بزوغ وأفول الشاهنشاهية البهلوية في إيران..

السيد إبراهيم أحمد
elsayedebrahim73@yahoo.com

2022 / 8 / 5

مايزال تاريخ إيران الحديث والمعاصر يحظى باهتمام الباحثين والمؤرخين ليس من العرب فقط بل وغيرهم أيضا؛ فإيران إلى جانب تمتعها بموقع استراتيجي فريد في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن لها مكانتها الحضارية الفارسية، كما تمتلك ثروات طبيعية وموارد مختلفة ميزتها في كثير من الجوانب، غير أن الخلط الواضح عند البعض من أن الشاهنشاهية البهلوية كانت أسرة ضاربة في عمق التاريخ الإيراني كان هو الباعث إلى هذه البانوراما التاريخية التي تبدأ مع نشأة هذه الأسرة وتنتهي بأفولها السريع نسبيا.

تقع إيران في غرب آسيا، وهي هضبة عالية ترتفع بين سهول دجلة والفرات، وهي ثاني أكبر دولة بالشرق الأوسط من حيث عدد السكان بعد مصر، وكذلك ثاني أكبر بلدان الشرق الأوسط مساحة بعد السعودية، لذا فهي تتمتع بموقع جيوسياسي جعلها ملتقى لثلاث جهات آسيوية: غرب آسيا ووسطها وجنوبها، يحدها من الشمال أرمينيا وأذربيجان وتركمانستان، وتطل على بحر قزوين، ويحدها من الشرق أفغانستان وباكستان، ومن الجنوب الخليج العربي وخليج عمان، ومن الغرب العراق ومن الشمال الغربي تركيا، عاصمتها طهران، وهي بعيدة عن البحر الأبيض المتوسط، وتحفها الجبال من كل جهاتها مما جعل مناخها قاري، حار جدا صيفا وبارد شتاءً، وقد جعل هذا الموقع لإيران أهمية كبرى خاصة عند الدول الكبرى مما جعلها محط أنظارهم وخاصة الاتحاد السوفيتي الذي يتجاور مع الحدود الإيرانية البرية ، وأتت كلمة "إيران" من كلمة "إيريان" وتطلق على القبائل الرحل التي كانت تسكن هضاب آسيا الشمالية، ثم استقرت بالمناطق الجنوبية الغربية، ومن سكن هذه الهضبة أطلقوا عليهم اسم "النجباء".

تختلف الكثافة السكانية من موقع لموقع في إيران وذلك تبعا للظروف المناخية، والعوامل التي تساعد على قيام النشاط الزراعي، أو ظهور بعض الثروات وأكثرها المعدنية وهي التي تجلب السكان بحسب وجودها للعمل أو لقيام نشاط صناعي، غير أن أكثر المناطق الآهلة بالسكان هي العاصمة طهران؛ فتتميز بوجود المصانع الكثيرة بها، ولجودة مناخها، تليها في الكثافة السكانية جيلان وأذربيجان الشرقية ومازندران وكلها مناطق واقعة على بحر الخزر، وهناك منطقة الأهواز وأذربيجان الغربية، وأصفهان وشمالي خراسان ومنطقة سيستان وأهم ما يميز هذه المناطق أنها تقوم على الزراعات المختلفة، والسهول والثروة النفطية، بينما في المناطق الأخرى الإيرانية تشكو من قلة الكثافة السكانية بل لا تكاد تشغلها أفراد لفقرها.

تتكون إيران من أربعة عشر إقليما، وعلى الرغم من أن المسلمين يشكلون الغالبية العظمى من السكان، إلا أن هناك أقليات دينية، وعرقيات مختلفة يتكلمون فيما بينهم بأكثر من مائة وعشرة لغة، وكانت إيران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي مملكة دستورية وهو على قمة السلطة التنفيذية، كما أن السلطة التشريعية تضم مجلسين، أولهما: المجلس الوطني وينتخب أعضاءه الشعب، وثانيهما: مجلس الشيوخ وينتخب الشاه نصف أعضائه الذين يبلغ عددهم الكامل ستين عضوا.

تأتي الأجناس التي تسكن إيران على الترتيب التالي من حيث الكثافة السكانية، مما يعني أن إيران تجمع مجموعات سكانية متباينة: الإيرانيون وهم الأغلب، يليهم الأتراك بفارق كبير، وبفارق أكبر يليهم العرب، ثم أقل كثيرا البلوخ أو البلوش وبنفس نسبة البلوش أجناس أخرى، ويتحدثون لغات عديدة، أغلبها مندثرة، وأشهرها: اللغة الفارسية، ثم تأتي اللغة الكردية في المرتبة الثانية، يليها في المركز الثالث اللغة البلوشية، وأيضًا هناك اللغة المازندرانية لكن الفارسية هي اللغة الرسمية لإيران، ويشكل المسلمون الكثافة السكانية الأكبر ثم النصارى من الأرمن الذين يقطنون المدن الكبرى: أصفهان وتبريز وطهران، ثم اليهود الذين يسكنون أيضا طهران، ثم النساطرة، والزرادشت، والبهائيون، على أن "التشيع" هو المذهب الرسمي للدولة.

عرف العالم تاريخ إيران القديم في أسرها الحاكمة: الكيانية والسلوقية والأزرقية، ويمثلها كورش وقمبيز ودارا، ثم جاءت الإمبراطورية المتوسطة تتمثل في الساسانية وعرفت إيران عبادة النار، وقضت الجيوش الإسلامية على هذه الدولة بقيادة الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في معركة القادسية، وقد حكمت إيران الأسرة الصفوية التي أدخلتها في التشيع المذهبي، ثم "آل قاجار" الذين كانوا عبارة عن اتحاد قبلي تسللوا إلى إيران على عدة مراحل، وأعلنوا أنفسهم حماة التشيع، واستطاعت القوات الروسية والبريطانية التي أوشكت على دخول طهران مع قيام الثورة في "تبريز" أن تنهي عهد هذه الأسرة.

تاريخ الأسرة البهلوية من النشأة حتى حكم إيران:

أخذت الأحوال تتردى أواخر عهد الأسرة القاجارية، وقد طرح رضا شاه بهلوى فكره في التغيير بنجاح، عندما كان أحمد شاه قاجارى في منفاه بأوروبا، وتم تولية "رضا خان" الذي أسس أسرة ملكية جديدة أسماها: "الأسرة البهلوية"، وقد اجتمع المجلس النيابي 1925م وأقر إنهاء حكم الأسرة القاجارية، وتم تنصيب رضا شاه ملكا على إيران، ثم تم تتويجه عام 1926م.

جاء مشروع تغيير السلطنة بتغيير مادة واحدة وذلك بعد أن أصدر المجلس القانوني الخاص بإلغاء ألقاب التفخيم، وتحديد اسم العائلة، وتم استصدار بطاقات الهوية، وتعديل المواد التي تنص على بقاء المُلك في السلالة القجارية والتي لا تمانع في انتقال السلطة إلى رضا شاه البهلوي ونسله من بعده، غير أنهم اشترطوا أن يكون ولي العهد القادم من أم إيرانية.

في مطلع السادس من أغسطس عام 1941م، قامت القوات الروسية بمهاجمة إيران أعقبها دخول القوات البريطانية من ناحية الحدود العراقية وتم إغراق كافة سفن إيران، وراحت أرواح كثيرة نتيجة الهجوم، ولهذا انهارت قوى الجيش الإيراني سريعا، وأدرك الجميع أن نظام رضا شاه كان ظالما عاجزًا وفاشل على المستويين السياسي والعسكري، لتثور بعض القوى الإيرانية متحدية الشاه وهو ما فرض عليه تقديم العديد من التنازلات. في الوقت الذي بدأ تحرك جيوش الحلفاء نحو طهران عاصمة البلاد، فلم يجد الشاه من سبيل سوى التنحي عن حكم إيران عام 1941، بعد أن كتب وثيقة خاصة عرضها رئيس الوزراء الإيراني على السفير البريطاني في طهران بتوقيع رضا شاه يعلن فيها تنازله عن العرش لولى عهده وابنه محمد رضا، بينما استقر هو في "موريشيوس البريطانية" التي كانت منفاه الأخير.
لقد أطاحت قوى التحالف بالشاه الأب رضا بهلوي؛ لأنها خافت من ميله نحو "أدولف هتلر" في الحرب العالمية الثانية وكان من الممكن أن يقوم بتزويده بالنفط الإيراني، وهذا ما سيؤدي حتما لرجحان كفة ألمانيا بقيادة هتلر على كفة الحلفاء؛ فلم تلبث أن قامت قوات التحالف باحتلال إيران، وجاءت بالشاه الجديد ونصَّبته وإيران لم تزل محتلة، لكنهم خوفا من أن يعيد سيرة أبيه، ولكي يطمئنوا إليه تماما عقدوا معه الاتفاقيات والمعاهدات، ثم يؤكدون بل يفرضون عليه إخلاصه لهم وإلا عزلوه.
الشاه محمد رضا بهلوي: حياته، وسياسته في حكم إيران من عام 1941 إلى عام 1953م:

وُلِد محمد رضا وأخته التوأم "أشرف" في حي "سنغلج" بالعاصمة طهران في نهاية شهر أكتوبر عام 1919م، وكان الأب رضا خان والأم تدعى تاج الملك ابنة تيمور خان، وكان رضا خان برتبة كولونيل في الجيش، أما المولود "محمد رضا" فكان أكبر الأبناء في الذكور والثاني في الترتيب بين الأخوة، وقد سافر محمد إلى مدينة "رول" قرب جنيف في "كولج دوروزي" في سويسرا للدراسة، بعد أن أتم دراسته في طهران ليعود بعد خمس سنوات ويلتحق بالكلية الحربية الإيرانية، ثم تخرج برتبة ملازم ثانٍ وتم تعيينه مفتشا عاما للجيش، وبعد أن أصبح والده ملكا لإيران، تم اختياره وليا للعهد، فكان الاهتمام به شديدًا لكونه ملك إيران القادم.
بعد تهديد دخول الجيشان: السوفييتي والبريطاني لإيران بالتزامن مع ثورة الشعب على رضا شاه، وتنازل لابنه وولي عهده الشاه محمد رضا عن العرش، كانت إيران تمر بأزمة عاصفة تمس الأحوال السياسية الداخلية، في الوقت الذي بدأت الأحزاب والعديد من الجمعيات السياسية تكوِن نفسها، ومع تنازل الشاه القديم كان الضعف يدب في الحكومة المركزية، وقد استغلت هذا القوميات غير الفارسية فاستمرت في نضالها والمطالبة بحقوقها، والمناداة بإطلاق الحريات وتطبيق الديموقراطية، ولم تكن الأوضاع الاقتصادية في البلاد بأحسن حالا من الأوضاع السياسية؛ فإيران تشهد وقتا خانقا تسبب فيه اندلاع الحرب العالمية الثانية، فازدادت الأزمات الاقتصادية الطاحنة، ولم تكن إيران في ذلك الوقت مستقلة بل تعيش تحت وطأة الاحتلال للدولتين: الروسية والبريطانية.

في هذه الأثناء خرج الشاه محمد رضا شاه على الشعب ليعلن عن سياسته الخارجية في خطاب أدائه لليمين الدستوري بضرورة أن تتعاون الحكومة الإيرانية مع حكومتي دولتي الروس وبريطانيا لارتباطهما بمصالح كبيرة مع الدولة الإيرانية، وبالفعل جرى التوقيع على معاهدة بين إيران وبين الحكومتين السوفيتية والبريطانية في عام 1942 تم التعهد فيه من قبلهما بأن يحترما أراضي دولة إيران ووحدتها وسيادتها وأيضا استقلالها، وأن يسحبا قواتهما في مدة لا تتجاوز نصف العام مع نهاية الحرب، على أن يحصل الحلفاء على حق استخدام المنشآت النفطية الإيرانية في الأغراض العسكرية، وأيضا ضمان وصول الإمدادات إلى الاتحاد السوفيتي عبر أراضي إيران.

سياسة محمد رضا بهلوي في حكم البلاد في الفترة من عام 1941 إلى عام 1953م:

في هذه الفترة من حكم الشاه محمد رضا بهلوي كانت أحوال إيران السياسية والاقتصادية والاجتماعية سيئة والتي انتقلت إليه مع توليه المُلك بعد تنازل والده وقد بلغ عامه الواحد والعشرين، وقد عمل الشاه الجديد على كسب ود وثقة حكومات الحلفاء، مما اضطره أن يسير في سياسته بخلاف سياسة الشاه القديم، غير أن سنه الصغيرة وعدم مشاركته في الحكم لم تكفل له الخبرة السياسية في الوقت الذي فقدت فيه إيران استقلالها وعاشت في ذيل الغرب بأحوالها السياسية والاقتصادية بدعوى تحديث إيران واستلهام النظام الديمقراطي وتطبيقه.
اتجهت سياسات الشاه في محاولة لاستقطاب ولاء الجيش له، وهو ما ضمنته له الولايات المتحدة الأمريكية حين قدمت المساعدات العسكریة لكي يستعيد الجیش قوته، ويضمن الشاه طاعته له حتى يتمكن من الهيمنة على أحوال إيران الداخلية وما فيها من ثورات ومظاهرات، وكان يضع نصب عينيه تخلي الجيش عن والده مما دفعه لأن يجعل منه أداة قوية لحمایة العرش، ولهذا حرص على أن يكون وزير الحربية بغير صلاحيات مباشرة منه على الجيش على المستويين القيادي أو الإداري، كما تم تعيين أبناء من العائلة البهلوية في الجيش لضمان السيطرة، وتأمين اتصالات الشاه مباشرة مع قواد المواقع بالجيش.

لقد ظل هاجس فقد الشاه القديم لعرشه في رأس الشاه الجديد الذي أصبح حذرا أكثر من اللازم، وأقام كل علاقاته على الريبة والرقابة؛ فجعل الحرس الإيراني يراقب الجيش المحترف، ووضع قواد الجيش تحت المراقبة المستمرة ليعلم من فيهم القائد الذي ينطوي الثورة على العرش والإطاحة بالشاه، وأنشأ قوة للردع تم تشكيلها من المجندين وضباط الاحتياط وسلاحي الطيران والبحرية والحرس الإمبراطوري، وأصبح جهاز الاستخبارات العسكرية أكفأ الأجهزة بالجيش الإيراني تنظيما وتطويرا بشكل مستمر، ومنح الشاه لهذا الجهاز ورئيسه التواصل المباشر معه على الفور، وله حق تجاوز القائد العام ورئيس الأركان ولا يطلعهما على الأسرار أو الأخبار.

لم تكن أبواب القصور الشاهنشاهية تغلق أبوابها أمام رئيس المخابرات؛ فيدخلها بدون استئذان ولو من الشاه نفسه وبدون تحديد موعد، كما كانت ميزانية الدولة تسمح دوما بما يطلبه دون نقاش، وانحصرت مهام الجهاز في تعزيز الولاء للشاه ضد أي أعمال إرهابية ضد الشاه الذي أحاطوه بنوع من التقديس أو ضد النظام أو تهديد أمن البلاد، وتأمين الشاه داخليا وخارجيا.

سياسة محمد رضا بهلوي في حكم البلاد في الفترة من عام 1953 إلى عام 1965م:

لقد تعرض الشاه لمحاولة اغتيال في زيارته للجامعة، وقد تم إفشالها، وهو ما جعله يتخذ عددا من القرارات الفورية التي كرست لزيادة إجراءات القمع مثلما زادت ديكتاتوريته، وتسبب هذا في زيادة السخط الشعبي عليه وعلى سياساته، ثم أعلن عن تأسيس مجلسا من النواب الإيرانيين لكنه حرص على أن يعين نصف أعضائه من الأشخاص المقربين منه، ثم رد الأراضي لأصحابها التي سبق لوالده أن صادرها في زمنه ليبدأ بعده تحركا واسعا في القضاء على كل الحركات التي تنادي بالانفصال عن الدولة الإيرانية، ثم أجرى العديد من التعديلات الدستورية.
قام العديد من قطاعات الشعب الإيراني وعددا من القوى السياسية بالمطالبة بإلغاء الاتفاقية الموقعة مع شركة البترول البريطانية ـ الإيرانية لكونها لم تفِ بالتزاماتها، ورفضا لتدخلها غير المبرر في شئون إيران الداخلية، ثم ارتفع سقف المطالبات والطموحات لينادوا بتأميم صناعة البترول، ونشطت على الفور الجبهة الوطنية ورئيسها الدكتور محمد مصدق فقامت بحملة غير مسبوقة في تاريخ المعارضة الإيرانية برفض المعاهدة التي كان الشاه ينوي توقيعها، وضرورة تطبيق مواد الدستور الإيراني واحترامه من قبل الشاه وتأميم صناعة البترول، غير أن الشاه رفض كل هذه المطالب، مما جعل الطبقة العاملة ورئيس الوزراء ينضمون إلى المعارضة مما مثَّل ضغطا شديدا علي الشاه، وخرجت الجماهير الساخطة عليه في الشوارع، وكان أن تم انتخاب دكتور مصدق رئيسا لوزراء البلاد، وتم تأسيس الشركة الوطنية للبترول.

شهدت الفترة من عام 1953 إلى 1965 من حكم الشاه، الإجراءات التي هدمت قرار تأميم النفط الذي حاربته بريطانيا بل وحرضت ودشنت مقاطعة عالمية لاستيراد البترول من إيران، ولهذا عمد الشاه إلى رفض منح صلاحيات للدكتور مصدق ليستكمل مشروع التأميم فما كان من مصدق أن استقال على الفور، فاشتعل الشارع الإيراني بالمظاهرات المطالبة بعودة مصدق للحكم من جديد، وقد رضخ الشاه وأعاده رئيسا للوزراء ووزيرا للحربية، فاستغل مصدق منصبه في تطهير قيادات الجيش الإيراني من الموالين للشاه وعمد إلى تخفيض ميزانية وزارة الحربية، ثم قاد انقلابا على الشاه الذي هرب من إيران، غير أن المخابرات الأمريكية تدخلت في الوقت المناسب حين أطلقت المظاهرات المؤيدة للشاه وسياساته ومطالبة بعودته للبلاد، وتنفض المظاهرات المؤيدة لمصدق ويعود الشاه من الخارج، ثم يُسجن الدكتور مصدق لمدة ثلاث سنوات ويلزم منزله تحت الإقامة الجبرية تنفيذا للحكم الصادر ضده من المحكمة العسكرية، فوافقت الحكومة على قانون تأميم صناعة البترول، وتم ملاحقة كل من أيدوا مصدق، فسجنوا وأعدموا الكثير منهم تنفيذا لأحكام المحكمة العسكرية.

حاول الشاه محمد رضا بهلوي القيام بإصلاحات شكلية منذ أن تولى عرش ايران عام 1941 كان غرضه منها أن يكسب الشعب الإيراني لصفه، خاصة بعد أن قاسى معظم هذا الشعب من ديكتاتورية أبيه رضا شاه، وقد شهد مطلع الستينيات من القرن الماضي ازدياد الأوضاع السياسية والاقتصادية سوءًا، غير أن علماء الدين عارضوا لائحة انتخابات المجالس المحلية في الثامن من تشرين الأول عام 1962م، والتي أعلنت عن حق النساء في الانتخابات والترشيح لأول مرة في التاريخ الإيراني، وألغت اللائحة شرط الإسلام عند الترشيح، وأجازت أيضا القسم على أي كتاب سماوي غير القران الكريم، وكان على رأس المعارضين الإمام الخميني مما دفع الحكومة إلى وقف قانون المجالس المحلية، ثم أطلق الشاه برنامجا إصلاحيا شاملا أراد منه تغيير بنية الاقتصاد الإيراني، في يناير 1963م، اسماه ”ثورة الشاه والشعب” والمعروفة بالثورة البيضاء، ويتكون من اثنى عشر مبدأ صدرت بالتوالي، بهدف استغلال كافة الإمكانيات للقضاء على كافة أشكال الظلم والاستغلال والتقاليد الرجعية، ونص المبدأ الأول منها على ضرورة تطبيق قوانين الإصلاح الزراعي، بهدف القضاء على النظام الإقطاعي، وتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وتشجيع إدخال التقنيات الحديثة في الإنتاج الزراعي، وعمل الشاه على تأميم الموارد الطبيعية، بإعتبارها ملكًا للإيرانيين، فنص المبدأ الثاني على تأميم الغابات والمراعي الطبيعية، ويختص المبدأ العاشر بتأميم مصادر المياه.

كما تضمنت الثورة البيضاء ثلاث مبادئ تختص بالقطاع الصناعي: المؤسسات الصناعية والعمال، وهو مبدأ بيع أسهم المصانع والشركات الحكومية حيث تعطى الأولوية في الشراء لكبار ملاك الأراضي الزراعية الحائزين على سندات دفع مقابل الأراضي التي أخذت منهم ضمن مراحل الإصلاح الزراعي، وتفعيل المبدأ الخاص بمنح العمال حق المشاركة في صافي أرباح الشركات، فأصبح للعامل الإيراني الحق في الحصول على 20% من صافي الربح السنوي للمؤسسة الصناعية التي يعمل بها، والعديد من المبادئ التي حاولت مصالحة الشعب.

تبلورت مبادئ الثورة البيضاء حول إصلاح التعليم، والصحة، والتعمير، وقد صاحبت إعلان هذه المبادئ حملة إعلامية واسعة سواء على مستوى وسائل الإعلام المحلي، أو الإعلام الغربي من خلال وكالات الأنباء التي تناقلتها عبر حملة إعلامية واسعة، من أجل إدلاء الغالبية من الناخبين بأصواتهم في الاستفتاء لصالح هذا المشروع الذي يهدف إلى تجييش واستغلال الشباب المتخرج حديثا من المدارس الثانوية والمعاهد العليا والجامعات، أو من الذين سيؤدون الخدمة العسكرية فيدخلون في كتائب منظمة إلى مناطق الريف ويساهموا في خدمات التعليم والصحة والتعمير.
كما صدر المبدأ الخامس من مبادئ الشاه الذي ينص على حق المرأة في الانتخاب تطبيقا لمساواتها الكاملة للرجل في الحقوق السياسية والاجتماعية، والذي جاء تتويجا لمطالبات الإيرانيات من خلال المنظمات التي تم تكوينها والإعلان عنها، وأولها منظمة مسار جديد عام 1955 وكذلك الرابطة النسائية لأنصار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1956 وفي عام 1959 تشكل المجلس الأعلى للمنظمات النسائية وقد تركزت جهوده في حق المرأة الإيرانية في التصويت.

أصدر الشاه في أكتوبر 1965 قرارا يقضي بضرورة تشكيل دور الإنصاف في الريف ومجالس التحكيم في المدن وذلك لتحقيق العدالة وسرعة تنفيذها بين الجميع، كما تم الإعلان عن ضرورة تطبيق الثورة الإدارية في أكتوبر 1967 للتخلص من المركزية المتغلغلة في الجهاز الإداري، وإذا كان لمبادئ الثورة البيضاء أهمية من الناحية النظرية إلا أنها فشلت عند التطبيق، لأن الشاه افتقد النوايا الصادقة في تطبيقها، وكان هدفه منها فقط امتصاص غضب الإيرانيين الساخطين عليه.

سياسة محمد رضا بهلوي في حكم إيران من عام 1965 إلى عام 1979م:

حرص الشاه محمد رضا على أن يعيد تسليح الجيش ويطوره في عام 1965م، ودافعه يكمن في قلقه من الاتحاد السوفيتي، ودعمت هذا القلق عنده أمريكا حتى أدخلت إيران في حلف الناتو، وقد قرر الرئيس نيكسون أن تقوم إيران بدور الشرطي أو الحارس الأمريكي في منطقة الخليج العربي، وبهذا علم الشاه أنه وإيران ونظامه ليس عليهم أن يخافوا من أية تهديدات خارجية لأنه والخليج يخضعون للحماية الأمريكية الدائمة، ولهذا فقد اهتم بالأمن الداخلي الذي يقلقه بالفعل كثيرا.

ظلت سياسة الشاه قائمة على موالاة الغرب وعلى رأسهم أمريكا وإسرائيل وبريطانيا، فحرص على أن يكون الحليف الأكبر لها، في الوقت الذي حرص أن يكون صديقا لكافة الحكام العرب، وتخرج العراق من هذه الصداقة؛ للتوتر الدائم بينه وبينها في العلاقات، وقد أصبحت إيران هي فردوس الغرب وأمريكا خاصة بعد زيارة الرئيس الأمريكي نيكسون لها عام 1972م، وفي هذه الزيارة تم منح الشاه تفويضا سياسيا مطلقا بشراء أية معدات عسكرية تحتاجها إيران ما عدا الأسلحة النووية.

لقد خسر الشاه رضا بهلوي الطبقة العاملة الإيرانية طوال مدة حكمه؛ فلم تنل منه اهتماما كبیرا، ولهذا فقد ظلت هذه الطبقة محرومة من أدنى حقوقها مقارنة بنفس الطبقة في الدول المجاورة لإيران أو المتقدمة التي تستورد منها الأسلحة ولم تستورد التشريعات العمالية التي تنصف بها العامل الإيراني الذي خاض نضالا طويلا مریرا من أجل أن تتحقق أبسط مطالبه، وقد كان حزب "توده" الشیوعي من أول الأحزاب التي مارست دورها السیاسي واحتوت الطبقة العاملة وتبنت مطالبها في السنوات الأولى من تولي الشاه محمد رضا بهلوي السلطة في ایران عام 1941م، ومع بوادر الأزمة الاقتصادیة التي عرفتها ایران عام 1976م، مما اضطر الحكومة إلى وقف العدید من المشاریع الاقتصادیة وهو ما اقتضى تسريح عدد من العمال الذين عاشوا بلا عمل مع ما يقاسونه من ظروف حياتية صعبة، فلم يكن من سبيل أمامهم إلا القیام بالإضرابات والاحتجاجات التي شاركها فيها معظم قطاعات الاقتصاد الایراني.

لم يكن هناك سوى المؤسسة الدينية التي يلجأ إليها العمال تعبيرا عن سخطهم على الشاه وحكوماته المتعددة التي لم تنصف العمال، وقد صادف هذا فرحة لتلك المؤسسة التي كانت أيضا غاضبة بل ناقمة على الشاه وسياساته؛ فقامت حركة اضرابات واسعة في قطاع النفط في الجنوب الإيراني ما بین عامي 1977 و 1979م، فشلت السلطة الحاكمة في قمعها، وكانت فرصة سانحة لرجال الدين أن يقودوا تلك الجموع الغاضبة نظرا لكون رؤوس الحركة العمالية من الفئات غير المهرة بالأمور السياسية، ویفتقدون الوعي الطبقي الصلب، غير أنهم في شهر شباط من عام 1979 استطاعت هذه الطبقة أن تطيح بنظام الشاه إلى الأبد عندما أضرب عمال النفط في مدینتي الأحواز وعبادان ، وأغلقوا أنابیب النفط الخاصة بالتصدير للخارج.

لم تكن وحدها الطبقة العاملة الإيرانية أو المرجعيات الدينية الإيرانية من أشعل لهيب الثورة ضد نظام الشاه بهلوي بل كان هناك دورا مماثلا ولا يقل أهمية عنهما وهو دور الفكر ورجاله وعلى رأسهم "علي شريعتي" مُنظر الثورة الإيرانية من خلال فكره السياسي الموجود في معظم كتاباته وخطبه الذي يرى أن بلاد العالم الثالث مثل بلده إيران في حاجة ماسة إلى ثورتين مترابطتين ولابد أن يتعاصرا في زمن واحد، أما الأولى فثورة وطنية مهمتها أن تقضي على كل أشكال الهيمنة الاستعمارية، وتعيد للحياة ثقافة إيران وهويتها الوطنية، وأما الثانية فثورة اجتماعية تقضي على كل أشكال الاستغلال، وتبيد الفقر والرأسمالية من جذورهما، وتعمل على إقامة اقتصاد عصري ومجتمع عادل ومتطور، ولاقت أفكار شريعتي في إيران أرضا خصبة ففي مجتمع ثقافته الدينية ثورية في جوهرها، تنسجم مع أهداف الثورة المزدوجة التي ينادي بها وطنيا واجتماعياـ وقد ألهمت بالفعل المؤمنين الحقيقيين محاربة كل أشكال الاستغلال والظلم الاجتماعي التي حدد شريعتي شرورها في: الإمبريالية العالمية او ما تتضمنه فيها من الشركات متعددة الجنسية، والإمبريالية الثقافية، الاستغلال الطبقي، والتغريب.

لهذا كانت مهمة شريعتي التي حددها لنفسه هي العمل على تكوين الفكر والثقافة اللذان يعملان على الوصول بالجماهير الإيرانية إلى أن يكونوا داخل الحالة الثورية، وتكون أهداف وغايات هذه ثورة أكبر بكثير من مجرد الإطاحة بالنظام الشاهنشاهي البهلوي، بل يكون الهدف هو تغيير النظام الذي لا يعرف المساواة، بل يعرف الظلم والاستغلال الاجتماعي، وأن يعاد بناء المجتمع على أسس جديدة في كل مرتكزاته، ومن أجل الوصول إلى حالة الثورة التي ينشدها علي شريعتي إيقاظ وعي الجماهير.

لم يفلح التسليح المتقدم، ولا القوات المسلحة، ولا السافاك، ولا علاقات الشاه محمد رضا بهلوي بالولايات المتحدة الأمريكية والغرب وإسرائيل في أن يحموه من غضبة الشعب الإيراني بكافة أطيافه ورجال الدين والأحزاب الشيوعية وطلبة الجامعة، مع محاولاته العديدة حتى في إقالة رئيس وزرائه وهو من أكثر أصدقائه أن يبعده عن مصيره المحتوم.

حاول رئيس الوزراء الجديد إقناع الشاه أن يوقف سيل التضخم بتقليص ميزانيات الجيش والتسليح لكنه رفض، في وقت تزداد الغضبة العامة التهابا عليه، وتتزامن مع تقدم الإمام الخميني نحو إيران لدخولها دخول الأبطال، ويحاول الشاه أن ينشئ حزبا يفرضه على الجميع أسماه "حزب البعث الإيراني" بعد أن أحس أن رجاله وأمريكا والأصدقاء قد بدأوا في التخلي عنه تدريجيا.

وانتهت الأحداث المتسارعة بقيام الثورة وخروج الشاه إلى مصر، بعد أن أقدم على العديد من اتخاذ القرارات التي تحاول تهدئة المتظاهرين دون جدوى، وسقط حكم الأسرة البهلوية الشاهنشاهية ليبدأ عهد الملالي، وتتحول إيران إلى دولة كهنوتية يحكمها الولي الفقيه عبر سلطة مطلقة إلى حين.

المصادر:

1ـ رزاق، فاتن محمد (2018)، الحركة النسوية الإيرانية قبل الثورة الإسلامية 1979 وبعدها (دراسة في الأهداف والمعوقات)"، مجلة مدارات إيرانية، العدد الأول، المركز الديمقراطي العربي، برلين، ألمانيا.
2ـ صالح، حقي شفيق (1967)، سقوط عرش الطاووس إنهيار القوات المسلحة الإيرانية في عهد الأسرة البهلوية، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة.
3ـ إسماعيل، محمد صادق (2010)، من الشاه إلى نجاد.. إيران إلى أين؟، العربي للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.
4ـ الساداتي، أحمد محمد (1939)، رضا شاه بهلوي نهضة إيران الحديثة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، مصر.
5ـ الشمري، ذيبان (1983)، إيران بين طغيان الشاه ودموية الخميني، مؤسسة المدينة للصحافة، جدة، السعودية.
6ـ مجذوب، طلال (1980)، إيران من الثورة الدستورية حتى الثورة الإسلامية 1906 ـ 1979، دار ابن رشد للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
7ـ ضحوة، غنية (2018)، السياسة الداخلية في عهد محمد رضا بهلوي 1941 -1979م، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة محمد خيضر، بسكرة، الجزائر.
8ـ محمد، نعيم جاسم (2011)، أوضاع الطبقة العاملة في إیران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي 1941 -1979م، مجلة أوروك للأبحاث الإنسانية، م4، ع2، كلية التربية جامعة المثنى، العراق.
9ـ الجبوري، فراس صالح خضر الجبوري والعبيدي، حسن علي خضير (2016)، دور المفكرين في قيام الثورة الإيرانية عام 1979م"علي شريعتي أنموذجاً"، مجلة الملوية للدراسات الآثارية والتاريخية، المجلد الثالث، العدد الرابع، العراق.
10ـ شاكر، محمود (2016)، إيران، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن