صمت حكومة دمشق حيال الأطماع التركية! كيف يُفسَّر؟

ضيا اسكندر
diskandr@gmail.com

2022 / 5 / 31

دأبت السلطة التركية ـــ بزعامة رجب طيب أردوغان ـــ على التدخّل في الشأن السوري منذ بداية الأزمة السورية عام ٢٠١١. بعد أعوام من العلاقات "الأخوية" بين البلدين. فقد شرعت في التوغّل تدريجياً في غابة الأحداث إثر اندلاع المظاهرات في أغلب المحافظات السورية، مُبديةً "النصح والإرشاد" في بادئ الأمر، لسلطة دمشق، على أن تقدّم جملة من التنازلات؛ في طليعتها إشراك جماعة الإخوان المسلمين في الحكم بمناصب سيادية، وذلك نتيجة العلاقة الأيديولوجية بين حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وتنظيم الإخوان المسلمين. ولمّا رفضت السلطة السورية تلك العروض؛ تعمّقت الشروخ بين البلدين، وأخذت العلاقة تتأزّم بينهما، وبدأت التصريحات والتهديدات التي أطلقها المسؤولون الأتراك بعيدةً تماماً عن الأصول الدبلوماسية، ثم انتقلت إلى الانخراط في ميدان الصراع. حيث قامت بمساعدة المعارضات السورية في عقد المؤتمرات على أراضيها، وتمويلها والسيطرة عليها، (مؤتمر انطاليا في الأول من يونيو / حزيران 2011)، وساهمت في تأسيس ودعم وتدريب ما يسمى بـ "الجيش السوري الحر" الذي أعلن عن نفسه من داخل تركيا في 29 يوليو/ تموز 2011.
ولم تكتفِ سلطة أردوغان بذلك؛ بل سعت إلى إنشاء تحالفات قوية مع "أحرار الشام" و"نور الدين الزنكي" و"لواء التوحيد" المتحالف مع جبهة النصرة. بالإضافة إلى مقاتلي الحزب الإسلامي التركستاني وحتى تنظيم داعش، مع فتح الحدود والمعابر لكل من يرغب في مقاتلة النظام السوري. كل ذلك مع ادّعائها الوقوف إلى جانب الشعب السوري في محنته، محاوِلةً إخفاء مطامعها في المنطقة، والسعي إلى تحقيق الحلم الإمبراطوري العثماني الإسلاموي.
وبذريعة حماية أمنها القومي من المنظمات الكردية "الإرهابية"؛ قامت بسلسلة من العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية بالاشتراك مع مرتزقة من مختلف الجنسيات، أطلقت عليها تسميات متعددة (درع الفرات ٢٠١٦، وغصن الزيتون ٢٠١٨، ونبع السلام ٢٠١٩.. وغيرها). واحتلت بموجبها جرابلس وريفها وعفرين وإعزاز والباب ورأس العين وتل أبيض.. مرتكبةً أبشع جرائم الحرب المخالفة لكل القوانين والمواثيق الدولية. وعمدت إلى تتريك المناطق المحتلة وتهجير سكانها، مستخدمةً كل الوسائل لطمس معالم وهوية المناطق التي احتلتها وإسباغ العثمنة عليها.
وفي مطلع أيار/ مايو الجاري، خرج الرئيس التركي بإعلان خطير، وقال إنهم يحضّرون لعودة طوعية لمليون لاجئ سوري تستضيفهم تركيا، وذلك بدعم من "منظمات تركية ودولية".
لقد أراد أردوغان من هذه الخطة "ضرب عدة عصافير بحجر واحد". فهو سيخفف من الضغوط في الداخل، وينزع من بين أيدي المعارضة التركية ورقة رابحة كانت تستخدمها لشحن الأتراك ضد حكومة أردوغان. كما سيعمل هذا الأخير على تطبيق خططه في التغيير الديمغرافي؛ تمهيداً لإلحاق المناطق المحتلة بالأراضي التركية تنفيذاً لـ "الميثاق الملّي" الصادر عن الآباء المؤسسين للجمهورية التركية عام 1920. وهي الوثيقة التي يتخذها أردوغان اليوم لشرعنة سياساته العدوانية في الشمالين السوري والعراقي، اللذين يعتبرهما تابعين للسلطنة العثمانية. بالإضافة إلى أنه ـــ بتأمين أماكن للّاجئين المرحّلين عن تركيا ــــ ربّما يضمن له عدم تحرك الرأي العام الدولي ضد تنفيذ مشروعه الاستعماري.
من المؤكد أن هذا المشروع إذا ما تم تنفيذه، سيكون تكريساً خطيراً للتغيير الديمغرافي وتقسيماً فعلياً لسورية، وستمتد ارتداداته لسنين طويلة، على الرغم من أن احتمالات فشل هذا المشروع تفوق احتمال نجاحه، وذلك لأسبابٍ عديدة؛ منها أن غالبية اللاجئين السوريين غير راضين عن هذا المشروع، لأنه سيتم توطينهم في مناطق ليست لهم، وفي منازل ليست منازلهم، وسيكونون تحت رحمة جماعات مسلحة إرهابية ترعاها المخابرات التركية. فأيّ ضمانة لهم هناك؟! وهم إذا رغبوا بالعودة إلى بلادهم؛ فإنما يرغبون بالعودة إلى مدنهم وقراهم، بعد إعادة إعمارها وتأهيل المتضرّر منها.. ثم إن الأراضي التي من المفترض أن يُنقلوا إليها تعود ملكيتها لمواطنين بوثائق قانونية، وهذا سيؤدي إلى زرع الفتنة والشقاق بين السوريين، وإلى رفع دعاوى قضائية، وسيخلق مشكلات هائلة قد يكون لها أبعاد قانونية دولية، ولن تكون تركيا بعيدة عنها لأنها المسبّب الرئيس لتلك المشكلات. كما أن هذا المشروع مرفوض من قبل ثنائي أستانة (روسيا وإيران)، وسيجعل الحكومة التركية تصطدم بخرقها لتعهداتها السابقة خلال مسار أستانة، حول وحدة سورية واستقلالها وسيادتها.
بالإضافة طبعاً إلى رفض الحكومة السورية المفترض لهذا المشروع، والتي لم تعلن إدانتها الرسمية لهذا المشروع الخطير إلّا بعد (17) يوماً من إعلانه. وإذا كنا نتفهّم صمت المجتمع الدولي على الجرائم التركية وانتهاكاتها بسبب مصالحه، ولا يريد خسارة تركية تحت أي ظرف كان، حتى ولو كان هذا الظرف على حساب السوريين؛ فإن الصمت المريب الذي تتسم به حكومة دمشق حيال هذا المشروع غير مفهوم بتاتاً. فهي من جهة تعتبر تركيا دولة معادية قامت باحتلال أراضٍ سورية ونهبت خيراتها.. لكنها في الوقت ذاته، لم تتحرك عبر المحافل الدولية بالشكل المطلوب؛ دفاعاً عن سيادتها واحتراماً لترابها، لحثّ المجتمع الدولي على اتخاذ قرار يدين الممارسات التركية المخالفة لأبسط المعايير والأعراف الدولية، وإجبارها على الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة.
إن الوقوف الجدّي ضد المخططات والأطماع التركية يتطلب بالدرجة الأولى الحوار والاتفاق والتنسيق مع قوى المعارضة السورية، وخاصة تلك المغيّبة حتى الآن، سواء عن مفاوضات جنيف وأستانة أو اللجنة الدستورية ــــ وأعني بها الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تسيطر على أكثر من ٣٥% من الأراضي السورية في شمال وشرق سوريا ــــ وهذا ما لا ترضى به حكومة دمشق حتى الآن إلا بشروطها المتمثلة بخضوع جميع من يعارضها؛ للعودة إلى ذهنية ما قبل عام ٢٠١١ مع تجميلات ترقيعية للنظام لا يمكن أن تلبّي طموحات الشعب الذي قدّم التضحيات الجسام من قتل واعتقال وتفقير وتهجير وتجويع..
ثم أنه لم يعد خافياً على أحد اللقاءات الأمنية التي لم تنقطع بين الاستخبارات التركية والسورية طيلة فترة الأزمة. وإذا كان الطرفان يختلفان في مجالات كثيرة، فإنهما يتفقان في الموقف المناهض للإدارة الذاتية الديمقراطية، فحكومة دمشق ترفض الاعتراف بهذه الإدارة التي قامت على أساس تشاركي بين المكونات السورية المحلية في المنطقة، وعلى أساس وحدة سورية الجغرافية والمجتمعية. كما لا تتورّع عن التعبير المضمر أحياناً بالوقوف إلى جانب كل من يسعى إلى ضرب الإدارة الذاتية وإفشالها ـــ حتى لو كان تنظيم داعش نفسه ـــ كما حصل إبّان هجوم الأخير على سجن الصناعة في حي غويران بالحسكة، في العشرين من شهر كانون الثاني / يناير 2022. حيث وصفت دمشق ما يجري من أحداث بـ "التمييز العنصري وجرائم حرب ضد الإنسانية"..
والتعبير الواضح والعلني، أحياناً أخرى، برفضها للإدارة الذاتية جملةً وتفصيلاً. وخير مثال على ذلك؛ الحصار المفروض من قبل الفرقة الرابعة التابعة للنظام على حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، اللذين يقطنهما أكثر من ٢٠٠ ألف شخص. علاوةً على التضييق المستمر على كل المعابر المؤدية إلى مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، وشروطها التعجيزية للموافقة على الحوار معها.
إن تعنّت حكومة دمشق في الحوار مع الإدارة الذاتية بغية التوصّل إلى حلول، ينبع من أيديولوجية وسياسة حزب البعث الحاكم الذي يرفض تقبّل الآخرين. في حين أن الإدارة الذاتية أبدت في مناسبات عديدة رغبتها واستعدادها للحوار معها، ويأتي في هذا السياق تصريح آلدار خليل، عضو هيئة الرئاسة المشتركة لـ "حزب الاتحاد الديمقراطي"، حيث قال: «ما المانع أن نجلس ونتحاور كسوريين ونطرح الحلول الممكنة للتوصل إلى صيغة حلّ لعموم القضايا الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية وغيرها.. حتى نصل إلى حلول توافقية في نهاية المطاف».
خلاصة القول، ينبغي على حكومة دمشق التخلّي عن فكرة العودة إلى ما قبل عام ٢٠١١. والأخذ بعين الاعتبار التغيرات والوقائع الكبرى التي حصلت على الأرض وتبلورت كنتيجة طبيعية فرضتها الظروف، وأصبحت تمثّل إرادة جزء كبير من الشعب السوري، خاصة في شمال وشرق سوريا.
إن حل الأزمة السورية سياسياً يستدعي تعاوناً مكثفاً من الوطنيين السوريين بمختلف مكوناتهم للضغط على حكومة دمشق؛ لإرغامها على الموافقة على الحل السياسي، ووضع حدّ للكارثة السورية، والاستفادة من الظروف الدولية بما يخدم مصلحة سورية وشعبها، وبالذات عبر السير سريعاً نحو الحل الشامل استناداً إلى القرار الأممي (٢٢٥٤) الذي أصبح وحده المدخلَ نحو إعادة توحيد السوريين.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن