدود انسحاب سبتمبر من منطقة "خاركيف" ، ظل منطق معظم أعضاء النخب الروسية - من "سيلوفيكي" إلى الشركات الكبرى - بسيطًا: "كان على روسيا أن تفوز بطريقة ما". لا يهم ما يعنيه ذلك من الناحية العملية ، لكن الهزيمة يمكن أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي ، لأن النخب - بالتأكيد - لا تريد ثورة. لذلك ، سيتعين على الكرملين تحقيق نوع من الغزو من شأنه أن يمكّن النظام من التهرب من الانهيار.

ولكن منذ سبتمبر بدأ كل شيء يتغير وبسرعة. لأول مرة خلال الثلاثة وعشرين عامًا التي ظل فيها بوتين في السلطة ، هناك أسباب للحديث عن انقسام تدريجي داخل النخب. يظل الأشخاص على جانبي هذا الانقسام مؤيدين لبوتين وجزءً من النظام ، لكن لديهم وجهات نظر مختلفة حول ما يجب أن تفعله روسيا بعد ذلك، وما ينبغي أن تكون أولوياتها. وبما أن الانقسام بين المطلعين على أمور الكرملين - داخل جهاز القمع نفسه ، المصمم لمحاربة المعارضة "غير النظامية" - فلا يمكن فعل الكثير حيال ذلك.

بوتين نفسه، يبدو أنه غائب عن هذا الجدل الناشئ. لا أحد ينظر إليه ، إلا لسبب آخر، غير أن موقفه غير واضح لأحد. فمهامه كقائد تتآكل، لأنه لا يزال يخوض هذه الحرب كـ "عملية خاصة" دون توضيح أهدافها.

إلى حدود سبتمبر ، بدا للنخبة أن بوتين يعرف ما يقوم به ويفعله. لكن بعد الانسحاب من "خاركيف" و"خيرسون" ، أصبح يُنظر إلى كل شيء على أنه انحدار سريع إلى الفوضى و ربما إلى انهيار البلاد. أولا وقبل كل شيء ، ما هو الهدف من إجراء استفتاءات حول ضم أربع مناطق جديدة في أوكرانيا ، فقط للتخلي عنها على الفور دون قتال؟ والأمر الأكثر إثارة للخوف من الحرب نفسها هو احتمال السقوط الحر في الهاوية. في هذا الصدد ، يبدو بوتين كشخصية ضعيفة لكلا المعسكرين في النخبة. بل إن ظهور تلك المعسكرات - في حد ذاته - هو رد فعل على ضعفه كزعيم.

يتشكل الانقسام حول سؤال رئيسي واحد: ماذا العمل إذا خسرت روسيا هذه الحرب؟ عمليا ، يبدو جميع ممثلي النخبة وصلوا إلى استنتاج مفاده أن هذا هو ما سيحدث إذا لم يحدث تغيير في التعاطي مع الأمور. وقد يكون من الضروري - ربما - حتى التخلي عن شبه جزيرة القرم ، ومن هناك يصبح منحدرًا زلقًا نحو الاستسلام الكامل ، مع محاكم الحرب الدولية ، وسنوات من التعويضات ، وتنصيب حكومة موالية للغرب. لهذا السبب لم يظهر أي "حزب سلام" في روسيا – يدعو إلى توقيف الحرب - لأنه في الوضع الحالي ، سيصبح على الفور "حزب الهزيمة" ، ولا أحد مستعد بعد للانضمام إلى صفوف الخاسرين والإقرار بالهزيمة.

حتى لو لم تكن هناك هزيمة، فسيظل هناك خط فاصل واضح بشكل متزايد داخل المعسكر المؤيد للحرب. من جهة ، سيكون الواقعيون ، الذين يعتقدون أنه بما أن روسيا لا تستطيع كسب الحرب في الوقت الحالي ، يجب أن توقف القتال مؤقتًا للعمل على إعادة بناء جيشها واقتصادها ، فضلاً عن تجديد النظام السياسي. فبالنسبة للواقعيين ، إن "خطأ" بدء الحرب ، كان نابعًا من فهم مشوه ومغلوط لقدرات البلاد، ولا ينبغي إجراء الاستفتاءات لأنه لا توجد إمكانية للاحتفاظ بهذه الأراضي والدفاع عنها. ومع ذلك، فإن الواقعيين يعارضون التخلي عن المواقف الروسية: أي يجب الدفاع عن خط المواجهة.

هؤلاء – الواقعيون - لا يتألفون فقط من تكنوقراط، فمن بينهم أيضا "سيلوفيكي" ، وكبار المسؤولين ، ورجال الأعمال البارزين. إن رؤساء الشركات الحكومية العملاقة ، مثل الرئيس التنفيذي لشركة - Rosneft - "إيغور سيتشين" ، والرئيس التنفيذي لشركة -Rostec – "سيرجي تشيميزوف" ، براغماتيون أكثر من كونهم مؤيدين للنصر بأي ثمن ، لأن لديهم ما يخسرونه. ويتم تمثيل آراء البراغماتيين في وسائل الإعلام من خلال الانتقادات الشديدة للجيش والتحذيرات من المخاطر التي تتعرض لها البلاد من الحرب الجارية مع الناتو.

على الجانب الآخر من الواقعيين، هناك الذين يفضلون التصعيد. ويبدو أن هؤلاء مصرون على تجنب الهزيمة ، لذلك يجب أن تكون روسيا مستعدة للشروع في تعبئة واسعة النطاق ، وتركيز مواردها ، وإمطار القنابل على أوكرانيا بلا هوادة حتى النهاية المريرة. هذا القسم من النخبة أكثر تباينًا بكثير من الواقعيين ، لكنه متحد بعامل واحد: كلما كانت الأمور أسوأ في المقدمة ، زادت المكاسب السياسية التي من المقرر أن يحصل عليها هؤلاء الأشخاص.

ومن بين الممثلين البارزين لحزب التصعيد رجل الأعمال - سيئ السمعة وجيش المرتزقة - "يفغيني بريغوزين" والزعيم الشيشاني المتهور "رمضان قديروف"، والإخوة "كوفالتشوك" الأثرياء هم أيضًا بشكل أو بآخر ضمن هذه المجموعة. على الرغم من أنهم ، مثل "سيتشين" و"تشيمزوف" ، لديهم ما يخسروه ، فإن الاختلاف هو أنهم مثل "بريغوزين" ، بدلاً من السيطرة على نفوذ الدولة، يقدمون نفوذهم الخاص للدولة ، مثل وسائل الإعلام أو شركة "فاغنر" العسكرية الخاصة ، وكلما احتاجت الدولة إلى خدماتهم ، زاد وزنهم داخل النظام.

على الرغم من حقيقة أن العديد من مؤيدي التصعيد لا يزالون على هامش عمليات صنع القرار الرسمية ، فإن هذا هو الطرف الذي يؤثر بشكل كبير على استراتيجية روسيا في أوكرانيا في الوقت الحالي ، بسبب قربهم "الأيديولوجي" من بوتين و- بالنسبة لبعضهم- يحظون بسماعه إليهم، وبسببهم ، تحول بوتين من تكتيكات "الانتظار والترقب" إلى شن ضربات ضخمة ضد البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا. إذ يبدو الرئيس "بوتين" مقتنع بأن هذه الضربات ستقلل من القدرة القتالية للجيش الأوكراني وتضعف شعبية الحكومة ، مما يمهد الطريق لموسكو لإملاء شروط استسلام "كييف".

إذا لم تنجح هذه الخطة (وهناك شكوك جدية في أنها ستنجح) ، فإن "حزب" التصعيد سوف يصبح أقوى وأكثر تطرفاً - ليس فقط فيما يتعلق بأوكرانيا ، ولكن أيضًا تجاه أولئك الذين يعتقدون أن روسيا لا تستطيع الفوز. في الوقت نفسه ، سيكتسب "حزب" الواقعيين أيضًا ثقلًا سياسيًا ، خاصة وأن الرأي العام يتحول تدريجياً لصالح خفض التصعيد.

تتجه روسيا نحو معركة أخيرة بين "الراديكاليين" - الذين يعتبر التصعيد بالنسبة لهم نمط وأسلوب حياة - و"الواقعيين" ، الذين يدركون أن الاستمرار في التصعيد قد يؤدي إلى انهيار البلاد. من المستحيل الآن تحديد من سيفوز في هذه المعركة ، لكنها ستحدد ليس فقط نتيجة الحرب في أوكرانيا ، ولكن أيضًا مستقبل روسيا.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن