ظل آخر للمدينة49

محمود شقير
shukair@hotmail.com

2022 / 8 / 2

في تلك الفترة، توجهنا، أنا وحسين عويسات أحد مخاتير قريتنا، إلى عمان لاستصدار وثائق تتعلق بأرض البقيعة التي تملكها عشائر عرب السواحرة، ولتسليمها إلى المحامية فيليتسيا لانغر، لكي تكون حجة في يدها أمام القضاء، ولتخليصها من أيدي المحتلين إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً (في البداية أعلنوها منطقة عسكرية مغلقة، ثم راجت إشاعات عن قيام بعض السماسرة ببيعها إلى سلطات الاحتلال، وما زال أمرها مجهولاً حتى الآن). على الجسر استدعاني أحد ضباط المخابرات، وأخضعني لتحقيق سريع عن هدفي من السفر إلى عمان. لم أخبره عن غايتي من السفر، حدق في حذائي القديم الذي ركّبت له نصف نعل قبل موعد السفر بأيام، عند "كندرجي" في سوق باب خان الزيت، فاعتقد أنني أخفي رسالة سرية داخله.
سألني عما خبأته هناك.
قلت: لم أخبئ شيئاً.
هددني بتمزيق الحذاء إذا لم أخبره بالحقيقة، فلم أكترث لتهديده. أحضر سكيناً، ومزق النعل الخاص بفردة الحذاء اليمنى، وعاود طرح سؤاله مرة أخرى، فلما رآني غير مكترث، رمى فردة الحذاء الثانية، ثم سافرت إلى عمان، وأنا أجر حذائي الممزق، وبقيت كذلك إلى أن وصلت أول محل لبيع الأحذية في عمان.
عدت من عمان بعد غياب استمر ثلاثة أسابيع، خضعت على الفور لأوامر الإقامة الجبرية في القدس، لا أخرج منها إلى سواها مدة عام.

***
سأترك العمل في مدرسة دار الأيتام الإسلامية، لأصبح متفرغاً حزبياً. لم يكن الأمر سهلاً في البداية. أحببت مهنة التدريس، رغم ما فيها من جهد، ورغم ما كانت تسببه لي بين الحين والآخر من كوابيس. كنت أحلم بأنني أذهب إلى المدرسة في الصباح، أدخل على طلاب الصف، وحينما أتهيأ لبدء الحصة المدرسية، أكتشف أنني نسيت في البيت، دفتر التحضير الذي دونت فيه الملاحظات التي سأستعين بها لشرح الدرس، ثم يمعن الكابوس في الضغط على أعصابي حينما أكتشف أن علي أن أشرح درساً لا أستوعب مادته جيداً، وأنني علاوة على ذلك أقف أمام الطلاب حافي القدمين، ولا يكف الكابوس عن تسلطه علي، حتى أنهض متكدراً من النوم.
الجهة الأخرى التي لطالما سببّت لي الكوابيس، هي رجال مخابرات الاحتلال. كنت بسبب نشاطي الحزبي، دائم التحسب من مداهماتهم. أحلم بأنهم يحاصرون بيتنا، ثم يقتحمونه، يلقون القبض علي، ثم ينقلونني إلى زنزانة تلتمع في سقفها أضواء، تظل ترسل نحوي أشعتها إلى أن أستيقظ من النوم، وهكذا دواليك.
فلما انتهيت من مهنة التدريس، لم تعد تكدرني الكوابيس المرتبطة بها، فاعتبرت ذلك مكافأة مجزية، ورحت أركز جهدي كله على العمل الحزبي، محاولاً التمويه على وضعي الجديد، بالعمل -ساعتين أو ثلاثاً بالمجان- في محل تجاري لأحد الأصدقاء، في مدينة بيت لحم، وذلك لتلافي ملاحقات جهاز المخابرات ومن يرتبط به من المخبرين المحليين، ويبدو أن الأمر لم ينطل عليهم إلى وقت طويل.
أصبحت القدس بكل أزقتها وأسواقها وشوارعها وأحيائها، في النصف الأول من سبعينيات القرن العشرين، جزءاً من كياني، ومظهراً يومياً من مظاهر حياتي، فكأنني كنت أودعها، دون أن أعلم، تمهيداً لانقطاع قسري.
يتبع...



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن