على سبيل الفرض والافتراض ح6

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2022 / 8 / 5

صدق من صدق وكذب من كذب وتولى بعض القوم مساعي الصلح والوئام فالقاتل والمقتول من أب واحد وأم واحدة، لا نصر هذا لأحد، بل عار يطوق الرقاب ويحني الرؤوس، وكلام العربان والتشفي بنا، لقد تقاتلت قريش فيما بينها وأكلت أولادها على ملك غير دائم وأمر ليس فيه سعي قائم ما خلا الدماء المسفوكة والأرحام المهتوكة، يا أهل العقل والرشاد هل من رجل فيكم ذو رأي وبصيرة وسداد، كيف لنا لا نقر للدم حرمة وللرحم وصله، أما والله أنها لعنة أصابت وطابت لها المنزلة فسكنت وأسكنت فيكم الحمية والنخوة، وأهدرت ما كنتم تزعمون من نصرة الغريب وإيواء الجائع والطريد، وها هو محمد أبن القوم وساداتهم سلمتموه للكراهية وضيعتم شرف القبيلة وصرتم بما فعلتم أصحاب الدنية.
نزل الخطيب من منبر الخطابة والوجوه واجمة تتصبب عرقا مما حدث، فلا العرب تخلت عن أبنائها ولا العربان سمعت أن قبيلة ما أهدرت دم أبناءها الكرام على مغام وفضائل يفخر بها البعيد قبل القريب، تسلل الواحد والأثنين ممن كان يستمع للرجال وهم يخطبون بالناس يقرعون ضمائرهم ويذكرونهم بأيام المجد والبطولة، سادات قريش تلقوا اللكمة الثانية في وجوههم بعد هزيمة رجالهم المجندلين على التراب، النساء أكثر نقما وحنقا من الرجال على ما دار ويدور، فمنهن من حملت الزوج والأبن والأخ وأنسحبت تاركة الجمع يتلوى بسوط العتاب المر، أما محمد وأنصاره فقد بلغت بهم المنعة والقوة حد الزهو فهم من حصد النصر والسرور وقد تفرق عدوه وأنكسر سيف الباطل، فحمدوا الله وسجدوا له شاكرين.
لقد من الله على الذين صبروا بما صبروا فوزا عظيما، لكن ألهة قريش لم تمن ولم تدافع عن عبيدها وأتباع كهنة المعبد، فصار لزاما أن تتخلى ألهة قريش عن مكانها لمحمد وربه، وما على الكهنة إلا السمع والطاعة، فقد أرسل الله جنده لمن عصى وأستكبر، فهب الرجال عظام الرجال على الآلهة الصغار والكبار بساعة، لم يبقى منهم شاخص ولا مثال، خيروا عبيد المعبد وكهنة الدين القديم بين الهجرة من مكة أو الجلوس كالعبيد في بيوتهم بعد أن خذلتهم أربابهم من حجر وألهه من تمر وطين، فمنهم من حزم أمره وعزم على الهجران لعل وعسى أن يعود الزمان، ومنهم من سلم الأمر واقرت نفسه بما حكم الميزان، الله حق فهو الذي كان يمد الآلهة بالمدد وعندما جشع من جشع وأنتهك من أنتهك حلت اللعائن وصبت المصائب صبا.
تغيرت ملامح العبادة في مكة وأختفى الصوت الذي كان يحرض على قتل محمد وأنصاره، الناس القادمة للتجارة أو الحج أو السؤال تقف مشدوهة مما حصل، كيف تهزم مكة وألهتها في عقر دارها دون حرب ولا جيوش ولا قرع طبول ولا رايات ترفع، لقد فتن محمد ليس أهل مدينة الله بل حتى القادم والخارج منها، هناك من يهمس سرا حائفا أو مشككا، هذا ليس فعل الله بل فعل السحر والسحرة سرعان ما يزول، فقد قال قراء الفلك وعلماء التنجيم أن الخسوف والكسوف آيتان جعلتهما الآلهة دواء لداء السحر، أنتظروا خسوفا قادم أو كسوفا يحدث عندها سيظهر من سحر القوم وخدع؟ ومن امسك بيد الأرباب وأشجع.
تفرغ النبي وأنصاره لتعليم الناس دينهم الجديد ومن دخل حديثا كان الأولى بالرعاية، وممن دخل وهو مرتاب يحتاج لسؤال وجواب، ومن دخل مؤمنا قد شرح الله صدره فيكفيه من الدين حلاوة الخطاب، إلا أولئك الذين شبوا وشاب عمرهم على خزعبلات الكهنة فقد أستعصى أمر إصلاحهم وتعذر تقويم متبناهم، فهم كالحجارة أو أشد منعا، لا يفقهون غير دين الأجداد ولا يتقبلون إلا حكم الأسياد، النبي لا يروق لهم فهو بلا عصا ولا مال ولا سلطان وهذا لا يأتلف مع حكم الكهان.
مرت أيام وشهور وسنون وقد ساد أهل مكة فتى شجاع يقال له محمد وقد أضحى لهم الرمز والعزة والكرامة، لا فقير بين أهلها ولا بينهم سيد وعبد ولا مالك ولا مملوك، الكل كأسنان المشط، تعلمت الأعراب بعضا مما جاء به محمد لكنهم ليسوا كما في مكة، البعض من الأحرار يرى في ما يجري أنتهاكا للحرية التي ولدوا عليها، فالناس مراتب ودرجات يخدم بعضها بعضا، ليس من العقل والحكمة أن تكون الأمة كلها سادة، فمن يلبي حاجاتهم وقد خلت من عبيدها وإمائها، البعض من العبيد يقول أن الله خلق آدم من طين ونحن وانتم سواء أبناء ماء وتراب، فمن فضلكم أمس ساواكم اليوم وكلنا لله عبيد، قال أحدهم والله ومنذ أن حل رب محمد على قريتنا صار للعبيد مجالس وللأحرار مدارس، لسنا بحاجة لرب لا يحفظ لنا عزتنا ولا يكرم ساداتنا، فلنودع هذا الرب ونعود لألهه تعرفنا ونعرفها وتحبنا ونحبها وما من بد ومحيص ليوم على عقل جد وحريص.
كبرت الهمسات وتعاظمت وصارت حديث الجلاس، وبدل أن تجد المنع والتهوين تحولت لقضية ومبدأ وكثر المناصرون من سادة كانوا وعبيد، يقولون ما عدى وما بدى حتى خالف محمد سنن الأولين والشرائع وطباع الناس، فقد وجدنا أباءنا وأباء أباءنا هكذا، فلا بد من العودة لها ولا من تدبير، خرج لهم رسول الله مناديا "يا قوم وقد كرمكم الله وقال إنما خلقتكم من نفس واحدة ولا فضل لأحد على أحد إلا بما يعطي للناس من خالص النفع وجدير الأحترام، لا تجعلوا الشيطان يزين أحلامكم كما زينها لأبويكم من قبل وقال إني جار لكم، فلما توليتم تولى وفال إني برئ ما تعملون إني أخاف الله رب العالمين، الناس للناس من بدو ومن حضر وخير الناس ليس السيد المطاع ولا الفارس الشجاع بل خير الناس من نفع الناس"، رددها كثيرا ولا من مجيب أستجاب، وغزوة الشيطان تدلف من باب وتخرج من باب، والكل أما شاك أو مرتاب.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن