صور تطبيق الديمقراطية 1 – 3

سعد سوسه
Saadalsultan5@gmil.com

2022 / 8 / 3

ثانيا المظاهر الثانوية . وتشمل:
1. عزل رئيس الجمهورية : وذلك إذا طلب عدد معين من الناخبين مثل هذا الأمر ثم يجري الاستفتاء بعد ذلك عليه , إذ يجوز لعدد معين من الناخبين أن يطالبوا بعزل رئيس الجمهورية قبل انقضاء المدة المقررة لحكمه وهذا ما كان يتضمنه الدستور الألماني سنة 1919م .
2. طلب إعادة انتخاب نائب : حيث تقرر بعض الدساتير الحق للناخبين في عزل نائبهم أو عدد معين من النواب وإنهاء ولايته قبل انقضاء أجلها القانوني . ونظرا لخطورة الإقالة فقد صرحت بعض الدساتير على وضع ضمانات مهمة , منها أن يوقع على الإقالة خمس الناخبين ( 24 ) . وإيداع مبلغ معين من المال (كفالة) من قبل الناخبين , وذلك على سبيل التأمين لتغطية مصاريف النائب الانتخابية أذا ما فاز في الانتخابات التي أجريت بناءا على طلبهم . ويستعمل هذا الأسلوب في الولايات المتحدة الأمريكية , وقد نص عليه لأول مرة دستور لوس أنجلس سنة 1930م , ويجد هذا المبدأ تطبيقات تختلف من دستور لأخر , ففي الوقت الحاضر تنص دساتير ثمان ولايات على تطبيق الإقالة على كل من يقوم بوظيفة عن طريق الانتخابات ( 26 ) .
3. حل المجلس النيابي : ويسمى أيضا الحل الشعبي , حيث يشمل العزل في هذه الحالة كل أعضاء الهيئة النيابية (البرلمان) بناءاً على طلب عدد معين من الناخبين وبنسب معينة يحددها الدستور, ثم موافقة الشعب على ذلك .فإذا نال النسبة المطلوبة يحل البرلمان وتجري انتخابات نيابية جديدة لاختيار نواب جدد , أما أذا رفض الشعب مسألة الحل أعتبر ذلك بمثابة تجديد للثقة بالبرلمان وبناءا على ما تقدم يمكن أن نلخص سلبيات النظام الديمقراطي شبه المباشر وإيجابياته بما يأتي :
أولاً :السلبيات
• أن هذا النظام يتطلب وجود هيئة ناخبين يمتلكون ثقافة قانونية وأكاديمية عالية تؤهلهم لمناقشة واقتراح القوانين التي يسنها ويشرعها البرلمان , فالثقافة والخبرة الواجب توفرها في مثل هذه الحالات لا تتوفر عادة إلا في عدد قليل من هيئة الناخبين .
• أن الاحتكام إلى الشعب في كل صغيرة وكبيرة يفسد الكثير من الأمور والقضايا المهمة , كما أن ضرر اشتراك الشعب في كثير من الحالات أكثر من نفعه .
• أن تكرار دعوة الشعب للاشتراك في المسائل العامة يعد مضيعة لوقته , كما أن كثرة دعوة الناخبين لأجراء الاستفتاءات يؤدي إلى إدخال الملل في نفوس الكثير منهم مما يؤدي إلى عدم جديتهم للمشاركة أو يدفعهم إلى التراخي في أبداء أرائهم .
• أن هذا النظام قد يرهق ميزانية الدولة ويكلفها ما لا تطيق نتيجة الحاجة إلى أجراء الكثير من الأستفتائات الشعبية , أو أعادة الانتخابات البرلمانية .
• استغراقها فترات زمنية طويلة لإقرار أو إلغاء القوانين وهناك بعض المسائل والأمور تحتاج إلى السرعة في البت فيها أو إقراراها , وقد تنتهي الفائدة المرجوة منها أذا ما عرضت على عامة الشعب.
ثانياً: الإيجابيات
وبالرغم من وجود الانتقادات على النظام الديمقراطي شبه المباشر إلا انه يعد من أفضل النظم الديمقراطية , إذ انه أقرب إلى الديمقراطية المباشرة من حيث مراعاة أرادة المجموع وتحقيق مبدأ السيادة الشعبية ويكفل تحقيق رغبات الناخبين مع اشتراط وصولهم إلى درجة عالية من الرقي السياسي يؤهلهم للمشاركة الحقيقة في عملية صنع القرار وتحمل المسؤولية الملقاة على إعتاقهم , وعليه فأن إيجابيات هذا النظام يمكن أجمالها في النقاط الآتية .
• مشاركة الشعب بجانب البرلمان في ممارسة السلطة السياسية .
• اتفاق القوانين التي يشرعها البرلمان لرأي وميول ورغبات الغالبية العظمى من الشعب مما يكفل حسن تنفيذها وبقائها أمدا طويلا .
• يحول هذا النظام دون استبداد الأغلبية البرلمانية , حيث أن بإمكان هيئة الناخبين التدخل في أعمال الأغلبية البرلمانية والوقوف واعتراض سبيلها فيما لو أقرت عملا لا تقره أغلبية هيئة الناخبين .




رابعا: الديمقراطية التوافقية (Consensus Democracy)
الصورة الرابعة من صور تطبيقات الديمقراطية والتي شاع تطبيقها واستخدامها باعتبارها أحد أنظمة الحكم الديمقراطي في بعض المجتمعات الغربية ذات خصوصية معينة نابعة من كونها مجتمعات تعددية لم تتمكن من اعتماد نظام الديمقراطية النيابة .
والمجتمع المتعدد هو المجتمع المجزأ بفعل الانقسامات الدينية أو المناطقية أو اللغوية أو الجهوية أو الثقافية أو العرقية, كما أنه المجتمع الذي تنتظم بداخله الأحزاب السياسية، ومجموعات المصالح، ووسائل الإعلام والمدارس، والجمعيات التطوعية، على أساس الانقسامات المميزة له ( 27 ) . أو هو المجتمع المقسم وفقاً لما يطلق عليه الانقسامات القطاعية. والانقسامات القطاعية يمكن أن تكون ذات طبيعة دينية، أيديولوجية، لغوية، إقليمية، ثقافية، عرقية، أو أثنية ( 28 ) .
فمن سمات المجتمع ألتعددي أو المتعدد وجود التنوع والتباين الثقافي والأيديولوجي والعرقي والأثني أو الديني والمذهبي واللغوي, والمشكلة هنا لا تكمن في وجود التنوعات في مثل هذه المجتمعات بقدر ما هي في شكل انتماءات أفرادها لهذه التنوعات ودور نخبهم في تحديدها، فالغالبية منهم يقعون في الجانب السلبي منها وذلك بتقديمهم لولاءاتهم وأنتمائاتهم الأولية والفرعية على الانتماء والولاء لمجتمعهم الكبير .
وفي هذه الحالة فان اللجوء إلى نظام الديمقراطية النيابية ( الأغلبية ) قد يولد الكثير من السلبيات و المشكلات التي لابد من تجاوزها بأتباع نمط جديد و أخر للحكم غير نظام الأغلبية النيابية . لهذا حاول الممارسون السياسيون إيجاد حل لهذه المعضلة في اتجاهين:
الأول استخدام الفيدرالية أو مناطق الحكم الذاتي لضمان حقوق الأقليات، وهو استلهام للتجربة الفيدرالية الأميركية والألمانية، التي برزت بدافع الحد من غلواء سلطة المركز، وذلك بتقسيم السلطات على أساس جغرافي، بين مركز وأطراف. أو استلهام الاتجاه الثاني وهو التجربة التوافقية التي نشأت عملياً بعد الحرب العالمية الثانية، اعترافاً بقصور نظام الديمقراطية الأكثرية المألوف، البريطاني على سبيل المثال, وعليه فإن الديمقراطية التوافقية انطلقت من قاعدة ديمقراطية راسخة وليس ناشئة . وجاءت كحل أسمى لمعالجة هذه المشكلات وللخروج من الأزمات التي تواجه أنظمة الحكم في هذه المجتمعات, فقد استخدمت بمثابة تفسير للاستقرار السياسي في عدد من الديمقراطيات الأوروبية الصغرى، مثل النمسا وبلجيكا وهولندا وسويسرا, وكانت هذه البلدان قد بلغت ذروة انقساماتها التعددية الحادة . مما كان من العسير اللجوء إلى الديمقراطية النيابية فيها
وقد تبلور مفهوم الديمقراطية التوافقية منذ عقود كنموذج بديل عن الديمقراطية التنافسية أو الديمقراطية التمثيلية ، فإن كانت الأخيرة تعبر عن اكتمال الشروط القانونية والسياسية في سياق تكون دول ومجتمعات موسومة بقدر كبير من التلاحم البشري والانصهار ألاثني والاستقرار السياسي ومعززة بثقافة سياسية تكرس قواعد التنافس والتداول والتمثيل، فإن الديمقراطية التوافقية تختلف عنها بأنها تولد وتنبع من شروط يطبعها الانقسام المجتمعي والتباينات الإثنية والعرقية والجهوية وضعف الوحدة الوطنية وصعوبة الاستقرار السياسي وعسر ديمومته وتواتر موجات العنف الاجتماعي( 29 ) .
ويستمد النمط التوافقي من الديمقراطية أهميته كنموذج عملي ملموس من المساهمات التي يقدمها لفهم الديمقراطيات الغربية . وهو مستلهم من تصنيف غابريال أ.ألموند الكلاسيكي للأنظمة السياسية ، الذي بسطه للمرة الأولى سنة (1956م) ، والذي يُعدُّ المحاولة الحديثة الكبرى لتحديد مختلف أنماط الديمقراطيات.
وقد نشأت أولى مساعي بناء الديمقراطية التوافقية في بلدان أوربية وغربية, منها بلجيكا والنمسا وسويسرا وكندا, ولم تصدر هذه المساعي عن أي نظرية مسبقة, بل كانت وليدة حاجات عملية في مجتمعات منقسمة وغير متجانسة من الناحية القومية ( 30 ) . ثم امتد المفهوم إلى بعض بلدان العالم الثالث، وخصوصًا إلى لبنان وماليزيا وقبرص وكولومبيا والأوروغواي ونيجيريا, وقد صاغ العالم السياسي الهولندي، أرنت ليبهارت (Arend Lijphart) هذا المفهوم بوضوح وأسلوب شامل( 31 ) . حيث شدد ليبهارت على أن مفهوم الديمقراطية التوافقية يعرف من حيث علاقته بالانقسامات القطاعية المتميزة للمجتمعات التعددية والتعاون السياسي القائم بين النخب القطاعية , كما ميز ليبهارت بين مفهومين متشابهين استعملا في التحليلات المقارنة للتوافقية هما مفهوم (التعددية القطاعية) الذي قدمه فال. ر.لورين(Val R. Lorwin) و(الديمقراطية الوفاقية) الذي قدمه جيرها رد ليمبروخ (Gerhard Lehmbruch) إذ يقصر لورين دلالة اللفظ على الانقسامات ذات الطبيعة الدينية والإيديولوجية بينما يعرف ليمبروخ الديمقراطية الوفاقية بأنها إستراتيجية في إدارة النزاعات من خلال التعاون والوفاق بين مختلف النخب بدلا من التنافس واتخاذ القرارات بالأكثرية .
أما ج. بنغهام باول (G. Bingham Powell) فقد وصف بخاصة "التجزؤ الاجتماعي"، بينما حلل يورك شتاينر ((Jurg Steiner "الاتفاق ألرضائي" بالمقارنة مع قاعدة الأكثرية. ودرس إريك نورد لينجر Eric Nordlinger)) احتواء النزاعات في المجتمعات المقسمة .
وكان أرنت ليبهارت قد عرف الديمقراطية التوافقية استنادا إلى أربع عناصر, العنصر الأول والاهم هو الحكم من خلال ائتلاف واسع من الزعماء السياسيين من كافة القطاعات الهامة في المجتمع ألتعددي, ومن الممكن أن يتخذ ذلك عدة أشكال متنوعة, منها حكومة ائتلافية موسعة في النظام البرلماني, مجلس موسع أو لجنة موسعة ذات وظائف استشارية هامة , أو ائتلاف واسع للرئيس وسواه من كبار أصحاب المناصب العليا في نظام رئاسي. والعنصر الثاني هو الفيتو المتبادل أو حكم (الأغلبية المتراضية) التي تستعمل كحماية إضافية لمصالح الأقلية الحيوية, والعنصر الثالث هو النسبية كمعيار أساسي للتمثيل السياسي والتعيينات في مجالات الخدمة المدنية وتخصيص الأموال العامة, أما العنصر الرابع في الديمقراطية التوافقية فهو وجود درجة عالية من الاستقلال لكل قطاع في إدارة شؤونه الداخلي الخاصة( 32 ) .
والحقيقة إنهُ لا يوجد تطبيق واحد في العالم للديمقراطية التوافقية فلكل بلد خصوصياته واعتباراته وقد طبقت الديمقراطية التوافقية بمستويات مختلفة في بلدان كثيرة , و يمكن القول أن الديمقراطية التوافقية تعني حكم الأغلبية المتراضية التي تستعمل سلطاتها السياسية في حماية مصالحها الحيوية والتي تستغل نوابها البرلمانيون في الحصول على الوظائف الحكومية واحتكار التعيينات العامة في مجالات الخدمة المدنية وتخصيص الأموال العامة لخدمة أغراضها الحزبية( 33 ) . وتعني كذلك أن عملية صنع القرار تسعى لتوفيق الأراء المختلفة للحصول على أكبر قدر من الإجماع وبالتالي توسيع قاعدة المشاركة الشعبية والديمقراطية لتفادى الشعور بالغبن ( 34 ) .
عناصر الديمقراطية التوافقية
حدد أرنت ليبهارت أربعة عناصر أساسية للديمقراطية التوافقية هي :
أولاً: الائتلاف الواسع
والمقصود به تكوين كارتل حكومي أو(تحالف كبير) يضم المكونات الأساسية للمجتمع ألتعددي، أما في شكل تحالف رئاسي كبير أو في صيغة تحالف حكومي كما هو الحال في النظام البرلماني ، أو من خلال (مجلس أو لجنة) ذات صلاحيات ووظائف واسعة ومهمة ( 35 ) . حيث أن السمة الأساسية للديمقراطية التوافقية هي أن الزعماء السياسيين لكل قطاعات المجتمع ألتعددي تتعاون في ائتلاف واسع لحكم البلد . ويضم هذا الائتلاف كما في نظم الديمقراطية التوافقية أبرز وأهم الأحزاب أو الجماعات السياسية في البلاد، والغرض منه كما يقول التوافقيون إقامة “كارتل حاكم” يوطد النظام الديمقراطي والوحدة الترابية للبلاد. ويتطلب الائتلاف الكبير قيام أحزاب قوية ذات انتشار واسع، وقيام تكتلات نيابية قادرة على تكوين أكثريات مستقرة، وتمتلك برامج واضحة تشكل أساساً للعلاقة مع المواطنين ولإقامة التحالفات المزدهرة. والائتلاف الكبير يتطلب اعتراف الأطراف الرئيسية ببعضها البعض واتفاقها على أساس البرامج والتطلعات والأهداف المشتركة( 36 ).
ويوضح ليبهارت وظيفة الائتلاف الواسع عبر وضعه ضمن سياق مبدأين متنافسين هما الحكم بالإجماع وحكم الأكثرية في النظرية الديمقراطية المعيارية , فمن جهة يبدو الاتفاق الواسع بين كافة المواطنين أكثر ديمقراطية من حكم الأكثرية ولكن من جهة ثانية , البديل الوحيد من حكم الأكثرية هو حكم الأقلية , أو على الأقل فيتو الأقلية فمعظم الدساتير الديمقراطية تحاول أن تحل هذا المأزق بالنص على حكم الأكثرية للمعاملات العادية عندما يقدر أصحاب القرار أن مدار الرهانات ليس عاليا , وأكثريات استثنائية أو عدة أكثريات على امتداد فترة من الزمن بالنسبة للقرارات الحيوية جدا , كاعتماد الدساتير أو تعديلها .
ويخلص ليبهارت إلى القول بأن الموقف المعتدل والاستعداد للحل الوسط هما من الشروط التي لابد منها لتشكيل الائتلاف الواسع, ومن ناحية ثانية فان الأمل في المشاركة في الحكومة أنما هو حافز قوي للاعتدال والحلول الوسط لأن من شانه أن يقلل مخاطر التعرض للخديعة على يد الأحزاب الأحرى أو الانخداع بالتفاؤل الخاص غير المبرر فيما يتعلق باستعدادهم للملاينة, والأحزاب التي لا يثق بعضها ببعض تحصل من خلال وجودها في الحكومة على ضمانة هامة لسلامتها السياسية, لذا كان من الضروري طبعا أن هذه الأحزاب في الائتلاف في الوقت نفسه بدلا من المداورة عبر ائتلاف تتناوب فيه السلطة خلال فترة زمنية.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن