كريم عبدالله شاعرُ القصيدة النثريّة يحملُ اعباءَ قصيدة النثر فوقَ تلالِ الشاعر محمد الماغوط بقلم الشاعر والناقد : حامد حسن الياسري بغداد 15/ 7 / 2022 .

كريم عبدالله
psykareem@yahoo.com

2022 / 8 / 3

قراءة أولية في الأعمال الكاملة لكتاب ( الجزء الأول للشاعر كريم عبدالله ) مِنْ قصائد سرديّة تعبيريّة افقيّة , الصادرة عن دار الورشة الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد لسنة 2021 .
أشتمل الكتاب من الجزء الاول على خمسة دواوين نثرية و 176 قصيدة نثرية .
قصيدة النثر هي وحدة متكاملة تسعى الى التحرر من أنماط التفكير الجاهز والنزوع نحو التكثيف ورؤية جديدة للعالم والحياة , وقصيدة النثر هي خطاب شعري جديد ومتجدد بلا شكّ , وهي استجابة لضرورات البحث عن شكل شعري متحرر من وصايا الاشكال , وهذا الشكل لا يلتزم بأي نوع من أنواع الايقاع الخارجي الذي يمثله العروض والقافية , وليس من مظهر إيقاعي منظم لقصيدة النثر , أنّ أهم شروط قصيدة النثر كما يقول الشعراء والنقاد هي ( الايجاز , التوهّج , والمجانية ) , وهي تعتمد الوصف المكثّف , وكمية المعنى المكتنز بالدلالة والوصف المركّز على قيمة الايحاءات المتماسكة في عبارات متوالية مكتظة بالكلمات الهامسة والمليئة بالموسيقى الداخلية , ومحمّلة بالسردية والتعبيرية والفواصل والوقفات بين الجمل , وتتخذ من الحِكَمْ والجمل المتوالية مقاطع منفصلة لتأثيث بناءها بمشاعر وأحاسيس مرهفة , منبثقة من أعماق ذات الشاعر وقدرته على بثّ الانزياحات , وهي لا تعتمد على توظيفات بصرية إيقاعية تستطيع أن تظهر المعنى العميق داخل نفس الشاعر , وإظهاره بصورة شعرية مذهلة .
كما أنّها تستعمل اللغة التعبيرية التي تتموضع في رؤية العوالم الداخلية للذات الشاعرة , وتحاول أن تترك الفواصل والنقاط في جسدها الشعري , أنّ أغلب عبارات قصيدة النثر تتوالى بشحنات ايحائية جاذبة للروح بدلالات تفصح عن معان متوالية محمّلة بعذوبة الشحنات الدلالية والتعبيرية والسردية في تشكيل بنائي وايقاع داخلي رمزي حاملا للأنا الذاتية .
وليس هذا كلّ النثر , بل أنّ الشاعر ( كريم عبدالله ) راح الى أبعد من ذلك , فطوّع اللغة , وطوّر السرد والايحاء في تداخلات تعبيرية ساخطة ومتهكمة في ايصال صوره وعلامات معانيه الى المتلقي بصورة أبوية حالمة بالجمالية , وتقارب الاحساس واللفظ , قابضاً على العبارات والجُمل بطريقة شعرية متقاربة من لغة ومفاهيم الشاعر ( محمد الماغوط , و أُنسي الحاج ) , وأمثالهم من كثّاب قصيدة النثر .
استطاع الشاعر ( كريم عبدالله ) أن يتحايث مع شعراء قصيدة النثر بكل مقارباتها السردية والفنية , واستطاع أن يرسم طريقته الحاشدة بأساليب تعبيرية افقية في صعود القصيدة النثرية , وبذلك فقد أختلف عن غيره من شعراء قصيدة النثر , فكوّن لنفسه أسلوباً وطريقة خاصة به في تناول المواضيع والاحداث التي تبلورها القصيدة الايحائية اللامعة في تخطيط مساراتها الابداعية والفنية , وكأنّه رسّاماً يتشكّل داخل اللوحات , لقد تمكن الشاعر ( كريم عبدالله ) من كتابة القصيدة النثرية بأسلوب اقرب الى الفهم والانتقاء من أقرانه من شعراء القصيدة النثرية , فهو متمكّن من هضم لغتها وبناءها ودلالات تكونها المعرفية والشعرية , واستطاع أن يتمدّد في داخل نصّها الايحائي والتكنلوجي الباعث على الغرابة والتفسيرية , .. مقطع نثري ( السماء بعيدة , وهذا الوالي يقضم أضلعي , الشتاء فارغ إلاّ من بقايا أجنحة فراشاتي , وفي السماء السابعة تبقى الصحف مطويّة , مشتاق أن أجلس للكركرات الراقدة في أناء السلطة المعجونة برداء البراءة في سنوات كانت تتثاءب ببطء قادم , مشتاق أن أُدثّر القمر ببطانية تبعث الأمل .. ) .. قصيدة ( الرجل الذي فقد فراشاته ) ص 75 .
( الليلة سينمو الفجر في نبضات الغبش , البارحة كانت تضاريس الليل تئنُّ في راحتيها , وذاك العطر يطرد غبار الشراشف , تموجُ بخاصرة النبع لوعة الضفاف , تترقرق التنهدات بقاع الاشتهاء , تتمدّد على سواحل عيونٍ أدمنت نوافذها , رذاذها المتناثر بظلّ هذا السعير , كلّ الألوان تتجمّع مرّة أخرى في منشورها ..) .. قصيدة ( تمسّدُ هذا القلق الوارف ص 67 .
أنّ الابداع في العمل الشعري يتأتّى من قدرة الشاعر على هتك أسرار اللغة وتفتيت أكمامها ليستخرج ما بها من طاقات غنية كامنة في خلاياها وعلى قدر امتلاكه لطاقات قادرة على الاستثارة والتحريك وهذا أروع وأسمى غاية للشعر ( لغة الشعر العربي المعاصر : عدنان قاسم – مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع – الكويت / ط1 – 1988 ص16 .
والشعر هو كلمات ومفردات ينتقيها الشاعر من لغته ليصوغها صوراً شتى يتلقاها السامع الذي يكشف عن ثقافة عميقة الجذور بالتراق الانساني , اي أنّ الثقافة ذات حركة ابداعية تنتزع التعبير الاصل من قيود التقليد والجمود وأسر التقوقع لتنظر اليه حدثاً ابداعياً متطوراً ومتجدداً يحمل في إثنائه مستقبل ديمومته وخلوده , وعندما يتحرر من سلطته الزمن بمعناه الآني الجامد الى أنّات جديدة تصير لغة التعبير جسداً كونياً فنياَ وارضاً عراقية خصبة , تطمئن اليها الصور الشعرية , فالنصّ صورة شعرية تختزل الواقع بلغة ابداعية بعيداً عن الترف والتعقيد والهامشية الباردة , بل هي منبع وليست مجرد أداة , ينبغي أن يبقى هذا المنبع صافياً , ومن هذا لابدّ لنا أن نعرف معنى الصورة , او الصورة الشعرية , لقد ورد لفظ الصورة على ألسنةِ بعض النقاد القدامى , وأقدم مَنْ وقف في هذا الشأن الجاحظ الذي استعمل مادة الصورة في مجال الادب وهو يتحدث عن الشعر بأنّه ضرب من النسج وجنس من التصوير .. ( كتاب الحيوان : أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ – تحقيق عبدالسلام محمد هارون – مصطفى البابي الحلبي واولاد – بمصر ط2 1965 ص 3 , ص 132 .
وأراد بالتصوير هنا العملية الذهنية التي تصنع الشعر , فقد جعل الشعر قريناً للرسم , وأراد تقديم المعاني تقديماً حسّياً عن طريق الصياغة الفنية للألفاظ .. ( أنظر : الصورة الفنية في الذات النقدي والبلاغي – د. جابر أحمد عصفور – دار التنوير للطباعة والنشر – بيروت : ط2 1983 ص 256 , ص 257 .
ومن الباحثين مَنْ رأى أنّ الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت 175 هجري ) قد سبق الجاحظ في إيراد الصورة في قوله ( الشعراء أمراء الكلام , يصرفونه أنّى شاءوا , ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من اطلاق المعنى وتقييده , ومن تصريف اللفظ وتعقيده , ومدّ المقصور وقصر الممدود , والجمع بين لغاته , والتفريق بين صفاته , واستخراج ما كلّت الألسن عن وصفه ونعته والاذعان عن فهمه وإيضاحه , فيقرّبون البعيد ويبعّدون القريب , ويحتجّ بهم ولا يحتجّ عليهم , ويصورون الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل ..( منهاج البلغاء وسراج الادباء : حازم القرطاجني – تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة : دار الكتب الشرقية – تونس 1966 ص 143 , ص144 . ويبدو أنّ هذه الاشارة منه الى سعة خيال الشعراء وقدرتهم في ابداع صيغ فنية قادرة على خلق التأثير في المتلقي من خلال التشبيه والتمثيل وأساليب البيان الاخرى .
والخيال الشعري هو ما يميّز الشاعر عن سواه , لهذا عدّه كثيرون لغزاً من الالغاز ودعوا الى التعامل معه بشيء من الحذر ( أنظر مبادئ النقد الادبي ص251 .
ويبدو أنّ هذا الملكة لدى الشاعر تبعث في الاخرين الرهبة لأنّها عندهم سرّ الشعر , وهو انما هو نتاج الخيال المبدع للشاعر , وبذلك صار خيال الشاعر رمزاً لعبقريته وقدرته الفكرية على ضمّ الاشياء وتأليفها في وحدة فنية لا تكون خارج البناء الفني للشعر , وقد عرّ الخيال بأنّه ( القدرة على تكوين صور ذهنية لأشياء غابت عن متناول الحسّ ) .. ( الصورة الفنية في التراث النقدي ) . وهذا التعريف أولي للخيال بمفهومه الانساني العام , اذ ليس الخيال مجرد استحضار لصور غابت عن الحسّ , بل هو ملكة معقدة تنماز بعناصرها المتعددة وأشكالها المختلفة بما يجول الإلمام بالخيال وتعريفه أمراً صعباً , والى ذلك أشار ( رسكين ) بقوله ( أنّ ملكة الجمال غامضة لا يمكن تعريفها , انما يمكن معرفتها باثرها ) .. النقد الادبي : أحمد أمين – مكتبة النهضة المصرية ط5 1983 ص1 , ص34 .
لذا يمكن أن نعيد التعريف السابق للخيال تعريفاً أولياً يصلح للخيال بمفهومه العام , لأنّه يدلّنا على أن الخيال هو قدرة الانسان على أن يستذكر صوراً لأشياء غابت عن العين , وهو بذلك أقرب الى الذاكرة والتذكير منه الى الخيال بمعناه الادبي , فتذكّر الأشياء بدقائقها وتفاصيلها أمر مرّده الى قوة الذاكرة وهو ما يحتاجه الشاعر في تخيله , ولكنه ليس هو الخيال الشعري الذي نعنيه والذي هو قوة خلاّقة ومبدعة , ومن هنا فأننا نستطيع أن نقول أن الخيال هو القابلية والقوة التي يتمكن بها الانسان عرض الاشياء عرضاً مؤثراً مجسّماً مؤلفاً تأليفاً صادقاً بشكل منسّق منظّم ( النقد الادبي – د. داوود سلوم – مطبعة الزهراء – شارع المتنبي – بغداد 1967 ص – القسم الأول 73 .
إذ يمكن أن نفرّق بين الخيال وبمعناه العام , والخيال الشعري , فقد يخلق الانسان صوراً ولكنها ليست منظّمة تنظيماً واعياً , وإنما تبقى مجرّد صور متناثرة لا رابط بينها , وقد يخلق صوراً منظّمة ومترابطة إلاّ أنها غير مؤثرة , فتفقد بذلك شرطاً من أهم شروط الانتاج الفني الا وهو التأثير , فالخيال الشعري على وفق هذا المفهوم , هو قوة مبدعة لأنّ الشاعر فيها يتناول معطيات الوجود وحقائقه ويشكّلها تشكيلاً فنياً مؤثراً يظهر لنا فيها قدرته الفكرية المتميّزة على ادراك الواقع ونقل هذا الادراك بأسلوب فني جميل , ولذلك قيل في تعريف الشعر بأنّه ( سجّل لأحداث متخيلة مبدعة , ولكنه أكثر من هذا ينبغي أن توصف هذه الاحداث بأسلوب حيوي مقنع ..( منهاج النقد الادبي بين النظرية والتطبيق – ديفد ديتش – ترجمة د.م حمد يوسف نجم – مراجعة : د.احسان عباس – دار صادر – بيروت 1967 ص90 ) .
وقد عبّأً الشاعر ( كريم عبدالله ) نصوصه النثرية توصيفات جميلة لمجريات الاشياء , وأحتفى بلملمة الهواجس والانعطافات الدلالية لأعادة أنتاج الوعي القرائي الذي يختزل الرؤى السائدة في استيعاب أحلامه ومقترحاته بخصوصيتها الانفتاحية , وهو يستمدّ طقوسه وسلطته اللغوية من نسغ نسيج الماضي التراثي المصدوم وصور الحاضر المتحولة لحظة بلحظة .
أنّ المصير هو أول المشاركين في بعثرة شعر المشهد المتصل باستدعاء فخامة اللغة واعادة الشأن الى المتن الواسع في المعاني والفضاءات الرؤيوية أزاء ارتقاء النصّ وانشغالاته المنضوية على فعل جديد , لترصين بلاغة المشهد النثري واستبدال ذات الشاعر بذوات اخرى ... قادرة على تقديم منجزاً ابداعياً هونتيجة من نتائج الارادة الحتمية التي يتوخاها الشاعر لردم المسافات المعتادة بين العبارة والجملة الشعرية .. مقطع نثري ( أنتِ أكثر رقّة أيّتها الحشائش الخضراء الفتية ترعشين الروح بنشوتكِ , يتموّج كالزنابق البنفسجيّة ذاك الفؤاد الصغير وتسبح أحلامه الفضيّة بقطرات الندى المتساقط من أوراق شجرة التوت الهرمة الغضّة بالروح البريئة , تحدّق بحنين , وتحرّكها ارض تحتضن مطراً خفيفاً يتسلّل في أخاديدها اليابسة , كم هو جميل أن ترقص الطحالب الزرقاء حين يطفح النهر بالمياه ويعزف القصب لحناً شجياً تسمعه سنابل القمح وهي تفتخر على سنبلة شعير نبتت بينها تشكو الغربة ..!! ) .. قصيدة ( طفولة حالمة ) ص104 .
أنّ تماثلات ارادة المعنى تغسل أدران حافات الحروف والعبارات داخل تماثلات النصّ السردي الذي يمحو رغبة تغييب المرئي في النصّ النثري , لذلك استطاع الشاعر من إمساك طرفي النصّ بتحليل التمثلات البنيوية للنصّ كي تبقى القراءة واعدة بالهمّ المدهش , وتحليل ما هو شعر ما بعد الذاكرة , أنّ الشعر يضيء عوالم الابهام وبإمكاننا تلمّس فكرة تعطيل المعنى بإزاء المشاهد المتراكمة فوق عتبات النصوص .. مقطع نثري ( قناع أسود تسلّق وغطّى وجه الشمس , لمْ يالف الحياة كما هي , حين تعكّز على سيف مثلوم رافعاً رايته عالياً , يجرّ خراباً الى ما لانهاية , لذا لا ترى من ملامحه الا الليل , يتمرّغ فيه , والقمر الفضيّ لمْ يتبين وجهه , يكبّله برعونة , يتحسس ضوؤه , بفتوى تبيح الذبح , نأى النهار الطينيّ , ولمّا يستوحش الطريق , يغضّ الأمل وجعاً سامقاً من كلّ شعاع يبزغ في الازقّة مكشّراً نظراته , يئزُّ خلف الابواب المغلقة , خوف يتمرّى في الحيطان , الشوارع أصابها الضمور لا تسمع منها سوى الأنين على أشجارها , كلّ العصافير هاجرت تبحث عن أعشاش تتلمس عن نهار ابيض , مقبرة الاحلام هتك قدسيتها أكثر من غراب متسخ راح يغزل من جريد النخيل حصيراً يواري الأنين , فمَمْ ينشر الأغاني اذا هربت دهشة العشاق يطرّزها بسخرية غبار الخيانة ..؟؟!!! . ) .. قصيدة ( راية سوداء في صباح مظلم ) ص 106 .
أنّ الشاعر في بعض قصائده يقدّم لنا فضاءً من ثقافة السرد القصصي الذي يتوالد منه النصّ النثري الجديد , فهو يبدو عبر نصوصه الشعرية ملتحماً بالجُمل والعبارات ذات الانزياح الواضح متمكّناً من وصفه للجوانب الزمانية والمكانية , وصفاً يجعل من العناصر المكونة لبنية النصّ علاقة بالواقع الشعري الذي يستطيع الشاعر أن يلحقه بصوره الكلية التي تمنح النصّ ثراءً بلاغياً يصبّ في إيقاظ المعنى وتشكيل الصورة الجمالية للشكل والمضمون .. مقطع نثري ( أنظرْ كيف تستفزّ ذاكرتي أطناناً من الشظايا تمطرها السماء , يا لهُ من نهار موحش ..!! , خلف السواتر تنام الاحلام , هل رأيتم كيف تنزوي صور العشيقات في الجيوب المثقوبة , أقدام المتمسّكين بالأرض يتملّكها الرُعب في حقول الألغام , كانت هناك راجمات كثيرة تأتيك بالموت , ما أقسى قذائفها تجهل سرّه حين تتساقط بوحشية على الملاجئ الترابية , وتتساءل في نفسك علامَ كلّ هذا الخراب ..؟؟!!! , أكاد اسمع أدعية الامهات خلف تلك الابواب الموصدة ويغلّف قلوبهنّ الرقيقة حزن عميق كلّما تغيب الشمس , كلّ شيءٍ يئنّ فوق هذه الارض ).. قصيدة ( ذات نهار موحش ) ص 87 .
كذلك أنّ لغة الشاعر قادرة على تشكيل صوره المتشابكة ونصّه المملوء بالسرد والتصورات الشعرية والخواطر الفلسفية , وهو يعتمد كذلك على جمله القصيرة والبرقية ويشحنها بألفاظه الجامحة ورؤيته المتعلّقة بالتأويل , ويظلّ هائماً دون جدوى يركض وراء فلسفة الذات وأحلام الموتى صائحاً من ذلك جدلية يرمز للموت فيها والحياة , وهو بذلك يعيدنا الى مملكة الشعر التي تتجلّى في مستويات عرش الحرف الذي يملكه الشاعر في عالم يتنامى فيه الاختلاف مقابل الائتلاف .. مقطع نثري ( أُطأطأُ رأسي تحت سيف الهزيمة , ماء وجهي أمسحه على مقابض المنافي , كؤوس الاحلام مصلوبة على السواقي , والشعارات محدودبة , عالقة بين فتات الهزائم مركونة , الظلام يقلّم أجنحة الأزقة المنكوبة بالهذيان , للزنزانة الممتدة على وجه التاريخ أريج عفن والعشيقات من وراء النوافذ العالية , يرسلنّ الجدائل , الغربان تتوعد مزارع القمح , مرشّات السماء عاطلة مخصية , رماد الزفرات يسمّد آذان الجدران , فَمَنْ يسمع عمود الدموع الخائفة , لِمَ الخِراف يأكلها سرداب ممسوخ , والشمس في أرجوحةِ الليل تتأرجح مسبية الشموع , ولِمَ هذي الجموع عجااااااف , بيوضها فاسدة ) .. قصيدة نثرية ( حين يكون التراب ممنوعاً ) ص173 .
أنّ قصيدة النثر هي ومضة شعرية تتوهّج في خطاب المشهد الثقافي العربي وتتألف في اروقة الشعراء الذين يعرفون هذه الآيقونة المنفردة بثياب اللغة ومدونات الايحاء والدلالة , نحو سياقات معرفية نابضة بالتجدد والاستمرار في قدرتها على الاعتراف بها نصّاً نثرياً من قبل الاخرين , وهي مملكة مجمع الديوان الحداثي للخارطة الطوبغرافية الذي رسمته خطوط مدرسة المنظّرين الاوائل في عهد الملك السومريّ حينذاك .
وبذلك يمكننا أن نقول في النهاية أنّ الشاعر ( كريم عبدالله ) توصّل في هذه المجموعة من القصائد النثرية الى ما سبقه من الشعراء في قصيدة النثر أمثال محمد الماغوط وأنسي الحاج وتوفيق صايغ ونقولا قربان وجبرا ابراهيم جبرا وقد تبعهم أخرين من جيل العشرينيات وحتى الان .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن