قطف الثمر في التاريخ والتراث والفكر مقدمة كتاب الأستاذ الدكتور باقر الكرباسي

عبد الحسين شعبان
drshaban21@hotmail.com

2022 / 6 / 14

حين طلب مني الأستاذ الدكتور باقر الكرباسي كتابة مقدمة لكتابه "قطف الثمر في التاريخ والتراث والفكر" لم أتردد في الإستجابة لطلبه على الرغم من مشاغلي الكثيرة وارتباطاتي العديدة وضيق الوقت، وذلك لعدّة اعتبارات؛
أولها - الجيرة التي كانت تجمعنا، فمنزلنا القديم في عكد السلام الذي أبصرت فيه النور ، وهو من أكبر وأعلى بيوت في ذلك الزقاق، الذي يتّصل بالزقاق الذي خلفه، حيث كان منزل الشيخ محمد إبراهيم الكرباسي، وهو عالم جليل وفقيه كبير، وولده الشيخ محمد جعفر الكرباسي وهو والد صادق وباقر، ويعتبر أحد كبار علماء اللغة والنحو في العالم الإسلامي، ومن أهم مؤلفاته كتاب "إعراب القرآن" الذي فاز بعدد من الجوائز، وكتاب "قطر الندي وبلّ الصدى" لابن هشام، وقد تتلمذ على يده العديد من الباحثين والدارسين للعلوم الدينية في الحوزة النجفية.
ثانيها - الصداقة التي كانت تجمعنا بأعمامه، وخصوصاً محمد وعلي ورضا، وهم كانوا على ملاك الحركة اليسارية، ولأن السطوح كانت متلاصقة، فكان عمي شوقي، حين تأتي شرطة التحقيقات الجنائية لاعتقاله، يقفز من سطحنا العالي إلى سطح آل الكرباسي، كما كان شمسي الكرباسي من الشيوعيين الشباب المعروفين في النجف في حينها، وكنا نلتقي معه باستمرار، وقد التقيته في طهران وكان آخر لقاء معه في دمشق في أواسط الثمانينيات قبل وفاته.
وثالثها - أن الكرباسي باقر كاتب ومؤلف وشاعر، وهو أستاذ جامعي وناشط في مجالات ثقافية عديدة، فقد كان رئيساً لاتحاد الأدباء والكتّاب في النجف، وقد حضر أكثر من دورة في جامعة اللّاعنف، حيث أُلقي فيها محاضرات وأشرف فيها على أطروحات منذ عقد ونيّف من الزمن.
إلتقيته أول مرّة بعد غربة زادت عن عقدين من الزمن بعد عودتي إلى العراق حين تقرّر إلقائي محاضرة في فندق النجف الكبير في 3 تموز / يوليو 2003 وسط حشد هائل من البشر، الذي قدم منهم العديد إلى بغداد لاستقبالي، وقام باقر الكرباسي بتقديمي إلى الجمهور النجفي، الذي على الرغم من انقطاعي عنه منذ عقود، لكنه جاء متلهّفاً للّقاء ولسماع ما سأقوله. وكنت من اللحظة الأولى التي وضعت فيها قدمي في العراق قد قلت ما كنت أتمنى أن أعود إلى العراق وأرى جزمة الجندي الأمريكي تدنّس ترابه الطاهر، فما بالك حين تكون رملة الإمام علي هي المستباحة التي قال عنها الشاعر مصطفى كمال الدين :
يا رملة النجف الشريف تذكّري / ظمأ العيون وفي يديك المورد
كان الجنود الأمريكيين يتجولون حول المدينة ويتنقّلون أحياناً بسياراتهم عبرها، ورأيت بعضهم في أحد المطاعم وأنا في عودتي إلى بغداد، بعد أن يئست من البحث عن قبر والدي، الذي جرفته الجرّافات في عهد النظام السابق للقضاء على بقايا انتفاضة العام 1991، فاضطررت إلى مغادرة المكان وهاجت قرحتي القديمة.
لم يكن في مقدوري الالتزام بكتابة تقديم مكثّف لهذا الكتاب الغني، فالتكثيف مهمة صعبة تحتاج إلى وقت وجهد، وكان ماركس قد أرسل مخطوطة كتاب إلى إنجلز يطلب فيها رأيه، وانتظر لعدّة أشهر فلم تصله ملاحظاته ، على الرغم من الرسائل التي أمطرها ماركس عليه ، ثم استلم بالبريد مخطوطة موازية، مع رسالة اعتذار يقول فيها إنجلز :" آسف لم يكن لدي وقت لكتابة ملاحظات مكثفة، فكتبت هذه المخطوطة".
باختصار أقول أنني لا يمكن كتابة مقدمة دون الإشادة بشخص المؤلف، فبعض المؤلفات تترك تأثيرها عليك بحكم مادتها، وبعضها الآخر يكون التأثير عليك مضاعفاً وقوياً بحكم مؤلّف الكتاب. والكتاب الذي نتحدّث عنه يحمل الإيجابيّتين، فأنت لا تستطيع سوى التسليم بأثر الكتاب ونصّه عليك، خصوصاً وهو كتاب جامع تضمّن إضاءات لعدد من الموضوعات ولعدد من المفكرين والباحثين في التاريخ والتراث والفكر، فضلاً عن تنوّعه وغنى محتوياته، يضاف إليها منهجيّة الباحث ودقته، والمصادر المعتمدة لديه دون أن يغفل في الكثير من الأحيان تقديم رأيه ووجهة نظره، وهو ليس تجميعاً لآراء وأفكار وعرضها، وإنما فيه مساهمة اجتهادية لابدّ من الوقوف عندها.
وكذلك لا تستطيع إلاّ التسليم بأثر المؤلف العميق وشخصه الذي يضيف قيمة إلى ما يكتب، خصوصاً وهو سليل عائلة علمية ودينية لها مكانتها في المجتمع النجفي ، وقد انخرط باقر الكرباسي كناشط مدني وأكاديمي وأديب في العديد من الفاعليات الثقافية والفكرية من خلال موقعه أيضاً كأستاذ في جامعة الكوفة، وقد استضافني مرّة ثانية قبل أكثر من عقد من الزمن في الجامعة (كلية التربية) للحديث عن الجواهري الكبير وشعره في تقديم نقدي لمنجزه الأدبي وحياته ارتباطاً بالمحيط النجفي، المنبع الأول لكلينا ومعنا من أدار الندوة ونظّم النقاش الأستاذ الكرباسي.
وهكذا جمعت الندوة ثلاث أجيال نجفية: الجواهري وشعبان والكرباسي، وجاء في تقديمه أنه يقدّم علماً من أعلام النجف والعراق ليتحدّث عن علم كبير وعن مدينة رائدة : إنها النجف الأشرف مدينة: الجواهري وعلي الشرقي والشبيبي وسلام عادل وبحر العلوم وشعبان، وهي تفخر بهذه الكوكبة اللامعة والمتميّزة ومعها شخصيات فكرية وثقافية وأدبية وسياسية ودينية عديدة.
وأجد نفسي وأنا أقرأ مخطوطة الكتاب التي ضمّت 14 بحثاً ودراسة ومساهمة متنوعة إلاّ وأقف مدفوعاً لحث الجيل الجديد على توسيع أفق البحث ودوائر الانشغال بتلاقح اختصاصات وتواصل معارف. ويعتبر باقر الكرباسي نموذجاً للباحث المواكب والمنفتح والمتعطّش إلى المعرفة وإلى المزيد من الإلمام بحقول الثقافة المختلفة.
يمتاز الكتاب بقدر كبير من الوضوح، وتلك هي الميزة الأساسية التي احتواها بنصوصه المتنوّعة، وإن كانت مختلفة، إلاّ أنها مؤتلفة في الآن يجمعها خيط الفكر والتنوير الذي حاول الباحث أن يمسك به من أول الكتاب حتى آخره، خصوصاً حين يتوجّه إلى جيل الشباب أو يبحث في قضاياهم، وهو مزاوجة بين البحث التاريخي والتراثي وبين البحث السوسيولوجي الفكري، إضافة إلى ربط ذلك أحياناً بالأنثربولوجيا، حتى وإن كان يتناول اقتصاديات المعرفة ولغة الإعلام.
يسلّط الكتاب الضوء على حركة الاستشراق وأبعادها السياسية والثقافية من خلال بحث الصديق المفكر الأستاذ حسن الحكيم، الذي يتوقف عند الاستشراق والمستشرقين في الكتابة التاريخية، ليؤكّد أن بعض هؤلاء المستشرقين يسيء إلى الشرق عن قصد، وبعضهم الآخر عاشق للشرق:
الأول - أضرّ حين قدّم الشرق وفقاً لمصالحه ونظرته الاستعلائية المسبقة؛
والثاني - قدّم خدمة للعلم، وهو الاستنتاج الذي سيتوصل إليه البروفيسور الحكيم والذي يدعمه الدكتور الكرباسي، والعلّة كما يقول الكرباسي "ليست بالإستشراق، بل في بعض المستشرقين الذين استغلوا الاستشراق لأهداف ومآرب سياسية واستعمارية وتبشيرية".
والمستشرقون بعضهم منصفاً والآخر مسيئاً وثالث بينَ بيْن أو "منزلة بين المنزلتين".
أما في القسم الثاني فيدرس الكرباسي ياقوت الحموي في معجمه "البلداني" وهو جهد عظيم ونال شهرة واسعة، ومع تقييمه لهذا الجهد الموسوعي إلاّ أنه يرى أن بعضه كان مقتضباً وبعضه الآخر وقع النساخ والمحققين في بعض هفواته دون أن يقلل ذلك من كونه مصدراً أساسياً لمن يريد البحث في علم الجغرافيا والبلدانيات.
وفي بحث ثالث يقدم لنا الكرباسي حُزمة معلومات مهمة عن العلماء العرب الذين بحثوا في علوم البيطرة والحياة، وهما ركنان أساسيان من أركان التقدم العلمي، خصوصاً لما له علاقة بعلم الوراثة وطريقة عيش الحيوانات وسلوكها، إضافة إلى علم النباتات بكل صنوفه، يدلّ على تطور الحضارة العربية - الإسلامية، ولاسيّما علوم الطب والصيدلة والكيمياء والجيولوجيا (علوم الأرض) وغيرها.
ولعلّ تسليط الضوء على هذا الحقل العلمي من زاوية تاريخية له علاقة بفلسفة العلوم وتطورها، وهي دليل تقدّم أي أمة أو شعب أو مجموعة بشرية. ولايمكن ذكر ذلك دون الإشارة إلى الجاحظ وكتابه "الحيوان"، وجابر بن حيّان الكوفي بما له علاقة بالنفس والآفات والبلايا والصحة الجسمية وعلاقة ذلك بالروح.
وينتقل الكرباسي إلى حقل جديد ليطلعنا على أهمية الفهرسة المتنوعة وهو ما له علاقة بالعلوم الحديثة التي لم تعد مقتصرة على العلوم التجريبية أو الذاكرة، بل على القدرة على تنظيمها وهو ما يتناوله صلاح نوري المرزوق، فقد خلق منذ ألف عام ورّاق بغدادي كتاب اسمه "الفهرست" معلناً ظهور علم جديد، وهذا العلم لقي اهتمامات في أوروبا منذ أواخر القرن السادس عشر وتطوّر إلى أن وصل إلينا اليوم بعصر الآلة والعقل الإلكتروني والذكاء الاصطناعي في ظل الثورة الصناعية بطورها الرابع.
والبيبلوغرافيا أو الفهرسة تطورت حتى أن علماً باسم علم المكتبات أصبح معروفاً منذ عقود من الزمان وافتتحت فروعاً له في بعض الجامعات العربية، وإن كان يحتاج إلى تطوير وتنظيم وتحديث، وذلك ليكون عوناً للباحثين في دراساتهم وأبحاثهم، بل لا غنى عنه لذلك.
ويتوقّف عند المرزوق الذي يعتبره "ورّاق الحلة الفيحاء" وسجّل تاريخها ومطبوعاتها ومخطوطاتها وحافظ شعرائها وأدبائها ومؤلفيها وكتابها ومسرحييها وفلكلورها تحت عنوان "أعلام حليّون".
وفي مبحث خاص يتناول المؤرّخ كوركيس عوّاد الذي كان له فضل كبير في إزاحة الغبار عمّا علق بالتراث وتحقيق العديد من المخطوطات، بما يُعَدّ خدمة جليلة، لتأكيد تميّز حضارتنا القديمة منها وصولاً إلى الحضارة العربية - الإسلامية وتفرّدها وعطاءها الإنساني، وهو ما حاول الغرب الإهتمام به لإدراكه قيمة هذا التراث العظيم ونفائسه، لما فيه من ثروة كبيرة وكنوز عظيمة ونافعة في مختلف المعارف والعلوم.
ثم ينتقل الكرباسي في مبحث خاص إلى فن العمارة وأثرها في التراث العربي – الإسلامي، فالتراث هدية الأمة، والعمارة هي من أقدم النشاطات وأهمها التي ولع بها البشر في السكن وأماكن العمل والإنتاج وبناء المدن والقرى والقصبات وكان الفن المعماري لدى المسلمين شعوباً وحكّاماً يحظى بالتقدير.
ومن الشواهد على الإبداع بناء المساجد والقصور والمدارس والمستشفيات والقلاع وغيرها، وهو ما نقله العرب إلى البلاد التي فتحوها مثلما استفادوا من هندستها المعمارية.
ويربط الكرباسي الموجّه الأساسي للمكوّنات الداخلية التي انعكست على التشكيلات الخارجية لفن العمارة الذي استقر في وجدان الإنسان العربي المسلم كما يقول، وأصبح مرجعاً للإبتكار والإقتباس بتشكيلاتها الجمالية ومكمّلاتها الزخرفية.
ويخصص الكرباسي فصلاً خاصاً لعدد من رسائل الإمام علي إلى عماله (سفرائه أو ولاته) في البلدان المختلفة ليستدل من خلالها على قيم التسامح والتعايش السلمي ونصرة المظلوم وإحقاق الحق، فهي أساس للعدالة والإنسانية التي آمن بهما.
ويعيد في مبحثه هذا المسألة إلى جذر التسامح والتعايش في تراثنا، وعلى الرغم من أن التسامح لفظاً لم يرد في القرآن الكريم، لكن الشريعة ذهبت إلى ما يفيد إلى معناه، وقد جاء ما يقارب أو يدلّ عليه مثل التقوى والتشاور والتآزر والتواصي والتراحم والتعارف ، وكلّها تؤكد على حق الإختلاف بين البشر وإن كان لا يلغي الإختلاف، كما ذهبنا إلى ذلك في كتابنا " فقه التسامح في الفكر العربي – الإسلامي – الثقافة والدولة"، دار النهار، بيروت، 2005 ، صفحة 95 .
ويستدلّ من قول الإمام علي بحق الخوارج قوله: لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فإنه من طلب الحق فأخطأه، ليس كمن طلب الباطل فناله.
ورسائل الإمام علي إلى مالك بن الأشتر النخعي "لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعاً ضارياً لتأكلهم، فالناس صنفان، إمّا أخ لك في الدين أونظير لك في الخَلق".
وفي رسالة إلى عامله محمد بن أبي بكر يخاطبه فيها :" إخفض للرعيّة جناحك وابسط لهم وجهك وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة والإشارة والتحيّة، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك".
ويتناول مشكلات الحضارة والشباب العربي في فصل خاص، وكذلك حاجة الشباب إلى التنوير في فصل آخر، يبحث فيهما معنى الحضارة ومشكلاتها ومعاناة الشباب وأزمة الحداثة. والشباب ثروة الأمة وكنزها، ويعرض بعمق مشكلاته الثقافية والإجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية والعلمية، كما يتناول الحاجة إلى التنوير الذي يتطلب مواجهة جذور "التعصّب" ووليده "التطرّف"، وهذا الأخير حيت يصبح سلوكاً يتحوّل إلى "عنف"، والعنف حين يضرب عشوائياً يصير "إرهاباً"، وإذا كان عابرً للحدود يتحوّل إلى "إرهاب دولي".
وفي فصل خاص يتناول المفكّر طه حسين تحت عنوان "دوره الحضاري" والمقصود ريادته واجتهاده ونضاله من أجل الحرية الفكرية، كما يسلّط الضوء على دوره في تكوين منظومة عميقة ومؤثّرة في فكرنا العربي، لاسيّما في الأدب والتاريخ، إضافة إلى مشروعه الثقافي رؤيةً ومنهجاً ومفاهيماً.
ويتوقّف في فصل مستقل عند المفكّر حسين مروّة ليسلّط الضوء على كتابه "النزاعات الماديّة في الفلسفة العربية – الإسلامية"، وهو الكتاب الذي أثار جدلاً ثقافيّاً ومعرفيّاً واسعاً، كما يقول، وأضيف إن محاولة قراءة التاريخ العربي – الإسلامي ضمن منهجية جديدة، ربما لم تستكمل أدواتها، وخصوصاً وإن مثل هذه القراءة حين تكون باستنتاجات مسبقة أو ضمن فرضيات مصنّفة، ربما تؤدي إلى نتائج ليست بالضرورة قريبة من الواقع، وقد حاول مروّة تكييف ذلك وبذل جهداً كبيراً لبلوغ استنتاجاته التي أثارت أسئلة جديدة حول المنهج والخصوصية ، ومثل هذه القضايا ماتزال مطروحة للنقاش لما تثيره من إشكالات فكرية ومعرفية.
وقراءة حسين مروّة إضافة إلى قراءات محمد عابد الجابري والطيب تيزيني وحسن حنفي وطه عبد الرحمن وصادق جلال العظم ومحمد أركون وهشام جعيط وحليم بركات، ربما تعطي صورة أوضح لتراثنا بمنهجيّتها المختلفة.
وتوقّف الكرباسي في فصل خاص عند دور المثقف وقدرته في إحداث الوعي، وذلك من خلال مصطلح النخبة وعلاقته بالجماهير والسلطة، وحاول استعراض عدد من الأسماء على هذا الصعيد. وبالطبع فإن دور المثقف في حركة النهضة وما بعدها في فترة الكفاح ضد الإستعمار اختلف عما هو عليه بعد الإستقلال، وقد عملت الحكومات "الوطنية" على تدجينه وحصره في تلميع صورتها وأنظمتها الشمولية وتزيين خطابها وحرق البخور لها وإن لم ينخرط في قنواتها فسيكون مصيره التهميش والملاحقة وحجب حق التعبير عنه إن لم يكن بالسجن فبكاتم الصوت.
واستدل على ذلك ما قاله الرُواد في حركة التنوير والإصلاح، فقد قال:
الطهطاوي - بالتمدن بديلاَ عن سوء الحال.
وبطرس البستاني - بالتمدن نقيضاً للتوعّر أو التوحّش
وأمين الريحاني- الثورة (التغيير) بدلاً من التعصّب
ومحمد علي كرد - الحديث برفض القديم
وفرنسيس مراش - مملكة التمدّن بالحرية لهزيمة مملكة التوحّش والعبودية
وداروين - التطور والارتقاء وهو ما تبناه سلامة موسى وشبلي شميّل واسماعيل مظهر.

وخصّص فصلان قبل الختام أحدهما للإقتصاد والمعرفة والآخر للغة الإعلام، وإذا كان العالم يتجه نحو اقتصاديات المعرفة التي تزداد فيها نسبة القيمة المعرفية المضافة على نحو كبير، فإن لغة الإعلام وتكنولوجياته والطفرة الرقمية "الديجيتل" تُعتبر رفداً واستكمالاً لاقتصاديات المعرفة.
واللغة هي عنوان ثقافة الأمة وميزان حضارتها، وتتحد الأمم على ترقية لغتها وإن كانت لغتنا العربية كأحد أركان هويّتنا مستهدفة، الأمر الذي يستوجب حمايتها لأنها التعبير الحقيقي عن العقل الجمعي وكل إنسان بلغته ومن لسانه يعرف مكنونه. واللغة في المفهوم الإعلامي ترادف حلقة من حلقات سلسلة عملية الإتصال التي قوامها (المُرسل والمُستقبل والرسالة ووسيلة الإتصال)، كما يقول الكرباسي.
وثمة دلالة بين اللغة الإعلامية والاجتماعية والنفسية، وللشباب دورهم في عملية التواصل، خصوصاً في ظلّ حماستهم وخطابهم الذي يمتاز بالحيوية والتفاعل والجدّة والرغبة في التغيير.
إن كتاب باقر الكرباسي " قطف الثمر في التاريخ والتراث والفكر" ، هو جهد معرفي متنوّع وأنيق ومتناسق، وأعتقد أنه سيغني الباحث العربي المتخصص والإنسان العادي لما فيه من عناوين ذات جاذبيّة ومضامين حيوية، فضلاً عن أسلوب تناول سلس توجّهاً وتأصيلاً لعملية التنوير واحترام لعقول القراء.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن