أسس الديانة العراقية القديمة ح 6

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2022 / 12 / 8

من هذه النقطة جاء الأهتمام بطرق الدفن في العراق القديم، وهنا يمكن ان نشير الى نقطة مهمة وهي ان العراقيين القدماء لم يعتقدوا كما اعتقد المصريون مثلا بعودة الروح الى الجسد ووجود حياة ثانية يحتاج فيها الإنسان ما كان يحتاجه في حياته الأولى) ، لقد اصبحت واحدة من اكثر الحقائق ثباتا ً وادراكا عند العراقيين قوم منذ اقدم الأزمنة ان الجزاء في الآخرة لم يكن موجودا، بل كان يظهر في النصوص الدينية ما يشير الى ان المرء يتلقى جزاؤه من ثواب وعقاب في حياته الدنيا، ومع هذا فقد كان الأعتقاد سائدا بان روح الميت افترق عن جسده عقب الموت مباشرة ومن ثم تتحول الى روح شريرة مالم تدفن الجثة سريعا ووفقا للطقوس المعتمدة
• من الثوابت المترسخة في العقل الديني التقليدي موضوع الروح وعلاقتها بالبدن وسر وجودها، فالدين الإبراهيمي عموما لم يعط جواب شاف وإن ذكر في العموم أن الروح من أمر الله، وفرق بين الروح والنفس على أنهما فكرتين وحقيقتين مختلفين في تفاصيل كثيرة، وأن النفس هي التي سوف تتعرض للحساب في العالم الأخر، هذا الموضوع مع تشعباته والجدال العميق فيه لم يضع إجابات حاسمة ومفهومة فيما يخص المصاديق أو يولد قناعات حاسمة، في الديانة العراقية القديمة نجد أن التفصيل واضح والحال محدد وفقا لمنطق عقلي سليم، الروح وحسب النصوص الواردة إلينا من ديانة سومر وأكد وبابل تتمحور حول فكرة القوة والقدرة التي تجعل البدن يتحرك فقط، لا شأن لها بشخصية البدن ولا ينفس الكائن البشري، فالإنسان حي طالما أن روح الإله تجري في دمه وهو عنوان الحركة الأساسية التي تجعل منه كائنا حيا، وبمجرد أن ينفذ هذا الجزء من الروح الإلهي لسبب أو أخر ينفصل البشر من عالم الحياة ليكون شيئا أخر (كان البشر هم الأحياء طالما يجري دم الإله ( وي ـ آيلو ) في عروقهم ويتنفسون هواء الآلهة من أنوفهم، ولكن في اللحظة التي يجفّ الدم فيهم ويتوقف النفس عندهم تعتبر أجسادهم جثثاً خاوية (پگارو pagaru ) 1 .
بعد الموت نكون أمام حالتين منفصلتين في عالمين منفصلين، فالجسد الذي سيبقى مجرد مادة في القبر حتى تتلاشى في الأرض وتصبح جزء منها، الروح تسلك طريقا أخر كما تقول النصوص المترجمة، عليها قبل أن تخضع للمحاكمة أن تسلط الطريق الجبري الذي لا بد لها أن تمر به حتما، يقول الباحث الخميسي في هذا الشأن ما أراه خلطا بين مفهومين مختلفين على أنهما الوح، فالباحث ومن خلال الترجمة الغير دقيقة للنص الديني العراقي نتيجة عدم إدراك وفهم المترجم الأساس من اللغة العراقية القديمة ولهجاتها، فقد وقع الخلط بين الروح وبين النفس، وهذا الأمر متأت أساسا من أن الكثير ومن فهم ديني إبراهيمي ما زال يخلط بين الروح والنفس، يقول الباحث (من غير الواضح أيضاً فيما إذا كانت الإيتيمو موجودة داخل الجسم الحي قبل الموت "وبالتالي فإنها كياناً منفصلاً عن الجسم"، أو تظهر إلى الوجود فقط عند لحظة موت الجسد "وبالتالي فإن وجودها تم إنشاؤه بواسطة تحوّل بعض قوى الحياة المادّية" في كلتا الحالتين عند الوفاة الجسدية تتغير حالة المتوفى من (وي ـ آيلو) إلى ( إيتيمو) 2 ، لذلك يُعدّ الموت مرحلة انتقالية في مفاهيم بلاد الرافدين يتحول خلالها البشر من حالة وجودية إلى أخرى .
(وي ـ آيلو) هنا بمعنى النفس الحية التي تمثل شخصية الإنسان الحية والتي تعد مظهرا رئيسي للحياة، ولكنها ليست هي الروح التي تعمل مساعدا للبدن كي ينهض بأعباء الحياة وتكوين الشخصية الإنسانية، فعندما يموت الفرد تنتهي النفس من الفعل والإنفعال بسبب توقف الروح في البدن من أداء دور المحرك والباعث للطاقة، هنا يظهر مفهوم (إيتيمو) الذي يعني الروح المغادرة للبدن، والتي سترحل إلى عالمها الأول، في الدين الإبراهيمي الروح ترجع إلى بارئها دون تحديد مكان محدد، بينما النفس تتعرض للمحاسبة والمحاكمة في عالم البرزخ، في حين أن الديانة العراقية القديمة تفهم الأمر من شكل أخر ومنظور مختلف تماما (الإيتيمو أو الروح لا تنتقل مباشرة إلى العالم السفلي بعد الموت الجسدي، بل عليها ان تسلك رحلة شاقّة من أجل الوصول إليه، وكانت مراسيم الدفن والحداد المناسبين للانتقال إلى العالم الآخر؛ شرطاً أساسياً في إجراء الطقوس الجنائزية اللازمة، كان المطلوب من الروح عبور السهول والأراضي التي تنتشر فيها العفاريت، وأن تمرّ فوق نهر " گوير" 3 لا يُعرف موقعه بمساعدة شخص يُدعى "سوولشي و سلولوم، أو خومت ـ تبال " 4 ، ومعناه "أسرعْ، خُذْ (فلان) الى هناك ! "، ومن ثمّ يتم قبول الروح في ان تدخل أول بوّابة من البوّابات السبعة للمدينة العظيمة، عندما يأذن بذلك حارس البوابة " پيدو " ويعني ـ افتحْ ! ـ .
لذا ركزت الديانة العراقية القديمة على مفهوم (إيتيمو) بأعتبارها ليست الروح التي تبعث على القوة والحركة في البدن، بل النهاية المتحصلة من وجود الإنسان في الحياة، إذا مفهوم الإيتيمو أيضا منفصل عن الروح بمعناها الأصل ولا بمعنى النفس، إنها التجربة التي تحمل سمات وبضمات الإنسان الذي كان حيا من قبل، فالروح طاقة فقط والنفس لا يمكن أن تكون إلا بأتحاد الروح مع البدن وهذا محال في حالة ما بعد الموت، إذا من سيحاسب ويحاكم هي التجربة الخلاصة الفعل المدرك الواعي الذي يقابله في الوجود الوظيفة والمسئولية عن الفعل وعن الوجود (عند وصول الروح إلى العالم السفلي يتم محاكمتها من قبل محكمة (الأنوناكي)، ومن ثمّ تخصص لها مكاناً في مجتمعها الجديد والبعيد عن سطح الأرض، لم يكن قرار الحكم المُتخذ ومكان الاقامة ذا طبيعة سلوكية أو أخلاقية، وليس له أيّ علاقة بمساوئ او محاسن المتوفى خلال حياته، بل هو مجرّد إجراء إداري روتيني تُطبّق فيه قواعد وقوانين العالم السفلي عند دخول الروح إلى موطنها الجديد) 5 .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. عضيد جواد الخميسي... مصدر سابق.
2. يجب التأكيد على أن مفاهيم بلاد الرافدين للجسم المادي والإيتيمو الروح ، لا تمثل ازدواجية جسدية / روحية صارمة ، على عكس مفهوم الروح لدى الفكر اليوناني الكلاسيكي .
3. ورد مفهوم الگوير أو الجوير أو جورة النار في الديانات الإبراهيمية أيضا ولكن بصورة أخرى، المفهوم بشكل اخر وإن كان يعني ذات المقصد، أنه الصراط المستقيم الذي هو جسر فوق الجحيم أو نهر من النار لا بد من عبوره لأي كائن كان وهو شرط أساسي لمواصلة رحل الإنسان في العالم الأخر.
4. وهذه الفكرة أيضا موجودة في الدين الإبراهيمي بمفهوم السائق والشهيد وكلاهما يقودان الإنسان إلى مرحلة الحساب أو في فترة الحساب ومنها عبور الصراط.
5. عضيد جواد الخميسي... مصدر سابق.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن