الصراعات والسلام

محمد عبد الكريم يوسف
levantheartland@gmail.com

2022 / 6 / 16

من المهم أن نعي أنه لم يكن هناك تغير كبير بين لحظة وأخرى فيما يخص أنواع الصراعات التي نراها. ومع كل ذلك، فالنزاع العرقي قديم قدم البشرية. ولكن إذا ما نظرنا إلى الصراعات التي نشبت بعد الحرب الباردة وقارناها بموقف الصراعات إبان الحرب الباردة، سنجد أن هناك اختلافات هامة وأكثرها أهمية على الأرجح هو أن معظم الصراعات، بل الأغلبية الساحقة منها التي نشبت منذ انتهاء الحرب الباردة، كانت داخلية أكثر منها دولية. وكنت عادة تنشب بسبب مسائل الهوية والعرق والديانة واللغة، وهي المسائل التي كانت غالباً بواعث الصراعات وليست الأسباب الأكثر تقليدية للصراع مثل مشكلات الأرض وما شابهها.

تحديات الصراع المعاصر

نهاية الحرب الباردة

أدى انتهاء الحرب الباردة إلى الشعور بالراحة والتفاؤل بين شعوب العالم. فخفض أعداء الأمس أسلحتهم النووية والتقليدية بصورة كبيرة ووجد الزعماء الجدد سبلاً للتعاون بشأن مجموعة من القضايا الدولية.

مع ابتعاد شبح المواجهة النووية، عقد الكثيرون الآمال على أن تشكل روح التعاون هذه سابقة تُحتذى. وأنه في ظل عدم وجود سياق تنافس القوى العظمى، فقد يكون لدى العالم رغبة جديدة في العمل معاً كمجتمع دولي لحل الصراعات من خلال التفاوض السلمي والدبلوماسية.

لكن أحداث العقد التالي وما تلاه من أحداث خلال القرن الحادي والعشرين أثبتت أن ذلك التفاؤل كان سابقا لأوانه.

الإبادة الجماعية في رواندا

في عام ١٩٩٤ على سبيل المثال، وبعد مرور ثلاث سنوات فقط على توقيع الزعماء الأميركيين والروس على المعاهدة الأولى للحد من الأسلحة الاستراتيجية ) ستارت ١( فشل المجتمع الدولي في أن يكون له رد فعل واضح على عمليات الإبادة الجماعية في رواندا.

حثت طبيعة هذه الإبادة الجماعية ونطاقها واضعي السياسات والمراقبين على إجراء دراسة وتحليل جوهريين, إلى جانب البحث العميق.

ففي محاولة للتخلص من أقلية التوتسي في رواندا، قتلت الأغلبية "الهوتو" ٨٠٠ ألف شخص أغلبهم من المدنيين بصورة منظمة في ١٠٠ يوم فقط، وهو أسوأ معدل للقتل في تاريخ البشرية.
وكان القتلة، المسلحون بالمناجل، وحشيين ومنظمين, فقد عذبوا ضحاياهم وقتلوهم بدم بارد وألقوا بجثثهم في مقابر جماعية. وفي حالات كثيرة, حدثت هذه المذابح بينما كانت قوات حفظ السلام الدولية تقف موقف المتفرج.

كشفت الإبادة الجماعية الرواندية عن أوجه الضعف الصارخة في قدرة المؤسسات الدولية ومتعددة الأطراف على منع حدوث مثل هذا العنف أو التصدي له، كما أثارت أسئلة مقلقة حول الرغبة الدولية في القيام بذلك.

الصراع في كوسوفو

في عدد من البلاد الشيوعية السابقة، أدى انتهاء الحرب الباردة إلى تفجر صراعات, حيث ظهرت الانقسامات الداخلية القديمة على السطح في ظل الغياب المفاجئ لحكم الحزب الواحد.

ولكن غالباً ما تمكنت دول أوروبا الشرقية والوسطى من تحقيق تحولها من الشيوعية دون عنف.

وكانت يوغسلافيا هي الاستثناء الوحيد، حيث تفككت بعد سلسلة من الصراعات العنيفة، بما في ذلك الصراعات في كرواتيا والبوسنة وكوسوفو . وعلى عكس ردة فعله في رواندا, تصرف المجتمع الدولي بحزم في كوسوفو، ومع ذلك، فإن مجهوداته قد تأخرت وكثيراً ما افتقرت إلى التنسيق, وحصد الصراع عدداً ضخماً من أرواح الضحايا.

تسببت عمليات التطهير العرقي والأعمال الوحشية الأخرى بكوسوفو في مقتل ما يقرب من ١٠ آلاف مدني، وخلفت أكثر من ١٫٥ مليون مشرد ولاجئ بالإضافة إلى إحراق المنازل واستخدام دروع بشرية في القتال واستخدام الاغتصاب كأداة حرب وتنفيذ الإعدام بإجراءات تعسفية.

حدة النزاع بعد الحرب الباردة
في ضوء حدة العنف, إلى أي مدى كان الصراع في كوسوفو والإبادة الجماعية في رواندا ممثلين للصراعات الأخرى بعد الحرب الباردة وخاصة تلك التي حدثت في القرن الحادي والعشرين في العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

العنف العرقي

كانت الإبادة الجماعية في رواندا واحدة من أسوأ حالات العنف العرقي في تاريخ العالم. كذلك، أودى العنف العرقي، في نطاق ضيق ولكنه مؤثر، بحياة الكثيرين في دول مثل بوروندي واليمن وإثيوبيا. فقد أدى انهيار الأنظمة الشيوعية الفاشستية إلى تفجر العنف العرقي الكامن في مجتمعات كثيرة بالإضافة إلى كرواتيا والبوسنة وكوسوفو. آما أن هناك نزاعات أخرى في جورجيا وأرمينيا/أذربيجان والشيشان.

العنف المدني

منذ نهاية الحرب الباردة, أودى العنف المدني بحياة الكثيرين في دول العالم, بما في ذلك تيمور الشرقية وجواتيمالا وكولومبيا والصومال. واستمرت الحرب الأهلية في كمبوديا والسودان وأنجولا واندلعت في ليبيريا التي وقعت في فخ صراعات دولية أوسع نطاقاً. وهناك العديد من الأمثلة الأخرى التي يمكن الاستشهاد بها.

الحرب الدولية
ظل شبح نشوب حرب دولية كبرى خلال تسعينات القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين يخيم على أماكن كثيرة مثل كوريا وكشمير. كما شهد العراق حربين دوليتين كبيرتين.

ولذا فإنه يتوجب على العاملين في مناطق الصراع سواء كانوا من الأوساط الدبلوماسية أو العسكرية أو الشرطة المدنية الدولية أو المنظمات غير الحكومية، أن يطرحوا على أنفسهم هذا السؤال الأساسي دائماً والمربك في أحيان كثيرة: هل زادت فعلاً حدة الصراعات منذ نهاية الحرب الباردة؟

في أوائل التسعينات، لم تكن الإحصاءات مشجعة . فقد نشبت ٩٣ حرباً في ٧٠ بلداً، وشهدت الفترة من ١٩٩٠ إلى ١٩٩٥ ضعف معدلات قتلى أي عقد منذ الحرب العالمية الثانية. وفي الواقع، تشير التقديرات إلى أن ٢٢ مليون شخص لقوا حتفهم في الصراعات منذ عام ١٩٤٥ ، وأن ربع هذا العدد لقي حتفه في أوائل التسعينات.

شهدت أواخر التسعينات تراجعاً للعنف، فانتهاء التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، وإحراز بعض التقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط، والاتجاه العالمي العام نحو الحكم الديمقراطي أحيوا الآمال مرة أخرى في إمكانية إدارة الصراعات بصورة أسهل في القرن الجديد. بيد أن أحداثاً عدة جعلت هذه الآمال تتراجع، من بينها أزمة عملية السلام في الشرق الأوسط وتهديد الإرهاب الذي جسد نفسه بوحشية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول عام 2001.

تغير التوجهات بعد الحرب الباردة

عند متابعة حدة العنف، لاحظ متابعو إدارة الصراع كذلك وجود تغيرات في أنواع الصراعات السائدة منذ نهاية الحرب الباردة.

وفي الوقت الذي تستمر فيه الصراعات الدولية نجد أن الصراعات الداخلية قد ازدادت بروزاً. وقد تساءل الكثيرون، في إطار جهودهم الرامية إلى إيجاد تدخلات فاعلة، ما إذا كانت مجموعة إضافية من الأسئلة قد تساعدهم على الاستجابة لمتغيرات صراعات ما بعد الحرب الباردة.

صراعات دولية – صراعات داخلية

على سبيل المثال، في عهد التنافس بين القوتين العظميين، غالباً ما كان متابعو إدارة الصراع يركزون على الصراع بين الدول.

وفي أعقاب الحرب الباردة، هل يتعين عليهم التركيز بصورة أكبر على الصراعات داخل الدول بالإضافة إلى الحالات الهجينة التي تجمع بين الصراعات الداخلية والدولية مثل ليبيريا؟

الجيوش النظامية – الميليشيات

هل ستزداد أهمية الميليشيات التي تأتي مرتبتها بعد الجيوش النظامية؟ وماذا عن المنظمات العسكرية الخاصة؟

الأهداف الإقليمية - العرقية / الهوية

هل هناك تغيرات في توازن دوافع الصراع؟ وهل تتضاءل أهمية الأهداف الإقليمية مقارنة بالدوافع الأكثر ارتباطاً بالعرقية والهوية؟ وإلى أي مدى تستخدم العرقية والهوية كغطاء للأهداف الأكثر تقليدية للحرب؟

الخسائر من العسكريين - الخسائر من المدنيين

هل نرى أن الخسائر بين المدنيين أكثر من العسكريين؟

نظم الأسلحة المتطورة - أسلحة بسيطة وفتاكة

في الوقت التي تستمر فيه الدول المتقدمة - وعلى رأسها الولايات المتحدة - في تطوير نظم أسلحة أآثر تطوراً نجد أن كثيراً من المقاتلين يعتمدون على أسلحة بسيطة يمكن أن يكون لها نفس القوة التدميرية. ما وضع أسلحة الدمار الشامل من نووية و كيميائية وبيولوجية ؟

إن أسئلة كهذه - وعلى نحو أعم الأسئلة التي تتعلق بطبيعة الصراع - تمثل المحك في مجال تحليل الصراع.

منحنى تطور الصراع :

إن منحنى الصراع عبارة عن أداة مرئية تساعد على إيضاح كيفية تطور الصراعات بمرور الوقت. ويساعد المنحنى على تكوين فكرة عن كيفية ارتباط مراحل الصراع المختلفة ببعضها وكذا ارتباطها بأنواع تدخلات الطرف الثالث ذات العلاقة. ويستخدم المتابعون هذه المعرفة في تحديد استراتيجيات التدخل الفعالة وكذلك توقيتات هذه الاستراتيجيات.


يساعد منحنى الصراع في تحليل تطور صراع ما فإن الإطار التحليلي يساعد على سبر أغوار القوى المتعددة التي تقود صراعاً في وقت معين. وفي ظل المصادر التي تعد محدودة في الغالب، يستخدم المتابعون الإطار التحليلي للمساعدة في تحديد مواضع
استخدام نفوذهم بصورة مثمرة للغاية.

مصطلحات منحنى الصراع:

كما هو الحال في أي مجال بحث دقيق، تتطلب الدراسة المنهجية للصراع تعلم مجموعة مصطلحات ومفاهيم معقدة مثيرة للاهتمام.

تستخدم مصطلحات مثل "السلام الدائم و"السلام المستقر" و"السلام غير المستقر " لوصف حالة العلاقة بين دولتين أو بين جماعات داخل دول . وعندما يتطور صراع ما محتمل، تستخدم هذه المصطلحات لوصف المراحل المختلفة في علاقة متغيرة.

وتصف مصطلحات "الدبلوماسية الوقائية" و"دبلوماسية الأزمة"، وغيرها من المصطلحات ذات الصلة، الفئات العامة للإجراء المناسب لمراحل الصراع المختلفة.
وما يزيد الأمر تعقيداً، استخدام مصطلحات مختلفة في بعض الأحيان لوصف المفهوم ذاته. على سبيل المثال، بينما قد يستخدم مصطلح "الدبلوماسية الوقائية " كتعبير في المناقشات في الأمم المتحدة، فإن مصطلح "منع الصراع" قد يستخدم كتعبير مناظر في الكتابات الأكاديمية.

يقدم مايكل لند في كتابه ، منع الصراعات العنيفة، منحنى الصراع وهو نموذج تصوري يوضح فيه كيف يمكن أن يكون الصراع عنيفاً و لا عنيفاً في الوقت ذاته، وكيف يتجه استخدام القوة في الصراع العنيف صعوداً وهبوطاً على مدار الوقت. ويساعد المنحنى أيضاً على تنظيم المصطلحات والمفاهيم المستخدمة من قبل المتخصصين في إدارة الصراع، مع توضيح كيفية ارتباط مراحل الصراع المختلفة ببعضها وبأنواع التدخل المختلفة للطرف الثالث.

كما يتعمق مايكل لند في تعريف الإنذار المبكر والدبلوماسية الوقائية، ويقيِّم من يقومون بها، ويتناول الطرق الناجحة وأسباب ذلك، ويقترح كيف تستطيع الكيانات متعددة الأطراف والوطنية (خاصة حالة الحكومة الأميركية) التغلب على التحديات العملياتية للعمل الوقائي الفعال.

يشرح مايكل لند في كتابه كيفية إنشاء المنحنى: يتم تتبع مسارات النزاعات التي تتحول إلى صراعات عنيفة فيما يتعلق ببعدين: حدة الصراع (المحور الرأسي) ومدة الصراع (المحور الأفقي).

يصور مايكل لند الخط على شكل قوس من اليمين إلى اليسار عبر الرسم التوضيحي مسار صراع أثناء صعوده وهبوطه على مدار الوقت. وقد تم تبسيط المنحني الذي يتخذ شكل جرس بسلاسة إلى حد كبير لكي يصور تاريخ التغيرات "مثالية النوع". و توضح الأسهم المنحرفة عن الخط، فإن مسارات الصراعات الفعلية تستطيع أن تعرض العديد من مسارات تاريخ التغيرات الطويلة والقصيرة وحدودها وانعكاساتها وفتراتها . وحتى الصراعات التي هدأت من الممكن أن تتصاعد ثانية. ومع ذلك, فالنموذج له قيمته الاستكشافية المتمثلة في السماح لنا بتكوين فروق مفيدة بين تدخلات إدارة الصراع التي
تتعلق بمستويات حدته المختلفة.
ويتدرج الباحث في دراسته من حالة الحرب إلى التأزم إلى السلام غير المستقر إلى السلام المستقر ثم السلام الدائم. كما يعرض الكتاب لمراحل السلام أو الصراع بدءا من بناء سلام ما بعد النزاع إلى خفض الصراع وإنهائه إلى فرض السلام وصنعه وإدارته مرورا بدبلوماسية الأزمات وإدارتها إلى الدبلوماسية الوقائية التي تقوم على أساس من تكرار الصراع وإحلال السلام وتعزيزه.

السلام الدائم

يمثل السلام الدائم المرحلة الأولى في المنحنى. وآما يدل اسمه، فهو السلام الذي يدوم. وعند رسمه على مدار الوقت، يمثله خط مستو طويل نسبياً.

ويشرح لند قائلاً، يتضمن السلام الدائم أو الدافئ مستوى عال من التبادلية والتعاون، والغياب الفعلي لإجراءات الدفاع عن النفس بين الأطراف، بالرغم من أنه قد يتضمن
تحالفهم عسكرياً ضد تهديد مشترك . ويسود السلام الإيجابي بناءً على القيم والأهداف والمؤسسات المشتركة على سبيل المثال، النظم السياسية الديمقراطية وسيادة القانون، والاعتماد الاقتصادي المتبادل والارتباط بالمجتمع الدولي.

تنطبق هذه المصطلحات على كل من الصراعات الداخلية والدولية . ويشير لند إلى العلاقات بين الولايات المتحدة وكندا في القرن العشرين كمثال للسلام الدائم، بالإضافة إلى العلاقات بين دول الاتحاد الأوربي . ويستشهد بالديمقراطية الدستورية كتجسيد داخلي
للسلام الدائم حتى في حالة السلام الدائم، سوف تظهر الخلافات حول عدد من القضايا، لكنها خلافات ستحل من خلال دبلوماسية أو سياسة وقت السلم، اللتين من بين أهدافهما الحفاظ على علاقات ومؤسسات مستقرة وتقويتها.

السلام المستقر

يصف مصطلح السلام المستقر حالة من العلاقات تنطوي على درجة توتر أعلى من تلك الموجودة في السلام الدائم.

وكما يشرح لند السلام المستقر أو البارد) هو علاقة اتصال حذر وتعاون محدود (مثل التجارة في سياق شامل لنظام أساسي أو استقرار وطني.

وتكون هناك اختلافات في القيم أو الأهداف ولا يوجد أي تعاون عسكري، لكن النزاعات يتم حلها بوجه عام بطرق لا عنيفة يمكن التنبؤ بها إلى حد ما. ويكون احتمال نشوب حرب منخفضاً.
يذكر لند العديد من أمثلة السلام المستقر, بما في ذلك الانفراج في العلاقات الأميركية -السوفيتية أواخر الستينات، والعلاقات الأميركية-الروسية الحالية، والتسوية بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام ١٩٩٤ والعلاقات الصينية -الأميركية عام ١٩٩٥ .

وكما توضح هذه الأمثلة، فإن الاستقرار أمر غير مسلم به جدلاً. وتتضمن الحالات المحلية المناظرة للسلام المستقر "الاتفاقات السياسية الوطنية بين الجماعات السياسية المتنافسة والمتعادية في بعض الأحيان"، آما جرى في جنوب إفريقيا بين عام 1994 وعام 1995.

كما هو الحال في السلام الدائم، فإن آلية حل النزاعات مازال يُطلق عليها دبلوماسية أو سياسة وقت السلم.

السلام غير المستقر

إذا لم تحل النزاعات واستمر تصاعد التوترات, فإن الصراع قد يدخل بمرور الوقت مرحلة تعرف بالسلام غير المستقر.

يقول لند السلام غير المستقر هو وضع تتصاعد فيه حدة التوتر والشك بين الأطراف، ولكن مع غياب العنف أو عنف متفرق. ويسود السلام السلبي لأنه على الرغم من عدم نشر القوات المسلحة أو عدم استخدامها، إلا أن كل الأطراف تنظر إلى بعضها بعضاً
كأعداء وتحافظ على قدراتها العسكرية الرادعة... قد يمنع توازن القوى العدوان، مع بقاء احتمال حدوث أزمة وحرب.

وتبعاً للند, فإن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران عام ١٩٩٥ تعد مثالاً جيداً للسلام غير المستقر. أما أمثلة السلام غير المستقر المحلي فتتضمن القمع الحكومي لجماعات المعارضة, آما حدث في ميانمار (بورما) عام ١٩٩٥.

يطلق على المبادرات التي تتخذ لنزع فتيل التوتر أثناء فترة سلام غير مستقر بالدبلوماسية الوقائية ومنع الصراع ، والتي تتضمن أهدافها تقليل التوترات وحل النزاعات، ونزع فتيل الصراعات، ومنع حدوث الأزمات. فإذا نجحت الجهود, تختفي التوترات.

الأزمة

ومع ذلك، إذا لم تنجح الدبلوماسية الوقائية ومنع الأزمة، فقد يستمر تصاعد التوترات . وقد تصل العلاقات إلى مرحلة الأزمة عبر مواقف المواجهة المختلفة.

وكما يشرح لند ، الأزمة عبارة عن مواجهة محمومة بين قوات مسلحة محتشدة وجاهزة للقتال وقد تشترك في تهديدات ومناوشات عرضية بسيطة ولكنها لم تمارس أي قدر من القوة ذي أهمية . ويكون احتمال اندلاع الحرب مرتفعاً.
على سبيل المثال، يشير لند إلى أزمة الصواريخ الكوبية عام ١٩٦٢، بالإضافة إلى العلاقات في البوسنة عام ١٩٩٦ . إن العنف السياسي المستمر، مثلما حدث في كولومبيا عام ١٩٩٥ وما بعده، يعد النظير المحلي لطور الأزمة.

يطلق على المبادرات التي تتخذ لنزع فتيل التوتر خلال فترة الأزمة دبلوماسية الأزمة وإدارة الأزمة، والتي من بين أهدافها احتواء الأزمات وإيقاف السلوك العنيف أو القسري.

إذا لم تنجح جهود دبلوماسية الأزمة، فقد يتفجر العنف، وقد يدخل الصراع في مرحلة الحرب.

ويشرح لند قائلاً : الحرب قتال متواصل بين قوات مسلحة منظمة . وقد تتفاوت شدتها ما بين صراع منخفض الحدة لكنه متواصل أو فوضى مدنية إلى حرب ساخنة شاملة.

وبمجرد حدوث استخدام واضح للعنف أو للقوة المسلحة، تكون الصراعات عرضة بشكل كبير لدخول دوامة من العنف المتصاعد. ويتزايد شعور آل طرف بمبررات استخدام العنف لأن الطرف الآخر يستخدمه. لذا فإن حد الصراع المسلح أو الحرب مهم بشكل خاص.

وكما يشير لند، فإن المصطلح يستخدم ليس فقط للصراعات الكبيرة مثل فيتنام والحرب العالمية الثانية, ولكن أيضاً للحروب الأصغر مثل الشيشان أوائل عام ١٩٩٥ وما بعده. ويورد لند مثالي الصومال في أوائل عام ١٩٩٢ والجزائر عام ١٩٩٥ كمثالين لنوع الفوضى المدنية التي يمكن أن توصف بأنها حرب.

وتعرف جهود الأطراف الخارجية في إنهاء القتال بصنع السلام أو إدارة الصراع. وإذا ما تم التوصل إلى اتفاق لإنهاء القتال، فإن تلك الأطراف الخارجية قد تشترك في فرض السلام أو تهدئة الصراع.

ما بعد الحرب:

إذا نجحت جهود صنع وفرض السلام، ستخمد الصراعات . قد يحدث وقف لإطلاق النار مما قد يساعد على تقليل التوترات والعودة بالعلاقة من حالة حرب إلى حالة أزمة.

وفي هذه المرحلة يطلق على جهود منع تصعيد الصراع حفظ السلام وإنهاء الصراع.
ونتيجة التوصل إلى تسوية, يمكن أن تبدأ الأطراف في إنجاز العمليات الصعبة لحل الصراع و بناء سلام ما بعد الصراع. ومن خلال مثل هذه المجهودات، يمكن تقليل حدة التوترات إلى نقطة يمكن عندها وصف العلاقة بأنها سلام مستقر أو حتى سلام دائم.
قد يبدو هذا التغير صعباً لكنه ليس مستحيلاً. ويضرب لند عدة أمثلة منها البوسنة عام ١٩٩٦ كمثال لصراع تحول من حالة حرب إلى حالة أزمة وكمبوديا عام ١٩٩٥ كمثال لصراع تحول من حالة أزمة إلى حالة سلام غير مستقر، وجنوب إفريقيا عام ١٩٩٥
كمثال لصراع تحول من سلام غير مستقر إلى سلام مستقر . ومع ذلك، كما يوضح لند في كتابه الجميل ، فإن أية ترتيبات يتم تحقيقها بصعوبة بالغة يمكن كذلك أن تنهار. حيث يمكن أن تتصاعد التوترات من جديد لأي سبب. ولا تقل أهمية مهارات الممارس في تعزيز السلام ومنع تكرار العنف عنها في منع تطور الصراع إلى مرحلة العنف في المقام الأول.

المراجع

تحليل الصراعات ، معهد السلام الأمريكي ، 2006


Europe Undivided: The New Logic of Peace ... - Foreign Affairs
https://www.foreignaffairs.com › capsule-review › euro

(Ethnic Cleansing in Kosovo: An Accounting)
http://www.state.gov/www/global/humn_rights/kosovoii/homepage.html

الديمقراطية والصراع المتأصل: خيارات للمفاوضين ، بيتر هاريس وبن ريلي، محرران
،(Democracy and Deep-Rooted Conflict: Options for Negotiators)
http://www.idea.int



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن