على سبيل الفرض والافتراض ح7

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2022 / 8 / 6

كبرت الهمسات وتعاظمت وصارت حديث الجلاس، وبدل أن تجد المنع والتهوين تحولت لقضية ومبدأ وكثر المناصرون من سادة كانوا وعبيد، يقولون ما عدى وما بدى حتى خالف محمد سنن الأولين والشرائع وطباع الناس، فقد وجدنا أباءنا وأباء أباءنا هكذا، فلا بد من العودة لها ولا من تدبير، خرج لهم رسول الله مناديا "يا قوم وقد كرمكم الله وقال إنما خلقتكم من نفس واحدة ولا فضل لأحد على أحد إلا بما يعطي للناس من خالص النفع وجدير الأحترام، لا تجعلوا الشيطان يزين أحلامكم كما زينها لأبويكم من قبل وقال إني جار لكم، فلما توليتم تولى وفال إني برئ ما تعملون إني أخاف الله رب العالمين، الناس للناس من بدو ومن حضر وخير الناس ليس السيد المطاع ولا الفارس الشجاع بل خير الناس من نفع الناس"، رددها كثيرا ولا من مجيب أستجاب، وغزوة الشيطان تدلف من باب وتخرج من باب، والكل أما شاك أو مرتاب.
جدار النصر الذي شيده رب محمد بدأ يتأكل وتنهار بعض الحجارة منه كل ما مر يوم سمع الناس حديث مستجد عن أمر قديم، فقد كاد القوم من فرط حنينهم لأيام مضت كأنهم يتغنون بالعودة إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها، تدارس بعض المؤمنين الأمر بينهم، فمنهم من قال أن الرسول لا يعلم بما يدور، رد البعض وكيف تكفرون بالله وأنتم المؤمنون؟ كيف لرسول الله لا يعلم وهو الذي علمه شديد القوى؟ قال أخرون ورب السماء أنها الفتنة التي يحملها الشيطان لكم ليرينا من منكم من أولياءه ومن منكم الصابرون، أشتد النقاش وتشابكت الأيادي وكل هم بقتل صاحبه حتى جاءهم الحق وحصحص، مالكم تتقاتلون وكأنكم عدتم لأيام جاهليتكم وتنازعتم ففشلتم، لو رددتوا الأمر لله ولرسوله لكان خيرا لكم، خجل من خجل وأعتذر المعتذرون، ولكن النفوس في دواخلها تغلي مما حصل.
أنشغل المؤمنون بردم الهوة التي فتحها إبليس بين صفوف الناس وتسلل منها لجمع المؤمنين بدين محمد، الرسول يقرأ كل ذلك ويحذر من المنافقين الذين أخبره الله بهم ولم يسميهم، هناك نار الفتنة تحت رماد الصمت والحيرة تكاد تشب كلما هبت ريح ناعمة تنتظر ريحا ورياحا لتتقد، كرر النبي تحذيره منهم والرجال العارفون يطوفون بين الناس محذرين ومخبرين بشر يلوح في الأفق، أكثر المنافقين هم من يحضر مثل هذه الندوات، بل وأكثرهم حرصا على الحضور ليشغلوا المكان ويزاحموا الناس بأنتظار الشرارة التي تحرق الجميع، تبلبلت النفوس وضاقت على بعضها وبعض من هزم في معركة الأمس من كهنة وسادة عتاة يتهيأ للعودة عبر حلافات حادثة يطمحوا أن يروا هزيمة تغسل عار هزيمة.
الكل يشعر بحدوث أمر جلل ربما يكون قريبا وربما بعد أجل، لكن ما يخيف ليس التوقيت بقدر ما كان الخوف من أن تطال يد الغدر ما هو مفتاح صاعق يحرق الجميع، ربما تكون أوهام الخوف التي يزرعها المنافقون عبر ما يتحدثون به عن تبرم الناس من حالهم الذي لا يسر عدو ولا صديق، بعد أن قعد البعض من السادة عن الكسب والتجارة وهو يرون في نظرية محمد وربه أن لا فرق بين حر وعبد، وقد تطاول البعض من عبيد الأمس وعصى عن الطاعة، أحوال مكة لا تسر وأسواقها خالية من التجار والمتبضعين وحتى الحجيج الذين لا يأتون اليوم كالمعتاد الآن، فقد وضع محمدا مراسيم ومناسك لا يقبلون بها ومنعهم من نسكهم القديم، هل يحتاج محمد اليوم إلى جولة نصر جديدة من الله يدفع بها ما كسد من الحال، ولكن السؤال كيف؟ ولماذا؟ وبيده أن يمنح الناس حرية العبادة والعمل والطاعة وحتى أختيار الحرية في العبودية.
في سماء مكة تتجمع غيوم من مختلف الاشكال والألوان تصاحبها كأبة وقلق وشك يراود الكثير، ماذا لو أعادوا الكرة علينا وأستفحل النفاق، وعادت الفتنة تطل علينا من كوة كهنة المعبد؟ ماذا لو تأخر المدد والنصرة عما حصل قبل فترة؟ أو ربما كانت لحظة مصادفة لا يد لأحد بها وأثر لمدد السماء، وربما لن تتكرر مرة أخرى، ماذا لو أنتصر فرسان قريش هذه المرة وأطاحوا بجند الله؟ كيف سيتصرف النبي وكيف سيتدبر الأمر مع قريش التي لم ولن تنسى جراحها بعد ولن تفعل؟ هل يهرب من مكة ويترك الضعيف والعاجز لينجو من دسائس القوم، وتتحول طرقات مكة وشعابها إلى مجزرة للمؤمنين؟ كل ذلك يدور في أذهان الناس بين مصدق متردد وبين متردد بين الجزم بها أو اليقين برب محمد.
خرجت الأصوات من محاجر التردد والخجل والخوف وصارت حديث الكل، سمع به النبي والذين معه ولجأ به إلى ربه أن قومي أستضعفوني وأنت القوي العزيز، ربي أنهم لا يعرفون ما يدير لهم الشيطان من دائرة سوء ولا حديث سوء، ربي أرحمهم بكلمة اقوى أو أنزل عليهم سكينتك وأيد دينك بجنود لم يروها، ربي إن غلبوا الحق وأستكثروا من الجهالة لن تقوم لدينك قائمة ولا لمذهبك من مطيع على وجه الأرص ، فأحكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين وقد قات وقولك الحق "ما ودعك ربك وما قلى"، اللهم أنا وعبادك في عينك التي لا تنام وفي حصنك الذب لا يرام، فأنصر دينك وأخذل عدوك وأنت القوي المتين.
سمع بعض المارة مناجاة الرسول وهو معلق بأستار الكعبة، فمنهم من رق قلبه لكلام النبي ومنهم عظمت الجلافة والنكاية التي في قلبه، لكن الرسول ما زال مؤمنا أن نصر الله حتم ومدد الله أت وكل شيء بيده لا يحصل منها إلا ما شاء الله وما أمتنه إلا لحكمة أو عظيم أمر، تقاطر المؤمنون على الكعبة بجأرون إلى الله مما هم فيه ويرددون مع النبي " لبيك اللهم لبيك"، تصاعدت الأصوات مع تكاثر الملبيين فأرتجت الأنحاء وتسلل الحوف بطيئا إلى قلوب المشركين والمنافقين وظنوا أن الله قد أحاط بهم وقد لا يكون لهم نجاة بعد ذلك من غضب واقع و سخط قادم، فنزل كبار السادة من قريش ورجالاتها يكلمون ويطمأنون النبي أنهم على العهد ماضون ولا غيلة ولا غدر ولا أنتقام، فقريش حرية بالوفاء لا تغدر بعهد ولا تتخلى عن موثق لها مع أعدائها فكيف تخون عهد ذي القربى ومن دمها الواحد.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن