دور وأهمية اللغة في الإبداع الأدبي الشركسي المعاصر

امين حافظ
zhafez82@yahoo.com

2022 / 8 / 5

الروائي والشاعر أصلان بسيغوسوف مثالاً
أثار د. خالد حسين على الفيسبوك موضوع الكتاب الكرد الذين يكتبون بلغة الشعوب التي يعيشون وسطها أو بلغة أخرى غير الكردية ويتساءل هل أصبح هؤلاء الكتاب من قومية اللغة التي كتبوها؟ لقد اعجبتني المقالة والتعليقات التي جاءت عليها ففيها تشابه كبير لأوضاع الكتاب الشراكسة في الوطن الأم تشركيسيا وفي بلدان الشتات. ويمكن تعميمها على شعراء وكتاب شعوب شمال القفقاس.
- بداية يجب الاعتراف أن المشكلة محصورة بالشعوب والقوميات التي تعيش بعضها على غير أراضيها التاريخية وأخرى لم تصل بعد لمرحلة بناء مؤسسات الدولة المستقلة كالأكراد والشراكسة الذين لا يدرسون بلغتهم القومية، بل بلغة البلد الذي يعيشون فيه وهي إما الروسية أو العربية أو التركية أو الفارسية.
- ليس صحيحاً أن اللغة المهد لا تموت فهي تتأكل تدريجياً وتحل مكانها لغة المدرسة والتلفاز والتقنيات والمجتمع.
- اللغتان الشركسية والكردية هما لهجويتان ومتباينتان من منطقة لأخرى وليس فيهما لغة أدبية وأبجدية واحدة، لذلك لا يمكن مقارنتهما مع اللغتين العربية أو الروسية لا بغزارة وسعة المفردات وتراكيب الجمل الأدبية ولا المدارس الأدبية ومؤسساتها.
- التربية والتعليم بغير اللغة القومية يؤدي حتماً لانقراض اللغة ثم القومية.
- لا تسمح الحكومات التي يعيش فيها الأكراد (ما عدى إقليم كردستان) ولا الشراكسة (ما عدى الوطن الأم تشركيسيا) أن يدرسوا ويتعلموا بلغتهم القومية.
تمر حركة الثقافة العالمية مؤخراً بحالة انعطاف يشتد طرداً مع زيادة سيطرة عدد محدد من اللغات العالمية القوية بثقافاتها وإعلامها وعلومها وتقنياتها، كما تسعى مؤسساتها الثقافية السيطرة نهائياً على الثقافات الخاضعة لها أو لنفوذها ومحاولة استبدال لغاتها القومية بلغة الطرف الأقوى والمسيطر تمهيداً لابتلاعها وإذابتها في بوتقة القومية المسيطرة أو أي مركز أو طرف عولمي، كما هو الحال لدى شعوب شمال القفقاس والطرف الروسي، أما بالنسبة للأكراد فالوضع أخطر من ذلك ويتحول لمشكلة مستعصية لا يعرف أحد مستقبلها. يكتب المبدعون الشراكسة في الوطن الأم بلغتين هما الشركسية والروسية وقد لوحظ مؤخراً تزايد أعداد الكتاب الشباب المتخرجين من الجامعات الروسية المختصة الذين يفضلون الكتابة بالروسية ووصلت هذه الظاهرة لمستوى الحوار العلني، ثم انتقلت لنقاش حام ملفح بسخونة شوفينية من جهة وكوسموبوليتية مترصدة من جهة أخرى وشارك فيه عدد كبير من العلماء والباحثين والكتاب القفقاسيين والروس وتمحور حول المسائل التالية:
1- هل تعتبر ظاهرة كتابة الروائي القفقاسي باللغة الروسية صحية وواقعية أم خطرة؟1
2- هل يسعى المبدع القفقاسي للوصول بسرعة إلى الالمية عبر تركيز إنتاجه باللغة الروسية؟
3- ألا تحمل الكتابة بالروسية أي ملامح وتوجهات عولمية مبرمجة تسعى لفك ارتباط القومية بالثقافة عبر إلحاق الأخيرة بطرف عولمي روسي؟ وليس خفياً على القفقاسيين أن روسيا ومنذ الحروب الروسية القفقاسية /1763 – 1864/م. وبعدها ما زالت تسعى بكافة السبل لروسنة شعوب شمال القفقاس وتنميط ثقافاتها، وينحاز في هذه المسألة بعض الكتاب التقدميين والقوميين الشراكسة لصالح مشروع السلفية الإسلاموية التكفيري ويعتبرونه مقبولاً وقادراً على مجابهة الهجوم الثقافي الروسي ولو مؤقتاً لأن الحامل الأيديولوجي الديني صدامي ودموي في صراعه وعدائه في تعارضاته مع الدين المسيحي أكثر من التعارضات والتمايزات السلمية المينتالية (أنماط ذهنية التفكير) بين الروس والشراكسة.
4- ما هي أفضلية وشرعية الكتابة باللغة الروسية، ثم الترجمة إلى الشركسية؟2
5- ألا يلعب الكتاب والشعراء القفقاسيون ومنهم الشراكسة الذين يكتبون بالروسية دور حصان طروادة الثقافي ويمهدون دون أن يدروا للروسنة النمطية الثقافية؟
6- ما مدى خطورة هذه الظاهرة الثقافية في شمال القفقاس؟3
أنا قلق شخصياً من انتشار هذه الظاهرة علينا ومن خطورة سرعة توسع دائرتها ومغرياتها المالية والمعنوية وخطورة هيمنتها على الحركات الثقافية والصالونات الأدبية وخاصة الشراكسة والجيجانية والأوسيتية لوجود أكثر من كيان إداري – قومي لها في شمال القفقاس وحيث تجري الأمور حالياً لإعادة تقسيم المقسم وخلق المشاحنات و الصراعات القبلية و الاثنية وتعزيز أداب اللهجات المحلية والسعي لنقلها لمستوى اللغة الأدبية للقبيلة باعتبارها صارت قومية مستقلة وخلق أبجدية ومؤسسات ثقافية صورية لها تعمل على روسنة الثقافة الإثنية وإدخال قواعد لغوية وأدبية روسية هجينة إليها وضخ المفردات وتراكيب الجمل الأدبية إليها بشكل اعتباطي وتقليد المدارس الأدبية الروسية في الرواية والقصة والشعر.
أسأل الكاتب: أنت تقول بأنك تفكر بالشركسية وتكتب بالروسية فلماذا لم يخطر على بالك تقديم عمل باللغة الشركسية ثم ترجمته إلى الروسية فيكون شاهداً لك أمام القراء والنقاد؟
لم تعر حركة النقد الأدبي أي انتباه لكتابات أصلان في البداية، وعندما اًصبح إنتاجه غزيراً ومتنوعاً لفت انتباه الكتاب والنقاد له وتساءلوا من هو يا ترى، وكيف اقتحم عالم الأدب، وماذا يريد؟
1- هل هو مجرد محرض ونباش شعبوي للتاريخ الشركسي المتقطع زاد وأضاف مواضيعه الحساسة والخطيرة المغمورة قسراً من قبل المؤسسات المحلية والمركزية والأرشيف الروسي؟
2- وهل يصح نعته بالنباش لأنه بمجرفته الأدبية الحادة صار يحفر ويقلب في الحفريات الخطيرة من التاريخ الشركسي؟
3- أم لأن أعماله ذات مستوى متدني شعبوي لا تليق بالثقافة الرفيعة؟
لكن الأمر ليس كذلك فالأسواق الثقافية تعج بها ووصلت بسهولة للنشر لمجرد أنها كتبت باللغة الشركسية، ثم لماذا لا يعبر هؤلاء النقاد عن أرائهم في الصحافة الأدبية النقدية بجرأة وشفافية.
- هل في كتابات أصلان حرن أو توجه سياسي معارض، وتلميحات لا تتماشى مع السياسة الثقافية الرسمية لروسيا أو للجمهوريات الشركسية؟
5- وهل أدت كثرة الاعتراضات والنقد للكتابة باللغة الروسية ومهدت لحدوث فوضى ثقافية أحدثت ثغرات ساهمت في نشر أدب ذو مستوى متدني لمجرد لأنه كتب يالشركسية؟
لم يسلم شخص أصلان وسيرته الذاتية من التداول في حركة النقد الأدبية، فهو رجل أعمال حرة واختير كأفضل مدير أعمال في روسيا عدة مرات وحاز على وسام أفضل مدير أعمال في روسيا لعام /2000/م. وفجأة دخل عالم الأدب بقوة، وهو نائب عن منطقة تيريك لمرتين وقدم أكثر من /15/ عمل أدبي خلال سبعة سنين قال بعدها:
أنا روائي وشاعر ولست مؤرخاً وأكتب في التاريخ والأساطير الحثية والنارتية وأسعى من خلالها لإعادة التعريف بأجدادي وأسلافي وثقافاتهم ولكن عبر شواهد علمية تاريخية هذه المرة وآثار ومخطوطات وآراء العلماء القدامى والمعاصرين وعبر أسطورة نارت المحفوظة في مكتبة الذاكرة الشفاهية في عقول الشراكسة4.
يستشهد د. بروفيسور حاكوشيف من جامعة مايكوب في مقدمته لروايته أصلان الأسطورية "ساوسروقه ابن الحجر" ص6 ويقول إن العالم الروسي ليتيتسينكي المختص بالأدب الإبداعي الشفاهي القفقاسي قال:
إن الفلكلور القفقاسي وخاصة أسطورة نارت تعتبر منبعاً غزيراً لا ينضب للكتاب القوميين.
لقد قيل هذا الكلام قبل حوالي مئة عام في زمن لم يفطن له المبدعون القفقاسيون ولم يلتقطوه وخاصة الشراكسة الذين لم يهتموا به ولم يعيروه حقه من النقد والمراجعة، حتى أن أسطورة نارت الشركسية لم تكن وقتها تعتبر مصدراً للروايات الأسطورية الشركسية.5
في رواياته التاريخية والأسطورية يسرد الكاتب حكمه وأقواله المأثورة على لسان إحدى شخصياته، أو يجعلها مقدمة لفصل جديد كما في روايته "القيصر الحثي بيتحانا" التي يقول فيها:
الأساطير الحاثية والحثية وأسطورة نارت الشركسية هي نتاج ثمرة واحدة ناضجة لشجرة الحياة المشتركة.6
قبل أن يكتب أصلان روايته "ساوسروقه ابن الحجر" أعاد قراءة أسطورة نارت الشركسية وكل الدراسات النقدية عنها وغاص كثيراً في خبايا شخصية البطل العجائبي (نصف الإله) ساوسروقه، ثم باشر كتابة روايته وقال رأياً في ساوسروقه لم يقله غيره من الكتاب والنقاد أبداً، وكان رأيه جريئاً عند قراءة شخصية البطل الغامضة، حيث وجد فيها صفاتاً سلبية مرت على القارئ العادي بعفوية وهو منشرح الصدر ومتمتع بتحليقه في سماء الأسطورة في أجواء ريتسرية، أما الكاتب فقد عمد لتنزيل البطل وهو على حصانه الطائر إلى الأرض وسلط الضوء على تفاصيل شخصيته وشرح مزاجه البشري المتقلب والقلق والمتعجرف أحياناً، ثم وضعه على طاولة النقد ليظهر كل ما في شخصيته من تناقضات بشرية – إلهية وصفات سلبية كالكذب والجبن والوضاعة والانتهازية وقبوله أن يصبح عبداً لخصمه عند الضرورة، واستنتج الكاتب أن البطل في بعض جوانب شخصيته يظهر الخداع وإمكانية التملق وكلها صفات متلازمة مع الشجاعة والمروءة والبسالة والفطنة والجرأة والكرم والدفاع عن الضعفاء بلا مقابل وعن شعب نارت، لكنه لم يغفر للبطل سلبياته والتناقضات في شخصيته واعتبرها مخالفة للدستور الشعبي الشركسي (أدغه – خابزة) غ = ج مصرية، خ مخففة أو منظومة العادات والتقاليد والأعراف الشركسية، ومع ذلك فنحن نلاحظ أن معظم القراء يغفرون صفاته السلبية ويطربون ويحلقون معه عند سماع أو قراءة مزاياه الإيجابية والريتسرية7.
يسرد سوسروقه لأمه ستناي شعراً أحواله في نزاله الأول حتى الموت مع البطل نصف الإله توترش، وتقول القصيدة الطويلة (حوالي 1200 مقطع شعري) كيف رماه لساوسروقه عن حصانه ووضع السيف على رقبته وكيف أعتقه بعد أن بكى وتملق توترش كثيراً أو عرض عليه أن يصبح عبده، وهذا المقطع أضيف على ما يبدو للقصيدة في مرحلة الرق الإقطاعي لأن مجتمع نارت الأسطوري لم يكن فيه عبيد وأسياد وخاصة في الفصل الأساسي الأول والأكبر ستناي وساوسروقه الذي تزامن مع مرحلة الأمومة في العصر الحجري الحديث وربما المتوسط.
أنغام الاغنية الحزينة
يتدفق صداها بنعومة ورشاقة
وإيقاع منتظم
في السهوب والوديان العميقة
الشمس ساطعة وحارقة
كان حصان سوسروقه تخوجيي عطشاً
يجر نفسه بصعوبة
النارتي ذو الخوذة الحديدية
يعود لبيته خائباً
ضعيفاً يتمايل فوق صديقه8
يصف سوسروقه القتال لأمه ويقول شعراً:
اختفى وراء زوابع البوادي
فصرخت على كلبي السلوقي
لكنه عاد إلي هارباً
ثم هجم علي بحصانه
عرج حصاني تخوجيي قوي البنية
وتوقف عقلي من الخوف
وفجأة خطف رسن حصاني من يدي
ولوح برمحه نحوي
فلامس جسدي
وكسر إثنين من أضلاعي
ورغم كل ما جرى لي
كنت جاهزاً للقتال الفردي
لكنه وبسرعة خاطفة
رفعني بيده نحو السماء
ثم قذفني إلى الأرض كالعشبة اليابسة
وجرجرني وفلح بجسمي التربة
تشنج جسمي من الألم ومن هول الصدمة
سالت مني دماء غزيرة
ومن مقلتي فاضت دموع كثيرة
أغرقني في عرقي ذلك الثور الهائج
واندلق من صدري كل الحليب الذي شربته
وأعترف لك سراًيا أماه
أنه انتزع شاربي ورماه في غبار طريقه
وكاد أن يخلصني من حياتي التافهة
وبضربة سريعة
أسقط سيفي من يدي
وحانت لحظة قطع رأسي
فقررت تملقه
وأصبح عبده9
وبعد أن تملق توترش كثيراً وكذب عليه مدعياً أن النزال كان في يوم عيد عصر العنب حيث يحرم القتال والقتل في شعب نارت وطلب الرحمة وتأجيل النزال لثلاثة أيام:
فكر الفارس الأسود في تملق ساوسروقه
ثم أجابه بازدراء وغضب
ثلاثة أيام كثيرة على حشرة مثلك
غداً في بداية الشروق انتظرك هنا للنزال
فإن لم تأت ستبقى طوال حياتك
ممهوراً بالجبن والذل والأسى10
تبرز هنا الصفات الريتيسرية الراقية لدى توترش ومنها النبالة النارتية والشرف الرفيع، وفي المقابل يظهر سوسروقه جبنه وتملقه وخداعه وكذبه ويوافق أن يصبح عبداً لتوترش حتى لا يقتله. أظهر توترش قدرة عالية من الصبر والعفو عند المقدرة كبطل نارتي أصيل، ولعله كان يزدري سوسروقه ولا يعبره وينظر إليه نظرة دونية فهو شاب متغطرس لقيط وابن رعاة البقر، بينما هو الفارس الأسود الذي يهابه كل فرسان شعب نارت وهو نصف إله أصيل من أبوين من الفرسان أنصاف الآلهة11.
عندما عاد سوسروقه لأمه وذكر لها ما حدث عرفت خصمه وقالت : إنه توترش الشرير اللعين يابني أقوى فارس نارتي بالقتال الفردي بالسيف على ظهور الأحصنة، فقامت بوضع مئة خلخال على بدن ورقبة وأطراف تخوجيي حصان البطل لترعب بها حصان توترش (وهذا ما حصل فعلاً)، كما خاطت النساء درعاً إضافياً لساوسروقه مصنوع من جلود الثيران الإلهية المقاوم لاختراق الرمح والسيف والسهم. وحذرته من كثرة الكلام مع الخصم عندما يضع سيفه على رقبته وأوصته أن يقطع رأسه فوراً ويجلبه ليسلمه لأهله.
عندما خاف حصان توترش من الضجيج وعرف أن هذا اليوم سينتهي بقتل صاحبه استدار وهرب لكن صاحبه شد الرسن وأعاده لميدان النزال وقال له:
ما بك أيها الحصان
هل أنت فعلاً جبان
لتهرب من الميدان12
وعندما عاد حصانه إلى المعركة هجم "تخوجيي" وضغط على "جه – لخو) حصان توترش وكسر له فكه وأضلاعه ووقع مع صاحبه على الأرض فهجم عليه سوسروقه ووضع سيفه على رقبة توترش الذي قال شعراً
إيي أنت، أنت يا سوسروقه
يا فارس زمانك
ويا أقوى الأقوياء
لقد اعطيتك فرصة واحدة
فردها لي هذه المرة
وسيكون هذا اليوم نوراً وضياء
فأجابه سوسروقه بجفاء
هل نحن أطفال نلعب لعبة البراءة
ونستمر طويلاً في تأجيل المسألة
وماذا أقول للأخرين
وكيف سأنظر في عيون النارتيين
أنت عدوهم اللعين
وتريد مغادري حياً
صرخ سوسروقه بأعلى صوته
فارتجت الجبال والوديان
وقطع رأس توترش
ووضعه في (خرج) جراب سرجه
ووجه حصانه نحو أهله13
تتبادر للقارئ بعد قراءة القصيدة كلها أفكاراً وخواطر عديدة أهمها:
ترى لماذا تحمل شخصية البطل نصف الإله هذه الصفات المتناقضة التي تتعايش في شخصيته البشرية – الإلهية؟ وهل هي من صلب مواصفاتهم الأسطورية أم أنها انعكاسات للجانب البشري من شخصياتهم؟
نجح أصلان تاريخياً واثنيا من خلال رواياته التاريخية والأسطورية في تثبيت وحدة الانتماء النارتي الشركسي والحثي ووحدة الجنس السلالي الحاثي والحثي والكاسك والحنبوخ والميؤت وزيخو – أدغه وأنهم كلهم الأجداد القدماء للأدغه (الشراكسة) المعاصرين.
في كل فصول روايات أصلان حكم وأقوال مأثورة تشكل مجلداً مستقلاً جميلاً وفريداً بنوعه:
- تمزق الأفكار المكنونة أحياناً والمتناقضة غالباً القلب أكثر من الضمير الذي يشرد غالباً وينفي زوراً أمام أحكام الإدراك المسيطر.
- الحروب على الأرض رماد التاريخ.
- جذور الشجاعة معظمها من أرواح الأجداد.
- النجاح يخلق الأجنحة والمجد يحرقها.
- الشجاعة هي السيف والفطنة غمده.
- قولوا لي أيها الآلهة من يستحق الحياة إذا لم أكن أنا.
- الثمرة تنضج وجذورها تعتق.
الكاتب في حكمه وأقواله المأثورة لا يضع حلولاً، بل يطرح أفكاراً من خلال حوار شخصيات رواياته14.
يلاحظ القارئ دواوين وروايات أصلان أن لغته الكتابية خاصة وجديدة ولعلها موازية للغة الواقع ومكتوبة بلغة روسية أدبية راقية شبه أسطورية متطورة عن لغة قدماء الشراكسة وفي دواوينه الشعرية نتعرف على أسلوب فن نظم الشعر السداسي الشركسي القديم وغيره كما يزين قصائده بتركيبات وصور شيقة ولغة روسية ليست واقعية لكنها راقية.
تسود الغيوم من الحقد الحالك
تنعم بجمال الشمس وحسنها
تتغطى الشمس بضباب أسود وتبكي
تذرف دموعها وتقسم بأنها
لن تكون الشمس بعد الآن15
لا يشعر قارئ قصائد أصلان بأنها تختلف عن القصائد النثرية النارتية حتى أن الإبداع فيها متشابه ولا يأتي فقط من لغة القصيدة، بل ومن حسن رسم اللوحة الشعرية وانتقاء الأفكار الصافية وتسلسلها وأسلوب نظم الشعر ونطقه حيث تشكل أصوات الحروف والكلمات هارموني شيق، كما أن الكلمات رصفت بمهنية راقية في الجملة الأدبية في المقطع الشعري، وهو تحد لغوي إذا صح التعبير لم يقدم عليه حتى الآن أي شاعر روسي.
لماذا يقول إن الصخر هو جماد ميت
فهو يغتسل يوميا بندى الفجر
ويبكي الصخر بدموع نقية
ومن كربه يتغطى بالزق (الطحلب) الأسود
وفي ديوان أخر يقول:
- الشيخوخة هي مكان يبني فيه الموت عشه
ولن تغريه بالأحمال الثمينة لتحيده عن أهدافه
هو لا يعترف إلا بمخزون واحد هو كيس من الفطنة
- حقيقة القوي في ذراعه
وحقيقة الذكي في حلوله الصحيحة15
عندما كتب أصلان في مقدمة أحد فصول رواياته الجملة التالية:" كل الشعوب متساوية وكلها تعشق الحرية والاستقلال".
اعتبرته بعض الأوساط الأدبية أنه يحشر أنفه كثيراً في السياسة وينبش في التاريخ ويتخيل مستقبلاً للشراكسة لا وجود له في الواقع العملي.
وجاء هذا القول بعد سقوط ثورة أكتوبر الاشتراكية وبداية تشكل تربة ثقافية ملائمة لانتشار أدب الليبرالية الغربية وثقافتها العولمية التي سعت لإلغاء ثقافات الشعوب والقوميات الصغيرة فحدث العكس وخاصة في الادب بعد انزياح الكابوس الثقافي السوسلوفي، لذلك لا اعتقد أن أصلان من انصار الثقافة النمطية العولمية، بل هو مع تيار تأييد التبادل الثقافي – اللغوي وتلاقح الأفكار بلا حدود بين الروس والشراكسة وبقية شعوب شمال القفقاس، لكنني لا أوفقه أن يكون تبادلاً حراً بلا ضوابط ولا حدود لنحافظ على لغتنا وثقافتنا القومية الشركسية، أما الانفتاح المنفلت الأخر فقد عبر عنه الناقد والكاتب الروسي ميخائيلوف في تعليقه على كتاب أصلان "ساوسروقه ابن الحجر" وقال بصريح العبارة:
كل من يكتب الأدب باللغة الروسية يحق له أن يصبح كاتباً روسياً مهما كانت قوميته ويعتبر شخصاً روسياً.
إنه خطاب سياسي صريح لأحد أبرز ممثلي التماهي الثقافي الروسي مع الذهنية العولمية والاحتواء والتذويب في البوتقة الروسية. يسكب ميخائيلوف سمومه الثقافية ويخلطها في بوتقة الديماغوجية ليلغي الفرق بين الانتماء للوطن القومي تشركيسيا والانتماء لروسيا الفيديرالية باعتبارها الوطن الكبير، ثم يسحب منه هويته القومية غير الروسية ويجعله روسياً لمجرد أنه يكتب باللغة الروسية، إنها قمة النفاق الشوفيني الذي يصل لحد العنصرية.
اشترك في الحوار الناقد والكاتب الأوسيتي المعروف سوسلان وهو من أكثر النقاد تشدداً وضد الكتابة باللغة الروسية ونصير إعادة إحياء لغات شعوب شمال القفقاس وإلزامية التعليم من الروضة وحتى الجامعة باللغة القومية واعتبارها لغة رسمية إلى جانب الروسية في الدوائر الحكومية، كما يطالب بإعادة قراءة تاريخها وإنعاش ثقافاتها الإثنية وتشجيع الصحفيين والكتاب والشعراء على الكتابة باللغة القومية حتى ولو كان مستوى الإبداع متواضعاً في البداية، لكن الحقيقة والواقع يجريان بخلاف ذلك والمعايير الأدبية الجمالية والأخلاقية للكتابة ليس من شروطها لغة الكتابة رغم أهميتها، بل الأسلوب الإبداعي الذي ينفرد به الكاتب وصحة ملامسته روح شعبه وتبنيه لطموحاته ومستوى رصده لمشاكله وفهمه الدقيق لتبدل المزاج الشعبي وأسبابه وملاقاته في العمل الأدبي وطرح التساؤلات حوله، ولا أعتقد أن للغة الكتابة ذلك التأثير على قوة طرح الأفكار وبناء الصورة الشعرية أو الحبكة القصصية ونحن نقيم العمل الفني والأدبي لمحتواه وليس للغته.
شروط سوسلان خطيرة في حال تطبيقها على الثقافة القومية وخاصة إذا تبناها الكبار وطبقوها على القوميات والشعوب الصغيرة وهي خطيرة على حركة الإبداع كله وقد تشوهه وتقودنا لدهاليز المكارثية الثقافية العفنة وسياساتها القمعية – الانتهازية التي سيطرت على أمريكا في الربعين الثاني والثالث من القرن الماضي، ولدينا أمثلة حية في انتاج المبدعين حمزاتوف، أيتماتوف، حداغاله عسكر. اسحق ماشباش وأضم إليهم أصلان بسيفوسوف.
يقول حمزاتوف:
- من لا يعرف لغة قومه لا يمكن أن يكون شاعرهن.
- لقد ولد الشاعر قبل خلق العالم بمئة عام.
- أروع الجرار تصنع من الطين العادي وأروع الأشعار من الكلمات البسيطة
- الأشعار التي تكتبها مرة واحدة سترددها العمر كله لأنها أصل الأسطورة16
جوهر الكتابة هو إظهار الحس والمزاج القومي وبدونهما وبغياب الموهبة والمؤهلات والحرفية الراقية والذخيرة اللغوية فالكتابة لن تصبح إبداعية وخاصة إذا كان هواؤها المستنشق خانقاً وروحها لا طعم قومي خاص فيه17.
كتب يارابولسكي عضو اتحاد كتاب روسيا مقالة حول كتاب ساوسروقه ابن الحجر وردت في نفس الكتاب ص151-152 يقول فيها: أن الناقد الأدبي الروسي د. تسيبكو اعتقد أن الطباع والأمزجة والخصائص الثقافية القومية ليست ثابتة ولا دائمة، وأنا أظن أن د. تسيبكو لو عاش الآن لأعتقد أن كتابات أصلان تسير في نفس الاتجاه (أو ربما هكذا يريده أن يكون) لذلك أدعو لإعادة تشريح الثقافة القومية الشركسية على طاولة المراجعة والنقد واستبدالها بتصورات جديدة أو جهات نظر قومية واختيار ما يناسب منها لكل زمان ومكان ليحافظ الشراكسة على أنفسهم كإثنية مستقلة في ظروف الحياة المتغيرة.لقد وضح الأمر، فالمطلوب هو استبدال الثقافة الشركسية بالروسية وانتهى.
إنه عرض مغر أخر مبطن بنزعات ليبرالية مرنة تسهل الانتساب لصالونات الثقافة النمطية العولمية الساعية اليوم لابتلاع الصغار باسم الديمقراطية والتقدم سرعان ما تكشف عن وجهها الحقيقي وتتحول لغول متوحش وقوة طاغية مدمرة مماطلة ومعارضة لأبسط حقوق الإنسان وحقه في تطوير لغته وثقافته الإثنية وحقه في التعبير عن ذاته القومية وتقرير مصيره.

أمين حافظ مايكوب 20/11/2021

مصادر ومراجع:
1- 2 – 5: د.بروفيسور حاكواشييف، مقدمة رواية سوسروقه ابن الحجر. نالتشك 2008 ص6-7.
3- 4 –7 – 11- 14-15: العالم والأكاديمي الأبخازي زوخبا، مقالة باسم "بعض خواص روايات الكاتب أصلان بسيفوسوف". صدرت مع مجموعة مقالات في كتاب صادر عن وزارة التعليم ومعهد الجمهورية للدراسات الإنسانية في مايكوب مكرس للذكرى 75 لولادة الكاتب والباحث الشركسي شمس الدين خوت. مايكوب 2011 ص246 – 250 – 252.
6: أصلان بسيفوسوف، رواية القيصر الحثي بيتحانا، نالتشك 2005.
8 – 9 – 10 – 12 – 13: أسطورة نارت. سبعة أجزاء. قصة كيف تغلب ساوسروقه على توترش، ت. أمين حافظ.
16: رسول حمزاتوف، من ديوان داغستان بلدي، ت. ملوحي وحلاق.
17: حامرزوكوفا مع نفس الكتاب الذي وردت فيه مقالة العالم الأكاديمي زوخبا ص 219.
تخوجيي – حصان ساوسروقه الأسطوري، يطير ويتكلم مع صاحبه ويشارك في وضع خطة النزال الفردي.
جه – لخو – حصان توترش الأسطوري، يطير ويتكلم مع صاحبه ويشارك في وضع خطة النزال الفردي، ج = بدوية.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن