الفكر والفن في ديوان الخبيئة للدكتور علي يونس - رؤية نقدية

أحمد علي حمودة
drashrafibrahimzidan@gmail.com

2022 / 5 / 13

د / أحمد علي حمودة
مدرس البلاغة والنقد بقسم اللغة العربية
كلية الآداب – جامعة بورسعيد






مقدمة :
الحمد لله حمد معترف بذنبه ومُقر بوحدانية ربه, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين .
وبعد، يعد الدكتور علي يونس من كبار المبدعين والمؤلفين في مجال الدراسات الأدبية والنقدية سيما الدراسات في العروض والقافية، فهو بلا ريب واحد من الطبقة الأولى في مصر والعالم العربي في علم " موسيقى الشعر "، والذي قدم فيه تأملات ونظرات جديدة ومبتكرة .
ولكن الكثيرين منا لا يعرفون أن هذا الأكاديمي المرموق له ديوان شعر مطبوع بعنوان (الخبيئة) وهوما يسعى البحث حثيثاً لدراسة أبرز جمالياته وتمظهراته الأسلوبية، يبدأ البحث بتمهيد ويشمل العنوان لما له من دلالات في تفسير النصوص، ثم نبذة يسيرة عن مؤلف الديوان بعنوان: على يونس الأكاديمي والشاعر، ثم فكرة موجزة عن الديوان وعدد قصائده ومقطوعاته، ثم المبحث الأول : المحور الفكري وعنونته للصراع وجوه متعددة، المبحث الثاني : محور الصورة والخيال وتشمل أولاً الصور الكلية وثانياً الصور الجزئية، المبحث الثالث : السمات الأسلوبية ويشمل : أولاً : التناص، ثانياً : القصة الشعرية، ثالثاُ : الموسيقى ( الموسيقى الخارجية – الموسيقى الداخلية )، ثم خاتمة وتشمل أبرز وأهم النتائج .
وعلى الله قصد السبيل ،،،





تمهـــيد :
أولاً : العنــوان :
لقد أولت الدراسات الأدبية والنقدية الحديثة أهمية كبرى للعنوان فهو المفتاح الذي يحمله الدارس لسبر أغوار النص قصد استنطاقها وتأويلها .. فالعنوان يسهم في فهم النص وتفسيره لأنه يمثل الموضوع العام، بينما الخطاب النصي يشكل أجزاء العنوان الذي هو بمنزلة فكرة عامة أو محورية، أو بمنزلة نص كلي (1).

" فالعنونة إذا سمة من سمات النص الشعري، وإن كانت غير لازمة إذ يمكن الاستغناء عنها ومن ثم قد يكون مطلع النص عنواناً " (2).
وبالنظر في ديوان شاعرنا فقد أطلق عليه عنوان (الخبيئة ) وهو أيضاُ عنوان القصيدة الأولى في الديوان، يقول الشاعر :
منذ عرفتك يا منة أقداري
ظهر الكنز " المخبوء " بداري
لم أره قبلك إلا رؤيا الوسنان . (3)
نلحظ هنا أن الكلمات الأولى تفصح عن بؤرة النص وتعلن طبيعته، فضلاً عن نوع القراءة التي تناسبه، فالكنز موجود في حياة الشاعر ولكن انقطعت السبل للوصول إليه فلا مساس إلا بحضور " التميمة " وهي الحبيبة، فالخبيئة مفردة دالة على الخير على وجه العموم، وهي ترمز في هذه القصيدة إلى السعادة، والتي لن تتأتى إلا بالدأب والسعي الحثيث وأخذ الدنيا غلابا، حتى ينال الإنسان ما يصبو إليه، ويكرر شاعرنا سؤاله عن كنزه المفقود :
وسألت الأسفار وأهل الأسفار فقالوا
" هو مخبوء في أقصى الأرض " (4)
وتستمر الرحلة والتي تكتشف في نهايتها أن الكنز الحقيقي ليس في المال بل في السفر للبحث عنه، خاصة إذا الطريق محفوفاً بالمحبين .

ثانياً : علي يونس الأكاديمي والشاعر :
علي السيد علي يونس، ولد في قرية شبرقاص في محافظة الغربية عام 1946م، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها، وحصل على الإعدادية من مركز السنطة، وحصل على الثانوية من مدينة طنطا، وتخرج من كلية الآداب جامعة عين شمس عام 1972م، وحصل على الماجستير عام 1982م، والدكتوراه عام 1989م من جامعة عين شمس، رّقي إلى درجة أستاذ مساعد عام 1998م، ثم حصل على درجة أستاذ عام 2006 م، يعمل أستاذاً للنقد الأدبي وموسيقى الشعر في كلية الآداب جامعة بورسعيد، كما عمل بالعديد من الجامعات العربية في عمان وقطر والسعودية، له ديوان شعري واحد بعنوان " الخبيئة " طبع في مكتبة الآداب بالقاهرة عام 2016م.
أهم مؤلفاته :
• النقد الأدبي وقضايا الشكل الموسيقى في الشعر الجديد، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب 1985م .
• نظرة جديدة في موسيقى الشعر العربي، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب 1993م.
• دراسات عروضية، دار غريب للنشر بالقاهرة، 2005م .
• أوزان الشعر وقوافيه، دار غريب بالقاهرة، 2005م .
• بحوث في البلاغة والعروض، دار غريب بالقاهرة، 2006م
• الحافة الآمنة في الإبداع الأدبي، دار غريب بالقاهرة، 2007م
• الميلودي الشعري ومقالات وبحوث أخرى، مكتبة الآداب بالقاهرة، 2017م .
ثالثاً : ديوان الخبيئة :
قصائد ومقطعات، أو كما عبر عنه صاحبه مكابدات ومداعبات وأشياء أخرى، عدد صفحات الديوان مائة وعشرون صفحة، عدد القصائد العمودية الطويلة ثمان قصائد، والمقطعات والنتف أو الومضات التي هي من بيتين إلى ستة أبيات إحدى وعشرون، وتبلغ قصائد التفعيلة ثلاثون قصيدة، أما الشعر العامي فيبلغ عشرين مقطوعة، وسأتناول ذلك بشيء من التفصيل في مبحث الموسيقى الخارجية .
المبحث الأول : المحور الفكري ( للصراع وجوه متعددة ) :
تعتمل في صدر شاعرنا بواعث مختلفة تتنازع وتتجاذب، فهناك صراع العقل والعاطفة وصراع التقاليد والموروثات مع الأهواء والمحبوبات وغيرها من أشكال الصراع النفسي يقول :
عفت حزني وعفت إصر حداجي
أيها الحزن لا تقم بفؤادي
يا لنفس قد آمنت واطمأنت
كيف تحيا أسيرة السواد (5)
تشتعل جذوة الصراع النفسي بين التقاليد وهوى النفس، فهنا صوت العقل الذي يأبى إلا أن يحافظ على موروث البيئة وتمجيد الحزن ولو ظاهراً، وصوت القلب الذي ينزع لتطبيع رغبته في خلع ثوب الحزن، ويقول أيضاً :
أيها اللائم دعني لا تلمني
لا تقل لي إن أشعارك حادت عن طريق الرفقاء
وتخلت عن نضال الفقراء
إن قومي كادحون
في سبيل الخبز قومي ينفرون
كلما لاح صباح
وأنا منهم ولكن كيف أنسى
أن لي قلباً محبا
وخيالاً ذا جناح (6)
الصراع هنا بين العقل والقلب حيث يدافع العقل ولو نسبياً عن رأي المحيط البشري والموروث الجمعي من أولوية تسخير طاقات ومواهب الفرد لنصرة حاجة المجموعة، بينما ينزع القلب للاهتمام برغباته التي ليست بالضرورة تتوافق أو تخدم مصلحة المجموعة .
يقول الشاعر :
وجمر الشوق في كبدي
لقد كان الذي كان
فهات الحاضر الآن
لأطوي فيه ما ولى
وأنساه ولو يوما
بعيداً عنك يا بلدي
بلاد دورها أسمنت
وأرض وجهها أسفلت
هناك توأد الخضرة
وعدت إليك يا بلدي
وبي ظمأ وبي سغب
ولا ريّ سوى من نبعك الصافي
ولا قوت سوى خبزك
ولا ظل سوى أفياء صفصافك
ولا أهل سوى ناسك
ولا دفء ولا صدق
سوى في قلب أبنائك (7)
المشهد هنا لاحق لانتهاء الصراع النفسي بين الحنين للوطن والانبهار بالعالم الجديد، فبعد ذهاب السكرة استقرت الفكرة، وانتصر الحنين والذكرى للعالم القديم على مغريات العالم الجديد، وبدت سوءة المجتمع الغربي فطفق يخصف على جرح حنينه من وسوم الذكريات ولوحات الأصالة، يقول :
هو جني أخفى وجهه
لكن حقيقته بانت
حين تكشفت القدمان
آخر آت يدنو مني
أهو دليلي ؟
كلا كلا ليس دليلي
هو عين الجني الأول
قد بانت منه القدمان
وأتى ثالث
هذا الثالث لا أعرفه حتى الآن
أهو دليلي ؟
أم هو جني شيطان ؟
لن يهديني إلا برهان من ربي
فمتى يأتيني البرهان ؟ (8)
الصراع هنا كان ضرباً من التيه، حيث البحث عن الحق والحقيقة المجردة التي لا لبس فيها من بين أكثر من زاعم لملكيتها، يتجدد الصراع مع كل زعم جديد، حيث تنقسم النفس لنصلين متقاتلين، أحدهما يمهد للرضوخ لتثبيت الزعم بامتلاك الزاعم للحقيقة، والثاني يدافع عن فكرة الشك وتفنيد مزاعم الزاعم بامتلاك الحقيقة المجردة، ومع كل زعم يتجدد الصراع .
يا لها من مبدعة
كيف صاغت بيديها ؟
كل تلك الأقنعة
حاليات دانيات
ناعمات باسمات
حانيات وأمقات
فاتنات رائعة
آه مما فعلت بالنفس تلك الأقنعة
سكرت قلبي زماناً بيد أني قد صحوت
فعرفت
أن وجهها كوجوه الناس خلف الأقنعة (9)
انتصار قاطع لقرار المعرفة بعد تيه الزيف والتوهم، والمعرفة هي العنصر الأهم والبحث عن الحقيقة بين المتشابهات النسق الغالب، وتحل بعد التيه وبعد الغفلة والخديعة .
ليتني أعرف قومي
في المصلى
حيث كان الناس يدعون دعائي
ويصلون صلاتي
حدثتني النفس قالت
إنهم ليسوا بقومي
وترحلت بعيداً
لبلاد شهدت مسقط رأسي
ولسان الناس فيها كلساني
وهنالك
حدثتني النفس أيضا
ما أنا منهم وليس القوم مني
إنني فيهم غريب
في مساء الأمس كان الجو برداً زمهريرا
وهمي الثلج غزيرا
ثم لاحت لي مظلة
بيدي شيخ هرم
أكل الدهر عليه
وعليها وشرب
ما لساني بلسانه
لا ولا ديني بدينه
ودعائي وهو يبدي لي اعتذاره
بابتسامة
واحتواني بالمظلة
والتقى طرفي وطرفه
واكتفيتُ
قد عرفت (10)
صراع الهوية والانتماء، فهل يكون الانتماء للدين أم للوطن ؟، لم يستطع أحد الوجهين الإجابة عن أسئلة ماهية الانتماء، ولم يستقر الطائر الحاثر بعش معد سلفاً، لكن هدته بوصلة التجربة إلى عش الإنسانية فاتخذها عشاً حيث الانتماء غير المفروض .
دع الأغنام ترعاها الذئابُ
فتلك شريعة لست تُعابُ
إذا عشق النعاج عيون ذئبٍ
فلا لوم عليه ولا عتابُ
وإن لحومها رزق حلال
وإن دماءها نعم الشراب
فقل للحر كم ناديت فيها
وكم عانيت من عقم النداء
لقد ألقيت نصحك في خواء
وما يلد الخواء سوى الخواء
ففر بنفسك الحرَّى بعيدا
وذرها تحتسي كأس البلاء (11)
الصراع بين صوتين أحدهما يريد معاودة النصح للغافلين وتنبيههم لما يحاك لهم، والصوت الآخر لم يعد يأبه بمصير الغافلين، وكان صدهم ورفضهم للنصيحة يعد عنده بمثابة دية لهلاكهم المتوقع، وبلسماً لضميره عند حلول الفاجعة، ويتخذ الصراع من الجدل واجهة له، فالصوت الداعم للتخلي عن الغافلين يحملهم وزرهم، محتجاً بعبثية النصح لمن لا يقبل النصيحة أو يعجز عن استلامها، وكما قال الشاعر قديماً :
لقد أسمعت إذ ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي (12)
بل قد يصل الأمر إلى التشفي في مأساة الغافلين المتوقعة، وتستمر ألوان الصراع وأنواعه تتمدد وتتجدد، يقول :
ليل في قريتنا داج مر
ما أعتى الليل بقريتنا من غير قمر
وسحاب يكتم أنفاس الأنجم
والبرد يجمد في الأعراق الدم
والريح سياط لا ترحم
وطريق ما أوعره في هذا الليل
وفحيح يأتيني لا أدري من أين ؟
كم من سر في قريتنا مخبوء في بئر الليل ؟
والوحشة ذئب ينهشني (13)
الصراع هنا بين الخوف والرغبة، الخوف من المجهول والرغبة في استكمال المغامرة، ويدعم الخوف الظلمة والبرد والريح والأصوات الغريبة المعروفة والمجهولة، ويدعم الرغبة في المغامرة الغموض الذي يكتنف النهاية، وأحلام الكشف، وتكهنات كنه المخبوء .
قال الصديق لقيس
أفق فعندي اليقين
من حلمك الوردي
يا ابن الملوح خانت
هواك ليلى وعافت
سذاجة الخيرّين
بل قد أتاني قديماً
بأنها منذ كانت
لم تهو إلا رجيا
فأطرق المسكين
ولم يجد ما يقول
سوى خطوط حيارى
يخطها ثم يمحو
على رمال الصحارى
وبعد صمت طويل
صحا من الآلام
وفي العيون بريق
وفي الحنايا ضرام
وقال لا يا صديقي
لقد عرفت طريقي
إن التي زعموها
ليلاي ليست بليلى
دعني أشد رحالي
لعلني ألقاها
ولو بآخر عمري
من غيرها كيف أحيا ؟ (14)
وجهان للصراع : الأول بين تصديق الخيانة وتكذيب الصديق، حيث الحلم والحب يقاتلان دفاعاً عن الوليف، ولا يتقبلان فكرة تبدل الحال واتساق الخديعة، والثاني بين الاعتراف بخطأ الرؤيا المتمثلة في الثقة في من لا يعد محل ثقة، وبين إنكار الخطأ، وادعاء المعرفة المسبقة، ثم لا تفتأ وجوه الصراع في التنوع والتبدل، يقول :
وعادت الشمس من جديد
وفر من حينا الجليد
وفي الصدور
هبت حياة كادت تبيد
وفي العروق
شبت دماء قالت أريد
وفي الطريق
كان النشور
كان النفير
لكني قلبي بين الجموع
فرد وحيد
هل تستطيع ؟
يد الربيع
إيقاظ قلبي من الهمود
لن تستطيع
قلبي هناك
إلف وحيد
هو الشباب
هو الربيع
فهل يعود
إلفي الوحيد ؟ (15)
الصراع بين نسمة من نزق الشباب وبين قرار من وقار المشيب، تهب نسمات من عبير الشباب يغمض على إثرها عينيه، ويطلق لسهام خياله العنان، ثم ما يلبث وقار المشيب أن يشد لجام سهام الخيال بقرار الواقع، فتنكسر السهام على جدار الصد رافضة إعلان الهزيمة متوعدة بجولة أخرى .

المبحث الثاني : محور الصورة والخيال :
التصوير بلا شك هو مقياس براعة الشاعر؛ فبدقته وجماله تحكم على الشعر وتفرق بينه وبين النظم، " وإذا كان المفهوم القديم قد قصر الصورة على التشبيه والاستعارة فإن المفهوم الجديد يوسع من إطارها فلم تعد الصورة البلاغية هي وحدها المقصود بالمصطلح، بل قد تخلو الصورة بالمعنى الحديث من المجاز أصلاً، فتكون عبارات حقيقية الاستعمال، ومع ذلك فهي تشكل صورة دالة على خيال خصب " (16)
" فكل ما يؤدي إلى شكل متجانس مكون من عدة عناصر متلاحمة استطاع أن يحركنا نحوه فهو صورة " (17)
يصور شعر الدكتور علي يونس انفعالاته النفسية وذبذباته الشعورية فهو نموذج صادق لفن مركب يجمع فيه عنصر الفكر مع عنصري العاطفة والخيال .
أنماط الصور :
الصورة الكلية : تتشكل هذه الصورة عندما تدخل الصور الجزئية في علاقات تكاملية، مكونة من عناقيد من الصور التي تنتظم في النهاية في سلك واحد يؤدي معنى يريد تقريره الشاعر أو يجسد إحساساً يود إبرازه (18) .
إذ يفرق النقد بين نوعين من الصور نوع بسيط، وهو الصور الجزئية المتناثرة في أبيات القصيدة، ونوع آخر تتآزر فيه مجموعة من الصور الجزئية لتكون معاً صوراً كلية تكون بمنزلة لوحة متسقة تمثل الصور الجزئية تفاصيلها المختلفة . (19)
والحق أن أروع مظاهر التجربة الفنية عند شاعرنا تتمثل في الصورة الكلية التي تصور الموقف بوجه عام، ومن الصور الكلية المُحكمة نسجاً، والمتنوعة من حيث وسائل التشكيل قصيدة قصة من ليل القرية، يقول فيها :
ليل في قريتنا داج مر
ما أعتى الليل بقريتنا من غير قمر
وسحاب يكتم أنفاس الأنجم
والبرد يجمد في الأعراق الدم
والريح سياط لا ترحم
وطريق ما أوعره في هذا الليل
وفحيح يأتيني لا أدري من أين ؟
كم من سر في قريتنا مخبوء في بئر الليل ؟
والوحشة ذئب ينهشني (20)
يلاحظ قارئ هذه الأبيات أن الشاعر يدير معانيها المختلفة حول فكرة واحدة وهي ليل القرية الرهيب وأثره المهيب، تتنوع الصور الجزئية لتشكل عنقوداً من الصور نجني منه صورة كلية موحدة، فالليل داج مر، والسحاب شخص ثقيل الوطأة يطبق على أنفاس النجوم، والريح سياط لافحة، والليل بئر لا قرار له، والوحشة ذئب مفترس له مخالب تنهش، صورة موحية لليلة حالكة الظلمة وكأنها " فيلم رعب " تنصّب على الشاعر فيها كل ألوان العذاب النفسي .
خيط عضوي مازال يربط كل جزئية بأخرى، فليس هناك انقطاع في الرؤية الشعرية أو في الحالة الشعورية، أو الأثر الذي تحس به (21)
ومن اللوحات الفريدة في الديوان قصيدة ( الملاذ ) :
افتحي بابك يا واحة قلبي
إن في دارك خبزاً ومياهاً وظلالا
وأمانا وجماما
وأن قد عدت من رحلة أهوال طويلة
أخلقتني
غير أشلاء هزيلة
قد حسوت الظمأ
وطعمت السغًّبا
وكم ذئاب وكلاب طاردتني
ففررت
وضللت
عبر أدغال وبيد وبحار (22)
تتجلى صورة الطريد الشريد الذي يخوض غمار المجهول يلهث من شدة التعب، لم تتركه هذه الرحلة إلا وهو بقايا إنسان، تعرض فيها لكل ألوان المحن، أكل جوعه وتجرع عطشه ولم يكد يسيغه، طاردته وحوش البرية وهو ينتظر المجهول الذي هو أشد وطأة من الاصطدام بالواقع .
وأخيراً ..
يا لفرحي عندما شاهدت بيتك (23)
إنها النهاية السعيدة لرحلة الأهوال، فليروي الشاعر ظمأه، وليسد رمقه ويشبع جوعه المادي والعاطفي على السواء .
الصور الجزئية :
لقد حظي التصوير البياني ( التشبيه والاستعارة والكناية ) بعناية كبيرة لدى الأدباء والنقاد والبلاغيين، وقد لوّن الدكتور علي يونس شعره بكل لون من هذه الألوان يراه قادراً على التعبير عما يريد .
أ – التشبيه :
يعتبر التشبيه في صميمه إمعاناً في الوصف، واستغراقاً في النعت لاستحضار المتميز من العناصر، ومن ثم فهو خطوة شعرية بالغة الأهمية، " .. والتشبيه هو مثير اثار الأديب حين رآه أو تذكره أو تصوره، فولد عنده استجابة، أي حالة ربط بين هذا المثير وشيء آخر وجد بينهما تقارباً أو تشابهاً، وهذا التقارب أو التشابه ذاتي بحت تولد في نفس الأديب " (24) .
من التشبيهات الموحية في ديوان الشاعر من قصيدة أحبتي قوله :
فبكم وجدت الملح كالعذب الفرات
وبكم رأيت الحسن أخضر في عيون المفردات (25)
فبوجود الأحبة استحالت الدنيا حلوة خضرة، فمالحها صار عذباً فراتا سائغاً للشاربين، وحسنها صار يانعاً خصباً في عيون الكلمات، فهنا الشاعر استخدم الماء " كرمز للحياة بما فيها من قيم ومعان تستحق الدفاع عنها، ورؤية الماء أصلاً للحياة ورمزاً لها فكرة عميقة الغور في تاريخ الحضارة الإنسانية، بحيث يبدو القول بأن الماء هو الأسطقس أو الجوهر الذي انبثقت منه الحياة عاملاً مشتركاً بين كثير من الأساطير الكونية المتعلقة بالخلق، وفي أديان الحضارة الغربية نجد الماء بوصفه رمزاً للمبدأ الأول في الخلق وفي سفر التكوين في العهد القديم، كانت الأرض خربة وخالية وكان روح الله يرفرف على وجه الغمر (26) .
كما استخدم الشاعر التصوير باللون الأخضر لما يرمز إليه من السلام والطمأنينة، "حيث يرى العلم أن اللون امتصاص موجة معينة من الضوء، أما النظرة الأدبية فترى أن لكل لون رمزاً معينا " (27)، فوجد الأدباء في الأبيض الطهر والنقاء، وفي الأسود الحزن والكآبة، وفي الأحمر الثورة والهجوم، وفي الأزرق الارتياح والهدوء والاتساع .
من التشبيهات الجيدة قوله :
كنا طفلين وكان هوانا طفلاً
طفلاًعفريتاً جنياً
لعبته المحبوبة أن يسحر قلبينا
وعدونا فبلغنا النبع الأزرق (28)
وهو هنا يصور الحب من طرفين كطفل يعد نافذة للبراءة في زمن الصراع، لكن البراءة هنا ليست كاملة، فهو عفريت من الجن يملك من الأسرار والتمتمات والتعويذات ما يسلب الألباب، هذا " الطفل الجني " لعبته المفضلة سحر القلوب؛ ويستمر الشاعر في ترشيح الصورة فيعدو مع محبوبه لاهيان عابثان حتى يصلا إلى النبع الأزرق .
وبالعودة إلى التشبيه في ديوان الشاعر نجد بعض الصور التقليدية التي تعتبر من الذاكرة اللغوية، يقول :
أقبلت أنظر في أحداقها ثملاً
والحسن يفقدني رشدي ويسكرني
كأن في طرفها خمراً تدوخني
سحراً يكبلني، غيباً يطالعني (29)
مجموعة من الصور القديمة التي استهلكها الشعراء كالعيون الساحرة التي تفقد الصواب وتقتل الرائي من شدة الثمل .
ب – الاستعارة :
لقد تحدد مفهوم الاستعارة في التراث البلاغي والنقدي على أنها علاقة لغوية تقوم على المقارنة والمشابهة شأنها في ذلك شأن التشبيه، لكنها تتمايز عنه بأنها تعتمد على الانتقال في الدلالة لأغراض محددة (30)، ويتم في ضوء ذلك حذف أحد الطرفين سواء أكان مشبهاً أم مشبهاً به، ومن هنا كان لابد من وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي للاستعارة توضح الغرض وترشد إلى المقصود، ويمتنع مع القرينة إجراء الكلام على حقيقته (31) .
وبالنظر إلى الديوان يمكن أن نستخلص أمثلة جيدة على استخدام شاعرنا للاستعارة في تصويره، يقول في قصيدة " شِيَة " :
له شية تقول بكل فخر
إليك الدين والخلق المتينا
فإن يكذب فخير الكاذبينا
وإن يغدر فخير الغادرينا (32)
وهو هنا يصور علامة نسك وعبادة تعلو جبين هذا " المتدين الشكلي "، يصورها إنساناً يفخر ويتكبر ويرى نفسه مثالاً يحتذى في الدين والخلق القويم، حتى وإن كانت الأفعال تخالف الأقوال، والملاحظ هنا " أن عملية التشخيص وليدة إحساس عميق وطاقة كبرى على التصور، وهي تنشئ الكثير من التآلف بين المبدع والأشياء، أي بين الذات والموضوع، إذ تصعد إلى مرتبة الإنسان سيد الكون، وهي عملية فنية لا يقصد بها الحقيقة في الفن، لأن هذا يعدوا وهماً وإسفافاً، بل تعد تجربة محضة تسبغ الطابع البشري على الجمادات والمجردات لتعطيها فاعلية لم تكن تعهد لهما، وحركة قوية عاقلة راقية ليست في الأصل من مستلزماتهما (33) .
فالتشخيص يعد ارتقاء بالمجاز من مرحلة التشكيل البسيط إلى مرحلة أكثر تطوراً، فهو ذو قدرة على التكثيف والاقتصاد والإيجاز .
ومن الصور الاستعارية المعبرة يقول الشاعر في قصيدة " ومضة " :
يا إخوتي عندي لكم نبأ
يحيي الموات وينشر الطلا (34)
فهذا النبأ السعيد يبعث روح الحياة والنشاط والحيوية والتوثب في الأجساد المسجاة التي واراها الثرى، ويُعمر الآثار والحطام .
كما ظهرت في ديوان الشاعر بعض الاستعارات المستهلكة والتي صارت موروثاً تقليدياً منها قوله :
وذئاب عاثت إفساداً في كل مكان
ما زال العالم في خير
ما زال يعيش الإنسان (35)
فتصوير الأشرار بالذئاب صورة مكرورة لما يرونه في الذئب من اللؤم والخسة والوضاعة.
ج – الكناية :
يحدد مفهوم الكناية عند علماء البيان أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء لمعنى هو تاليه وردفه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجعله دليلاً عليه (36) .
وقد أجاد الشاعر في اختيار كنايات يتجاوب معها القارئ من أعماقه، وتذكره بالموقف النفسي الذي كان عليه، ولاسيما أن الحالة النفسية تتراءى من وراء الصور الإيحائية، " وفي هذا يكتسب الإيحاء قوة فنية تقربه من قوة الدلالة الموضوعية في القصة والمسرحية " (37) .
من الكنايات الرائعة قول الشاعر :
وتفرحون إذا ما سوأة كشفت
مهلاً فإن لكم يا قوم سوءات
إن قُّدَّ ثوبك يا مسكين من قُبلٍ
فإن أثوابهم ليست بمنجاة (38)
بيتان يحملان روح الشافعي ونَفَسَ أبي العتاهية، فمن يفرح ويسعد لمصائب الناس ويتتبع عوراتهم، وينسى أو يتناسى أن له عورات وللناس ألسن، " إن قد ثوبك يا مسكين من قبل " صورة كنائية مستعارة من قصة سيدنا يوسف ترمز إلى مرتكب الخطيئة، فهو ليس نسيجاً وحده فالخطأ والنقص من سجايا البشر .
ومن الكنايات الكلية التي يبعث الشاعر من خلالها طاقة إيجابية لكل مظلوم ومكلوم، ويدلل ويثبت دعواه التي مفادها أن السعادة تولد من رحم الأحزان، وأن عيون الأمل تنبجس من أرض اليأس والإحباط، وأن روح الحياة قد تدب من بين العظام النخرة والرفات، يقول :
الخير فينا لم يزل يا صاحبي
فيم القنوط وحلمنا غض صبي
كم جمرة قلب الرماد أجَنَّها
من وقدها ارتعدت جيوش الغيهب
كم بين أكوام السفاسف دُرة
أحلى وأسنى من ضياء الكوكبِ (39)
ومن الكنايات المتطابقة مع الكثير من الشعراء، والتي لم تحمل أي طرافة أو جدة :
ورجعت حزيناً صفر الكفين (40)


















المبحث الثالث : السمات الأسلوبية :
إن الأسلوب هو استعمال خاص للغة، وهذه اللغة عبارة عن قائمة هائلة من الإمكانات المتاحة للتعبير، ومن ثم فإن الأسلوب هو اختيار أو انتقاء يقوم به المنشئ لسمات لغوية معينة بغرض التعبير عن موقف معين، وهذا الاختيار أو الانتقاء هو الذي يشكل أسلوب المنشئ ويميزه عن غيره (41) .
وعن أسلوب الدكتور علي يونس فهو من السهل الممتنع، تغلب في شعره الذاتية على الموضوعية، فهو يتغنى بعواطفه الخاصة وآماله وآلامه، يقص ويصف ويصور معاً، ولكنه غالباً ما يضيف إلى كل هذه العناصر هدفاً فكرياً أو اجتماعياً يزيد الشعر ثراء، يطرز الشاعر أسلوبه ببعض المظاهر والسمات أهمها :
أ‌) : التناص :
" .. هو تداخل نصوص أدبية مختارة قديمة أو حديثة سواء شعراً أو نثراً مع نص القصيدة الأصلي، بحيث تكون منسجمة وموظفة ودالة قدر الإمكان على الفكرة التي يطرحها الشاعر، إذن مفهوم التناص يدل على وجود نص أصلي في مجال الأدب أو النقد على علاقة بنصوص أخرى، وأن هذه النصوص قد مارست تأثيرا مباشراً أو غير مباشر على النص الأصلي في وقت ما " (42) .
والشاعر في ديوان " الخبيئة " يستلهم النصوص التراثية المختلفة من قرآن وسنة وشعر قديم، بالتصريح تارة وبالتلميح تارة أخرى، ومن أمثلة التناص القرآني عنده يقول :
فجمعت بقايا اشلائي (43)
وتذكرت سمائي
" ما أنسانيها إلا الشيطان " (44)
التوظيف القرآني في الشعر يعد من أنجح الوسائل، وذلك لخاصية جوهرية فنية تلتقي مع طبيعة الشعر نفسه، فهي أنها مما ينزع الذهن البشري لحفظه والإمساك بتلابيبه، كما أنه يعد تعزيزاً قوياً للشعر، ودعماً لاستمراره في حافظة الإنسان (45) .
الجدير بالذكر أن هذه المقطوعة من قصيدة الخبيئة واتي تتشابه تشابهاً كبيراً أو "تتناص" مع قصيدة الخيميائي للكاتب " باولو كويلو " (46)، وتلتقي أيضاً مع قصة من قصص ألف ليلة وليلة (47) في الفكرة والمغزى .
ومن أمثلة التناص القرآني تلميحاً هذه المرة، يقول من قصيدة نظرة :
شكراً لدبلتك الصفراء أيقظني
بريقها وأعاد الصحو في بدني
" وعاد طرفي حسيراً بعدها ورعا "
إن الوفاء ليثنيني ويهزمني (48)
وعاد طرفي حسيراً بعدها ورعاً تناص مع قوله تعالى : ( يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ) (49)، فبريق الدبلة الصفراء انتشله من أوهام الارتباط وأحلام الوصال إلى واقع الصد وحقيقة المنع، " فأسلوب القرآن الكريم اسر العرب بسحره وجعلهم يصوغون آثارهم الأدبية مهتدين بديباجته الكريمةـ وحسن مخارج الحروف فيه ودقة الكلمات في موضعها من العبارات بحيث تحيط بمعناها، وبحيث تجلى عن مغزاها مع الرصانة والحلاوة " (50) .
يستمر الشاعر في استلهام النصوص القرآنية، يقول في قصيدة " الحلم والسد " :
لكن في عرض طريقي كان السد
سد من قطر وحديد (51)
وهنا صورة السد مستوحاة من السد في قصة ذي القرنين، فقد أفرغ عليه شاعرنا القطر وصنعه بزبر الحديد.
وتستمر رحلة شاعرنا مع التناص لكن هذه المرة يستلهم النص النبوي، وذلك في قوله :
وفي ديني يكون الفُجرُ ديناً
إذا خاصمت قوماً كافرينا (52)
يعترض الشاعر " متهكماً " على سلوك بعض المتنطعين ومدعي التدين الذين يرمون مخالفيهم بالكفر البواح، وهنا يستدعي حديث النبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه والذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن آية المنافق، ومنها " إذا خاصم فجر " (53) .
ننتقل إلى التناص مع التراث الشعري القديم، فقد يوظف الشاعر أبياتاً سائدة من الشعر القديم في شعره، يقول في مقطوعة صغيرة من ثلاثة أبيات بعنوان " ليلى في إسبانيا " :
( جادك الغيث إذا الغيث هي )
يا ديار الحسن بالأندلس
أغمري ليلى بحب مثلنا
مثلما تغمر الأنداء زهر النرجس
وأعيديها إلينا إنها
في حنايا الصدر مثل النَفَس (54)
يرسل الشاعر تحية إلى أحبته في إسبانيا محملة بعبق الذكريات وأريج المجد التليد، ويرمز للأحبة " بليلى "، ولا يجد أجمل ولا أوفق لبداية مقطوعته من موشح ابن الخطيب (55) .
ما يفتأ شاعرنا يستلهم الشعر القديم وفي المقطوعة القادمة يوظف بيتاً لشاعر العربية الأول " أبو الطيب المتنبي " يقول :
وأنت صدّيقنا في كل مبهمة
إذا ابتلتنا صروف الدهر بالغّمم
" إذا سلمت فكل الناس قد سلموا "
حياة مثلك فينا نعمة النعم (56)
يشترك شاعرنا مع المتنبي في فكرة " تسلية المريض " ويستعير منه عجز بيت مشهور
قاله في مدح سيف الدولة الحمداني (57) وهو :
وَمَا أخُصّكَ في بُرْءٍ بتَهْنِئَةٍ
إذا سَلِمْتَ فكُلّ النّاسِ قد سَلِموا (58)
يؤكد الشاعر أن ممدوحه ملهم صدّيق، وهو من أعظم النعم التي تدفع النقم وتزيل الغُمم .
يواصل الشاعر معيته للمتنبي ويصدّر قصيدة له بعنوان " إلى القابضين على الجمر " باسم المتنبي وبيت مشهور له، وصدق المتنبي إذ قال :
وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ
وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا (59)
ولايزال شاعرنا ينهل من عيون الشعر العربي يضمن ويوظف، يستوحي ويطرز، يقول:
كليني لهم يا أميمة قاتل
وليل ألاقيه ثقيل الكلاكل
ومالي لا أشكو من السهد والضنى
ومشكلتي الكأداء جمع الكشاكل (60)
هذه المقطوعة من قصيدة ساخرة عنونها كاتبها " بالمعلقة الكشكولية " بدأها ببيت النابغة ذائع الصيت، ثم أخذ يجاريه ويعارضه متلمساً الفكاهة والدعابة في شيء من الشعر الحلمنتيشي.
ب) : القصة الشعرية :
وقف الشعراء المعاصرون على شيوع فن القصة بسماتها الفنية حتى كاد البعض يتخوف من زحفها على فن الشعر، وأطلق البعض على العصر عصر الرواية أو القصة، ولكن شاعرنا تعالى على هذه الدعاوي بحسه ونضجه، فكان تماسه مع هذه الأنواع الأدبية تماس الخبرة والنضج مع القوة والفعالية، حيث تفاعلت خبرة الشاعر وأصالة فنه مع قوة القصة وجاذبيتها، فتفاعلت ابياته ومقطعاته مع القصة بعناصرها المختلفة ( الزمان – المكان – الحدث .... )، ووظف بعض امكاناتها التفاعلية في النص الشعري مما أكسبه بعداً جديداً من النضج والنماء دون أن يعني ذلك إلغاء هويته، فالشعر هو الشعر مهما دخل عليه من فنيات القصة أو غيرها .
تتسم بعض قصائد الديوان بسمات وتقنيات القصة، يقول الشاعر في قصيدة عنوانها " قصة من ليل القرية " :
ليل في قريتنا داج مر
ما أعتى الليل بقريتنا من غير قمر
وسحاب يكتم أنفاس الأنجم
والبرد يجمد في الأعراق الدم
والريح سياط لا ترحم
وطريق ما أوعره في هذا الليل
وفحيح يأتيني لا أدري من أين ؟
كم من سر في قريتنا مخبوء في بئر الليل ؟
والوحشة ذئب ينهشني (61)
يأتي السرد في مقدمة التقنيات القصصية سيما في هذه القصيدة، فهو يشكل الوحدات الرئيسية التي بنيت عليها الزمان هنا ليلة حالكة الظلام، والمكان قرية الشاعر مرتع صباه، في هذه الليلة الظلماء التي افتقد فيها البدر، والغيوم تطبق على النجوم، والدماء تجمدت في العروق من فرط الزمهرير، والرياح تلفح الوجوه، الطريق شديد الوعورة، والعقبة كؤود، استمر الشاعر في سرد أحداث ليلته الكئيبة بتفاصيلها المرعبة حتى نهاية قصته .
ومن المقطوعات التي شملت تقنيات القصة مقطوعة بعنوان " شجيرة الورد " :
ضحكت لي شجيرة الورد لما
أبصرتني أطوف بين الزهور
واحتفت بي فأشرقت وجنتاها
من سرور وانثال منها العبير
قلت عفواً عزيزتي إن قلبي
منذ عامين كان فرداً وحيدا
كم هجرت الأفراح أو هجرتني (62)
يصور الشاعر نفسه في مشهد طبيعي، بينما هو يتمايل بين الزهور إذا بشجيرة الورد تبتسم له وتحاوره ويحاورها، يتجاذبان أطراف الأحاديث وكأنهما عاشقان، يبثها شكواه وأحزانه وهي تنصت باسمة، محتفية، مشرقة .
يظهر الحوار في هذه القصة الشعرية كعنصر بارز، " فهو الأداة المحورية التي يبرهن بها الكاتب على مقدمته المنطقية، ويكشف بها عن شخصياته وأعماقها الدفينة وأحاسيسها الكامنة وخلق التلاحم بينها، كما يقوم بخلق التفاعل بين الشخصيات والأحداث (63) .
ج) : الموسيقى :
إن أهم ما يميز الشعر عن النثر هو الوزن والموسيقى، وقد اتفق على ذلك معظم الأدباء، فإن النص إذا خلا من الوزن والإيقاع لا يُعد شعراً، وإن توافرت فيه خصائص أخرى مثل العاطفة والصور وغير ذلك، فإذا خلا النص من العاطفة والصور وكان موزوناً لا يسمى شعراً أيضاً بل يسمى نظماً، " وليس يضير الشعر أن تُستعار موسيقاه في نظم ما ليس من أغراض الشعر كما فعل القدماء " (64) .
" ومن الأدباء من يصف الشعر بأنه عاطفة يتذكرها الشاعر وقت الهدوء، ومنهم من يقول في الشعر هذا الكلام الخالد، ومنهم من يشير إلى الشعر قائلاً : الشعر طريقة خاصة من طرق استعمال اللغة " (65)، مهملين دور الموسيقى في تعريفاتهم للشعر .
ويجب أن توضع موسيقى الشعر في وضعها الأسمى، وألا تُقارن بشيءٍ آخر ، فليس الشعر في الحقيقة إلا كلاماً موسيقاً تنفعل لموسيقاه النفوس وتتأثر بها القلوب (66) .
والموسيقى نوعان : موسيقى خارجية، وهو الوزن أو الإيقاع، وهذا النوع هو الذي يميز الشعر عن النثر .
وموسيقى داخلية : وتشترك هذه الموسيقى بين الشعر والنثر، وهذه الموسيقى تنشأ من رقة الألفاظ أو جزالتها، أو تنافر الحروف والكلمات أو انسجامها ... إلخ
وسنتناول في هذا الجزء من البحث ديوان " الخبيئة " من حيث موسيقاه الخارجية والداخلية .
الموسيقى الخارجية :
عرّف كثير من علماء العربية الشعر بأنه " الكلام الموزون المقفى بوزن عربي "، وعلى ذلك فإن للشعر موسيقى خاصة ذات إيقاع مطرد معين (67) .
فالموسيقى الخارجية أو " الإيقاع " هي ما تميز دائماً الشعر عن النثر كما سبق وأن قلنا، " فالشعر جاءنا منذ القدم موزوناً مقفى، والشعر لا يزال في جل الأمم موزوناً مقفى، تُرى موسيقاه في أشعار البدائيين وأهل الحضارة، ويستمتع بها هؤلاء وهؤلاء، ويحافظ عليها هؤلاء وهؤلاء " (68) .
وسوف نتناول الديوان بدراسة موسيقاه الخارجية في النقاط التالية :
1- الشكل العام للقصائد من حيث الوزن والقافية .
2- شيوع وزن معين أو تفعيلة معينة .
3- استعمال أوزان " بحور " قليلة الاستخدام .
أولاً : الشكل العام للقصائد من حيث الوزن والقافية :
يتنوع شكل القصائد في هذا الديوان من ناحية الوزن والقافية، فنجد القصيدة العمودية بشكلها المألوف المتكون من أبيات لكل بيت شطران وتنتهي أبياتها جميعاً بنفس القافية، كما نجد بعض المقطعات ونجد أحياناً أخرى قصيدة التفعيلة، أو الشعر الحر غير المقيد بعدد تفعيلات معين لكل بيت، بل يتكون الشطر الشعري من عدة تفعيلات تقل أو تكثر حسب انتهاء الفكرة، ونرى أحياناً أخرى منظومات التنوع المنتظم في القافية، كما نجد أن الشاعر ربما انتقل من وزن لآخر أو من تفعيلة لأخرى في القصيدة الواحدة، وهذه بعض النماذج لتلك الأنواع المذكورة .
1- القصائد العمودية الطوال :
لم يكثر الشاعر من القصائد العمودية الطويلة في هذا الديوان، فقد ضم الديوان ثماني قصائد عمودية طويلة، وهي : ( نظرة – المتوقع – كُفّي – المُعلّقة الكشكولية – تُقى وابنتها دانية – بوركت كفك يا سيدتي – الأستاذ – هيا نلعب ) .
هذه القصائد تتحد كل أبيات كل قصيدة منها في القافية، كما أنها تلتزم وزناً معيناً لا تخرج عنه، كما أن كل قصيدة منها تتكون من سبعة أبيات فأكثر .
2- المقطعات والنتف :
وهي النصوص الشعرية التي تتراوح في أبياتها من 2 إلى 6 ابيات، وتتحد كل منها في الوزن والقافية، وهذا النوع من النصوص قد شكل جزءاً كبيراً من الديوان، فقد ضم الديوان أكثر من عشرين مقطعة ونتفة .
3- شعر التفعيلة ( الشعر الحر ) :
يمثل الشعر الحر ( شعر التفعيلة ) الجزء الأكبر من الديوان، حيث ضم الديوان أكثر من ثلاثين قصيدة من هذا النوع، كما تمثل منظومات التنوع المنتظم وغير المنتظم باقي قصائد الديوان .
ثانياً : شيوع وزن معين أو تفعيلة معينة :
قد يفضل الشاعر استخدام وزن أو تفعيلة معينة عن أخرى، وقد أكثر الشاعر في ديوان الخبيئة من استخدام تفعيلة ( فَعِلُنْ ) وزحافها ( فَعْلُنْ )، في معظم قصائد التفعيلة التي كتبها، حيث استخدم هذه التفعيلة في أربع عشرة قصيدة تقريباً، وهي أكثر التفعيلات استخداماً في شعر التفعيلة عنده، كما أكثر الشاعر من استخدام تفعيلة ( فاعلاتن ) وزحافها ( فَعِلاتن )، حيث جاءت في المرتبة الثانية بعد ( فَعِلُن ) في الاستخدام، وجاءت هذه التفعيلة في ثماني قصائد تقريباً، وجاءت ( متفاعلن ) وزحافها ( مستفعلن ) ثالثة، حيث استخدمها الشاعر في أربع قصائد، وجاءت باقي قصائد التفعيلة عنده على الأوزان الآتية : ( مستفعلن ) وزحافها ( متفعلن ) أو ( مستعلن )، و ( مُفَاعَلَتُنْ ) وزحافها ( مَفَاعِيلُنْ ) و ( فَعُولُنْ ) وزحافها ( فَعَولُ ) .
وقد ظهرت عند الشاعر بعض المخالفات العروضية خاصة في القصائد التي تتكون من ( فَعِلُن ) وزحافها ( فَعْلُنْ )، فقد ظهرت عند الشاعر في بعض هذه القصائد تفعيلة ( فَاعِلُ ) التي تتكون من (//0/) أو ( -77)، ومن ذلك قوله في قصيدة ( الخبيئة ) :
منذ عرفتك يا منة أقداري
ظهر الكنز المخبوء بداري (69)
مُنْذُ عـَـ / ــرِفْتُكً / يا منــ / نَةً أقد / داري
فاعلُ / -77 / -- / 77-- / فَعْلُن
-77 / فاعل / فعِلن / فَعِلُنْ
وغير ذلك في القصيد نفسها والعديد من القصائد الأخرى، وقد ظهرت هذه التفعيلة في الشعر الحديث عند شوقي وغيره، وأكثر ما تكون في شعر التفعيلة، وقد حاول الدكتور علي يونس تفسير ظهور هذه التفعيلة في كتابه الميلودي الشعري (70) .
أما عن القصائد العمودية والمقطعات فقد نوع الشاعر الأوزان والبحور فيها، فجاء وزن البسيط التام في المرتبة الأولى، فقد نظم الشاعر عليه خمساً من القصائد والمقطعات، وهي ( نظرة – غلمان إبليس – يا صبحنا – كُفّي – الأستاذ )، وجاء وزن الخفيف ثانياً، فقد نظم الشاعر عليه أيضاً خمساً من القصائد والمقطعات، هي ( سواء- شجيرة الورد – يوم العبور – الخصيم – الغريم ) .
وقد نظم الشاعر ثلاث قصائد على كل من بحر الرمل وكذلك الخبب، أما القصائد التي نظمها على الرمل فهي ( وصفة – ليلى في إسبانيا – بُوركت كفك سيدتي )، وأما القصائد التي نظمها على الخبب فهي ( المتوقع – مصرنا – هيا بنا نلعب ) .
وقد نظم الشاعر قصيدتين على كل من بحر الوافر وبحر المجتث، ( شِيَة – الذئاب والغنم ) من الوافر، و( طوبى لمن قال شكراً – باقة على قبر ) من المجتث .
ونظم قصيدة واحدة على البحور التالية :
مجزوء الخفيف : نظم عليه مقطعة ( قسوة ورفق ) .
الكامل : نظم عليه مقطعة ( فيم القنوط ) .
الطويل : نظم عليه قصيدة ( المعلقة الكشكولية )
المتقارب : نظم عليه قصيدة ( تُقى وابنتها دانية )
ثالثاً : استعمال أوزان " بحور " قليلة الاستخدام :
إن بحور الشعر وأوزانه ليست سواء في الاستخدام، فهناك أوزان شائعة مشهورة يكثر استخدامها من جانب من الشعراء، وهناك أوزان يستخدمها الشعراء قليلاً، وهناك أوزان اعتبرها البعض شاذة يندر استخدامها .
أما الأوزان الشائعة التي يستخدمها الشعراء بكثرة، فقد أكثر منها الشاعر في ديوان الخبيئة، ومن هذه الأوزان التي استعملها الشاعر ( البسيط – الكامل – الوافر – الخفيف )، أما الأوزان التي استعملها الشاعر وهي قليلة الاستخدام، فهي وزن ( المجتث – مجزوء الخفيف ) .
أما وزن المجتث الذي يتكون من تفعيلتين في كل شطر :
مستفعلن فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن
فقد استعمله الشاعر مرتين :
أولاً : مقطعة ( طوبى لمن قال شكراً )
طوبي لمن / قال شكراً إن الكريم / شكورُ
مستفعلن / فاعلاتن مستفعلن / فَعِلاتن
ثانياً : مقطعة ( باقة على قبر ) :
هجرتني / في حياتي ورُعتني / بصدودك
7 - 7 - / - 7 - - 7 – 7 - / 7 7 - -
مُتَفْعِلن / فاعلاتن متفعلن / فَعِلاتُن

وأما وزن مجزوء الخفيف، فقد استخدمه الشاعر مرة واحدة في مقطعة ( قسوة ورفق )، وهذا الوزن مكون من تفعيلة في كل شطر :
فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن مستفعلن
كلما زد/ ت قسوةً زاد رفقاً / ومغفرةً
-7 - - / 7 - - 7 – - - 7 - - / 7 – 7 -
فاعلاتن / متفعلن فاعلاتن / متفعلن
الموسيقى الداخلية :
إن الأوزان والقوافي هي أهم ما يميز النص الشعري عن النثر، ولكن هناك نوع آخر من الموسيقى يؤثر على النص وتذوقنا له، يتمثل في وعورة الألفاظ وغرابتها وطبيعة الأصوات المكونة للنص، وبروز التفاعيل أو عدم بروزها، وهذا النوع هو ما يسمى بالموسيقى الداخلية .
وسنقوم بتطبيق عناصر الموسيقى الداخلية على الديوان، مقتصرين على نماذج مختارة من القصائد العمودية للخروج بنتائج عامة تسري على الديوان كله، وعناصر الموسيقى الداخلية هي :
1- طبيعة الأصوات التي يتكون منها النص .
2- العلاقات بين الأصوات المتتابعة، سواء كانت متصلة أم متقاربة .
3- مدى بروز التفاعيل ووضوح عددها .
4- شيوع الألفاظ والصيغ الصرفية أو غرابتها (71) .
أولاً : طبيعة الأصوات التي يتكون منها النص :
الأصوات التي يتكون منها النص ليست سواء، فمنها ما تشعر أنه رقيق وجزل، واضح أو خافت، سلس أو صعب، إلى غير ذلك من صفات، وغلبة نوع من هذه الأنواع على النص تؤثر في موسيقاه الداخلية، فإذا غلبت عليه الأصوات الرقيقة مال النص إلى الرقة، وإذا غلبت عليه الأصوات الجزلة مال النص إلى الجزالة وهكذا (72) .
وفي ديوان الخبيئة اهتم الشاعر بالموسيقى الداخلية اهتماماً بالغاً، فقد استخدم الأصوات الرقيقة في الموضوعات المناسبة كشعر الأطفال والغزل الرقيق، ومن ذلك قصيدة ( هيا نلعب ) للأطفال، وقصيدة ( نظرة ) في الغزل، إلا أن الشاعر استخدم أصواتاً جزلة في قصيدة ( نظرة ) في موضعين هما في قوله :
قالت عيون المها يكفيك ما اقترفت عيناك إنك تُؤذيني وتُخجلني (73)
ولو قال الشاعر " يكفيك ما فعلت " لكان أرق وأنسب لموضوع الغزل، ولعل سبب الجزالة في كلمة " اقترفت" هو وجود القاف في الكلمة، وهي تعد من الأصوات الجزلة، لكن بالرغم من عدم تكرارها أو مجاورتها لصوت جزل آخر، إلا أنها جاءت ساكنة، وهي من الحروف المقلقلة فكأنها حرفان، والناطق بها يبذل جهداً إضافياً عند نطقها ساكنة، وربما كان سبب الجزالة في هذه الكلمة هو الانتقال من صوت يُعد من أجزل الأصوات وهو " القاف " إلى صوت يُعد من أرق الأصوات وهو " التاء " وربما كان للفاء دور في جزالة هذه الكلمة، والموضع الثاني هو قوله :
شكراً لدبلتك الصفراء أيقظني بريقها وأعاد الصحو في بدني (74)
فكلمة ( أيقظني ) تُعد من الألفاظ الجزلة لاجتماع صوتين جزلين في كلمة واحدة، وهما " القاف " و " الظاء "، كما يُعدُ توالي الهمزتين في كلمتي ( الصفراء ) و ( أيقظني ) من أسباب التنافر الصوتي .
وقد خالف الشاعر المناسبة بين الموضوع والألفاظ في قصيدته التي أسماها ( المعلقة الكشكولية ) (75)، من جهتين : أولهما اختيار الوزن، وهو وزن الطويل التام الذي يعد من أجزل الأوزان، والذي يكون أكثر استخدامه في الأغراض الرصينة كالرثاء والفخر والهجاء وغيرها، أما استخدامه في الشعر الفكاهي يعد قليلاً .
وثانيهما : استخدام الشاعر للكثير من الألفاظ الجزلة التي لا تتماشى مع الموضوع ومنها ( الكلاكل – الكشاكل – يزورُّ – كأداء ... وغيرها ) .
ويمكن تبرير اختيار الشاعر لهذا الوزن وهذه الألفاظ بأن سمى قصيدته ( المعلقة الكشكولية ) وعارض بها معلقة أمريء القيس في الوزن والقافية، ويُحسب للشاعر أنه طوع هذا الوزن لهذا الموضوع .
أماعن استخدامه للألفاظ الجزلة فقد أكثر من استخدامها في الموضوعات المناسبة لها كالفخر في قصيدة ( الأستاذ )، والحماسة والفخر أيضاً في قصيدة ( يوم العبور ) وغيرها، كما ظهرت جزالة الألفاظ بوضوح في قصيدة ( غلمان إبليس ) .
ثانياً: العلاقات بين الأصوات المتتابعة سواء أكانت متصلة أم متقاربة :
" قد يُعد صوتين من أصوات اللغة سلسين مقبولين، ولكن اجتماعهما في كلمة واحدة لا يُعد سلساً أو مقبولاً، كالثاء والسين، والثاء والذال، والسين والزاي، أما اللام والراء فلا يتواليان في أي كلمة عربية بهذا الترتيب " (76) .
" ومن أسباب الشعور بالثقل والتنافر، أن تتوالى مجموعتان من الأصوات تتماثلان تماثلاً تاماً أو شبه تام، مع اختلاف في ترتيب الأصوات المتماثلة، كما في قولهم " فُكَ كفك وكُفَ فكّك " (77) .
وكذلك يعد توالي بعض الحركات من أسباب الثقل مثل توالي الضمة والكسرة، فهي من أصعب صور توالي الحركات وأقلها وروداً .
وقد اهتم الشاعر بهذا الجانب اهتماماً بالغاً، فلا نكاد نجد في القصيدة حين نقرأها صورة من صور تنافر الأصوات أو الكلمات أو الحركات، فقلما نجد تنافراً في الحركات أو الأصوات أو الكلمات ، ومما قد يًعد تنافراً بين الحركات توالي الضمة والكسرة في قوله :
منذ عَرِفْتُكِ يا منة أقداري
ظهر الكنز المخبوء بداري (78)
فقد توالت الضمة والكسرة في قوله " عَرِفْتُكِ " وهذا التوالي يعد نادراً كما سبق، وكذلك قوله :
يا قاتلي
مهلاً مهلاً
سكينُكِ باردة النصل (79)
فقد توالت الضمة والكسرة في قوله " سكينُكِ "، أما عن التنافر الناتج عن توالي الأصوات فهو قليل جداً في هذا الديوان، ولعل أبرز الكلمات التي بها تنافر صوتي قوله في قصيد ( غلمان إبليس ) :
وصوت حشرجة في صوت من ذُبحوا
أحلى في آذانهم من طّيب النغم (80)
فكلمة " حشرجة " بها تنافر صوتي يثقل على السمع لتقارب المخارج، وكذلك تجاور التاء والدال من أسباب التنافر الصوتي لتقارب المخرج أو لاتحاده في كلمة " ارتعدت " في قوله:
من وقدها ارتعدت جيوش الغيهبِ (81)
كما أن كلمة " الغيهب " تُعد ثقيلة، وذلك لغرابة الصيغة .
ومثل ذلك قوله في توالي السين والذال :
يا ابن الملوح خانت
هواك ليلى وعافت
سذاجة الخيّرين (82)
ثالثاً : مدى بروز التفاعيل ووضوح حدودها :
" قد تبرز التفاعيل وتظهر حدودها، وقد تكون أميل إلى الخفوت والخفاء، ولاشك أن النوع الأول يساعد على تقوية إحساسنا بالموسيقى الشعرية، بخلاف النوع الثاني " (83)، " ويساعد على البروز أيضاً أن يكون أحد طرفي التفعيلة صانتاً طويلاً، وأن يكون طرفها الآخر بداية كلمة أو نهاية كلمة " (84) .
وقد نوع الشاعر بين تطابق التفعيلات للكلمات وعدم تطابقها، ومن أمثلة التطابق ما سيأتي :
جذوا الرؤوس كأن القتل متعتهم
والناس في غابهم لحم على وَضمِ (85)
والناس في / غابهم / لحم على / وَضمِ
--7- / -7--/ --7- / 77—
مستفعلن / فاعلن / مستفعلن / فَعِلن
وكذلك قوله من ( الخفيف ) :
يا لنفس كيف آمنت واطمأنت كيف تحيا أسيرة للسواد ؟ (86)
يا لنفس / كيف آمنت / واطمأنت كيف تحيا / أسيرة / للسواد
-7-- / --7- / -7— -7-- / 7-7- / -7—
فاعلاتن / مستفعلن / فاعلاتن فاعلاتن / متفعلن / فاعلاتن
وكذلك من ( الخفيف ) :
يا سياجي وجُنّتي من سموم مدّمرة (87)
يا سياجي / وجُنّتي من سموم / مدّمرة
-7-- / 7-7- -7-- / 7-7-
فاعلاتن / متفعِلن فاعلاتن / متفعلن
وكذلك قوله من ( المجتث ) :
لن تذبلي يا زهوري لن تنطفي يا بدورُ (88)
لن تذبلي / يا زهوري لن تنطفي / يا بدورُ
--7-/ -7-- --7- / -7--
مستفعلن / فاعلاتن مستفعلن / فاعلاتن
مما سبق يتضح أن الشاعر يهتم اهتماماً كبيراً ببروز التفاصيل، فقد تزيد التفعيلات البارزة في الديوان عن الثلثين، باحتساب التفعيلات التي تنتهي بصوائت طويلة .
رابعاً : شيوع الألفاظ والصيغ الصرفية أو غرابتها :
" يُعّد شيوع الأصوات من العوامل التي تجعلها أكثر سهولة وقبولاً، فالكلمات كذلك يزيد شعورنا بسلاستها وسهولتها كلما زاد شيوعها، ويزيد شعورنا بصعوبتها كلما كانت غريبة مهجورة " (89) .
كما أن غرابة الصيغة الصرفية للكلمة تؤثر بالسلب على الموسيقى الداخلية، وذلك مثل الإتيان بجمع كلمة على غير القياس أو السماع، فلا تتقبلها الأذن، حتى وإن كانت لفظة رقيقة لغرابتها على الأذن .
ويُعتبر هذا الجانب من الجوانب التي اهتم بها الشاعر، فلم يأتِ بالكثير من الألفاظ الغريبة أو الصعبة، ولم يأتِ كذلك بالصيغ الصرفية الغريبة كثيراً، ومن أمثلة الإتيان بالألفاظ الغريبة قول الشاعر :
وصوت حشرجة في صوت من ذُبحوا
أحلى في آذانهم من طّيب النغم (90)
فكلمة "حشرجة " كلمة غريبة على الآذان، مما يؤثر بالسلب على الموسيقى الداخلية للنص، وأما عن غرابة الصيغة الصرفية، فقد ظهرت في قوله :
يا أخوتي عندي لكم نبأ
يحيي الموات وينشر الطلا (91)
فقد استعمل كلمة " الموات " ولعله أراد بها " الموتى "، وأتى بها لإقامة الوزن، وكذلك قوله :
ومالي لا أشكو من السهد والضنى
ومشكلتي الكأداء جمع الكشاكل (92)
فقد أتى بصيغة " الكشاكل " في جمع " كشكول " بدلاً من " كشاكيل " وذلك لإقامة الون أيضاً .
الخاتمة والنتائج :
وبعد هذه الجولة الحرة في بستان الدكتور علي يونس الشعري الموسوم ( بالخبيئة ) والتي تحدثت فيها عن سر التسمية، وقدمت فيها أبرز الخطوط العريضة في حياة الشاعر وأهم مؤلفاته، ثم نبذة عن الديوان عدد صفحاته وعدد قصائده وتنوعها، ثم انتقلت إلى المحور الفكري والذي تجّلى فيه الصراع النفسي كمكون رئيس، ثم ولجت إلى النصوص أحاول سبر أغوارها، وتحليل كنهها، أُسلط الضوء على أزهى الصور وأرقى الأساليب، لأن النقد الحديث يميل أكثر وأكثر إلى اعتماد النص مصدراً أولا ورئيساً للدراسة، وصولاً إلى ما يتوفر من أهداف وخصائص العمل الأدبي ودلالات العصر، فما كتبه الشاعر في سنوات الصبا يختلف عما سطره في سنوات النضج والخبرة، وأخيراً فالكمال لله وحده، والزللً والنقص شيمة العمل الإنساني .
نتائج البحث :
1. يُعد الدكتور علي يونس واحداً من علماء الطبقة الأولى في العروض وموسيقى الشعر، وله مؤلفات قيمة ومعروفة في هذا المجال .
2. عنوان الديوان ( الخبيئة )، وهي لقطة دالة على الكنز المفقود، والتي تحتاج سفينة البحث عنه إلى وسائل وأدوات وطاقات .
3. يحوي الديوان قصائد ومقطعات تحوي مكابدات ومداعبات وأشياء أخرى .
4. تتنوع أشكال القصائد في الديوان ما بين عموديات ومقطعات وومضات وشعر التفعيلة .
5. الصراع ووجوهه المختلفة تمثل " وحدة الشعور "، وهي النغمة السائدة في كامل العمل.
6. يُصور الديوان انفعالات الشاعر النفسية، وذبذباته الشعورية، فهو نموذج صادق لفن مركب يجمع بين عنصري الفكر والخيال .
7. تشكل الصور الكلية التي تدخل فيها الصور الجزئية في علاقات تكاملية مكونة من عناقيد تنظم في النهاية في سلك واحد، يؤدي معنى يقرره الشاعر، وإحساساً بظهره تشكل جزءاً لا يستهان به من خيال الشاعر الخصب، وتُمّثل أروع مظاهر تجربته الفنية.
8. لَّوَّن الشاعر ديوانه بالعديد من الصور الجزئية المعبرة والموحية، واستخدم عناصر لتجميل الصور، منها على سبيل المثال ( الماء واللون ) .
9. عاب بعض صور الشاعر الفنية، التقليد والمحاكاة للقدماء .
10. تغّلب الذاتية على الموضوعية في ديوان الشاعر، فهو يتغنى بعواطفه الخاصة وآلامه وأحلامه .
11. يوّظف الشاعر ( التناص ) مع القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر القديم في نصوصه تصريحاً أو تلميحاً، تعزيزاً لشعره ودعماً له .
12. تفاعلت القصة بعناصرها المختلفة وجاذبيتها مع أبيات الشاعر ومقطعاته، ووظف الشاعر بعض إمكانات القصة التفاعلية، في نصوصه الشعرية، مما أكسبها بعداً جديداً هو النضج والنماء، دون أن يعني ذلك إلغاء الهوية الشعرية للشاعر .
13. تنوعت قصائد الديوان من ناحية الوزن وكان لقصائد التفعيلة النصيب الأكبر " ثلاثون" قصيدة .
14. جاءت معظم قصائد التفعيلة على وزن ( فَعِلُن ) وزحافها ( فعْلُن ) وهو وزن ( الخبب )
كما استخدمت التفعيلة الجديدة ( فاعِلُ ) في معظم القصائد التي جاءت على وزن الخبب.
15. احتل ( البسيط ) النصيب الأكبر في القصائد والمقطعات العمودية، فقد استخدمه الشاعر ست مرات .
16. استعمل الشاعر وزنين قليلين في الاستخدام هما ( المجتث – مجزوء الخفيف ) .
17. حظيت الموسيقى الداخلية باهتمام الشاعر، وكانت ألفاظه مناسبة لأغراضه الشعرية .

وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
وصَلِّى الله على مُحَمَّدٍ خيرِ الأولين والآخرين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغُر المَيَامِين







الهـــــوامـــش
1. العنوان وسيموطيقا الاتصال الأدبي، د. محمد فكرى الجزار، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998م، ص 35.
2. مقال بعنوان " السيموطيقا والعنونة "، د. جمال حمداوي، عالم الفكر، الكويت ، المجلد الخامس والعشرون، العدد الثالث، يناير – مارس 1997م، ص 96، مقل : .
3. ديوان الخبيئة، قصائد ومقطعات، د. علي يونس, القاهرة : مكتبة الآداب، 2016م، ص5 .
4. الديوان، ص 6.
5. الديوان، ص 27
6. الديوان، ص 38 .
7. الديوان، ص 41-42
8. الديوان، ص 111-112 .
9. الديوان، ص 114 .
10. الديوان، ص 4
11. الديوان، ص 39 .
12. ديوان عمرو بن معدي كرب الزبيدي، تحقيق : مطاع الطرابيشي، دمشق : مجمع اللغة العربية، الطبعة الثانية 1985م ، ص 113.
13. الديوان، ص 23 .
14. الديوان، ص 79-80 .
15. الديوان، ص 71 .
16. الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثامن الهجري، علي البطل: بيروت : دار الأندلس، الطبعة الثانية 1981م، ص 15
17. البديع في شعر المتنبي، منير سلطان، الإسكندرية : منشأة المعارف 1997م، ص 118
18. الصورة الفنية في الشعر الغرناطي، أيمن محمد ميدان، القاهرة : دار المعارف 2000م، ص 119.
19. شعر محمد عبد الغني حسن، دراسة فنية، زينب فؤاد عبد الكريم، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية البنات جامعة عين شمس 1991م، ص 219
20. الديوان، ص 23 .
21. الصنعة الفنية في شعر المتنبي، د. صلاح محمد عبد الحافظ، القاهرة : دار المعارف 1983م، ص 177.
22. الديوان، ص 58 – 59 .
23. الديوان، ص 59 .
24. بديع التراكيب في شعر أبي تمام، منير عبد القادر سلطان، الإسكندرية : منشاًة المعارف 1997م، 3/308 .
25. الديوان، ص 50 .
26. الرمز الشعري، عاطف جودة نصر، بيروت : دار الأندلس، الطبعة الثالثة، 1983، ص 40 .
27. الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف، أحمد ياسوف، دمشق : دار المكتبي، الطبعة الأولى 2002م، ص 589 .
28. الديوان، ص 7
29. الديوان، ص 10
30. الصورة الفنية عند النابغة الذبياني، خالد محمد الزواوي، بيروت : مكتبة لبنان 1992م، ص141 .
31. البلاغة والتحليل الأدبي، د. أحمد أبو حاقة، بيروت : در العلم للملايين، الطبعة الثانية 1993م، ص 84 .
32. الديوان، ص 12 .
33. الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف، أحمد زكريا ياسوف، مرجع سابق، ص 468 .
34. الديوان، ص 13 .
35. الديوان، ص 16 .
36. معيار النظار في علوم الأشعار، عبد الوهاب بن إبراهيم الزنجاني، القاهرة : دار المعارف 1991م، 2/37 .
37. النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال، القاهرة : دار نهضة مصر للطباعة والنشر 1977م، ص 104 .
38. الديوان، ص 117 .
39. الديوان، ص 33 .
40. الديوان، ص 6 .
41. قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، محمد زكي العشماوي، القاهرة : دار الشروق، الطبعة الأولى 1994م، ص 108 .
42. أفق الخطاب النقدي، دراسات نظرية وقراءات تطبيقية، القاهرة : دار شرقيات للطباعة والنشر 1996م، ص 58.
43. الديوان، ص 6.
44. سورة الكهف، آية رقم 63 ( وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ) .
45. انتاج الدلالة في شعر أمل دنقل، ( مقال ) صلاح فضل، مجلة فصول العدد الأول 1980م، ص 87 .
46. الخيميائي هي الرواية الثانية التي كتبها باولو كويليو، والتي حققت نجاحاً عالمياً باهراً، جعل كاتبها من أشهر الكتاب العالميين، تتحدث الرواية عن راع أندلسي شاب يدعى سانتياغو، مضى للبحث عن حلمه المتمثل بكنزٍ مدفون قرب أهرامات مصر، بدأت رحلته من إسبانيا عندما التقى الملك "ملكي صادق" الذي أخبره عن الكنز، عَبَرَ مضيق جبل طارق ماراً بالمغرب حتى بلغ مصر، وكانت تواجهه طوال الرحلة إشارات غيبية، وفي طريقه للعثور على كنزه الحلم، أحداث كثيرة تقع، كل حدث منها استحال عقبة تكاد تمنعه من متابعة رحلته، إلى أن يجد الوسيلة التي تساعده على تجاوز هذه العقبة، المصدر : الخيميائي، من روائع الأدب العالمي، باولو كويلو، بيروت : شركة المطبوعات للتوزيع والنشر 1998م .
47. من أقدم الكتب التي كتبت ومازالت متداولة حتى يومنا هذا وهو عبارة عن مجموعة قصص وحكايات شعبية تمَّ تدوينها وجمعها من مناطق متفرّقة في آسيا، هذه القصص لم تشمل فترةً معيّنة بل تمّت عبر عدّة قرون وتناولت حكايات من معظم الحضارات العربية والفارسية والهندية والمصرية وبلاد الرّافدين والشام، واختلفت الحكايات في محتواها فمنها حكايات الحبّ والعشق وأخرى تتحدّث عن الجنّ والغيلان وبعضها يحكي عن عالم السحرة والمشعوذين ولكن جميع هذه القصص كانت تحتوي على شخصيات معروفة وموجودة في أرض الواقع مثل الخليفة العباسي هارون الرّشيد ووزيره البرمكي والشاعر أبو نوّاس وغيرهم الكثير وبذلك طاف كتاب ألف ليلة وليلة العالم متحدِّثًا عن روعة الشَّرق وسحره، فقد تمَّ ترجمته إلى مئات اللغات قبل أن يُترجم إلى العربية سنة 1825م، الجدير بالذكر أنَّ كتاب ألف ليلة وليلة لم يكن بنسخة واحدة بل تعددت نسخه وإصداراته ففي النسخة الإنجليزية قيل بأنّ الكتاب تمَّ تأليفه من قبل مجموعة أشخاص مختلفين لذلك نجد كلَّ قصّة لا تشبه صاحبتها، أمَّا في النسخة الإيرانية فقد ذُكِرَ في مقدّمة الكتاب بأنَّ المؤلف هو شخص غير معروف ولكنَّ أصله يعود إلى بلاد الشّام وقد كان شاعرًا متمكنًا من اللغة. بعض الروايات تذهب إلى أنَّ الكتاب أُخذَ من الروايات اليهودية الدّينية ومن قام بتدوينه هم الكتّاب اليهود في حين رجَّح البعض فكرة اقتباسه من أسفار التوراة، لكن الفكرة الأقرب هي أنَّ الكتاب تمَّ وضعه من قبل عدّة كتّاب وقد اعتمدوا على الكتاب الفارسي ألف خرافة الذي كان مقتبسًا بدوره من الأدب الهندي .
48. الديوان، ص11 .
49. سورة الملك، آية 4
50. تاريخ الأدب العربي، العصر الإسلامي، شوقي ضيف، القاهرة : دار المعارف 1989م، ص 33 – 34 .
51. الديوان، ص 22 .
52. الديوان، ص 12 .
53. صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، الرياض : مكتبة طيبة 1998م، 1/ 78، ص 92 .
54. الديوان، ص 31 .
55. أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن علي أحمد السلماني اللوشي، المشهور بلسان الدين بن الخطيب، ينتمي الى قبيلة سلمان أحد القبائل القحطانية باليمن، هاجروا الى الأندلس واستقروا بقرطبة، حيث انضم بنو الوزير – لقب أسلافه قديما - الى الحزب المعارض لحكم بن هشام الأموي، الذي تزعمه الفقهاء، وعدد من الجاليات المشرقية بقرطبة، وعرفت ثورتهم باسم ثورة الربض، نسبة الى المعركة التي وقعت في موقع قرب قرطبة يدعى الربض، وعلى اثر انهزام المعارضة هاجر بنو الوزير الى طليطلة عام 202هجرية الموافق لسنة 817 ميلادية، حيث استقروا بها قرابة قرن ونصف انطق بنو الوزير الى مدينة لوشة على أثر الخطر الذي يهدد مدينة طليطلة، من قبل الحركات المسيحية، الهادفة الى القضاء على الوجود الاسلامي، فكانت هجرتهم أيام جدهم سعيد الذي لقب بالخطيب، وبذلك أصبح هذا اللقب يحمله السلمانيون بدل بنو الوزير، عرف بنو الخطيب بالعلم في هذه المدينة، واكتسبوا شهرة بها، فكان عبد الله بن سعيد فقيها ومحدثا، كما اشتهر سعيد –الجد الاقرب لابن الخطيب- الذي توفي في سنة 683 هجرية كعالم ديني في البيت السلماني، وورث والد ابن الخطيب أبو عبد الله الذي ولد في سنة 672 هجرية الموافق لسنة 1273 ميلادية، المكانة العلمية التي كانت لأسلافه، وانتقل الى غرناطة نتيجة التحاقه بخدمة السلطان أبو الوليد اسماعيل (713 هجرية – 1314 ميلادية / 723 هجرية – 1324 ميلادية)، ثم بأخيه أبي الحجاج يوسف (733 هجرية – 1333 ميلادية / 755 هجرية – 1354 ميلادية)، فكان يشتغل بديوان الكتابة، الى أن توفي في موقعة طريف الشهيرة يوم الاثنين سابع جمادى الاولى سنة 741 هجرية، المصدر : خلاصة تاريخ الأندلس، شكيب ارسلان، بيروت : دار القلم 1983م، ص 204 .
56. الديوان، ص 49
57. سيف الدولة الحمداني، امير حلب هو علي بن عبد الله بن حمدان الحمداني التغلبي، من بني حمدان الذين تنتسب إليهم الدولة الحمدانية. وسيف الدولة لقبه وقد غلب عليه ولقبه به الخليفة العباسي، حين وفد عليه مع أبيه عبد الله بن حمدان، وأخيه الأكبر، فوصل الخليفة الأب، وأعطى ولديه لقبين، فلقب الأكبر الحسن ناصر الدولة، والأصغر سيف الدولة، بدأ صاحب حلب وازدهرت الدولة في عهده، ثم غلبت دولته ما عداها، وارتفع به شأن بني حمدان حتى بلغوا شأناً عالياً وأصبحت دولة بني حمدان في حلب من أقوى الدول وأكثرها ازدهارا وتقدما وقوة ، المصدر : سيف الدولة الحمداني، محمد فريد جحا، دمشق : مطبوعات وزارة الثقافة 2007م، ص 101 – 104 .
58. ديوان أبي الطيب المتنبي، تحقيق : د. درويش الجويدي، بيروت : المكتبة العصرية للطباعة والنشر 1994م، ص 125 .
59. هذه القصيدة عبرت بعاطفة صادقة عمَّا يدور في وِجدان الشاعر، حيث أقام في مصر، وفرض عليه كافور الإخشيدي قيودًا حدتْ من رغباته وتطلُّعاتِه، ومِما زاد الطين بِلَّةً أن مرِض المتنبِّي بالحمى، وتنازعته آلام المرض، وآلام الغربة، وآلام الحيْلُولَة دون تحقيق المرام، ديوان المتنبي، مرجع سابق، ص 214 .
60. الديوان، ص 62 .
61. الديوان، ص 23 .
62. الديوان، ص 36 .
63. الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف، القاهرة : الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى 1992م، ص 146 .
64. موسيقى الشعر، إبراهيم أنيس، القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية 1952م، ص 14.
65. المرجع السابق، ص13 .
66. المرجع السابق، ص 15 .
67. موسيقى الشعر العربي، د. محمد سعد محمد السيد، القاهرة : عالم نور للإعلان (د.ت)، ص 3 .
68. موسيقى الشعر، مرجع سابق، ص 15 .
69. الديوان، ص 5 .
70. الميلودي الشعري بين نصين لابن الرومي وأحمد شوقي، د. علي يونس، القاهرة : مكتبة الآداب، الطبعة الأولى، 2017م، ص 29-33.
71. المرجع السابق، ص 5.
72. المرجع السابق، ص 6 .
73. الديوان، ص 10 .
74. الديوان، ص 10 ,
75. الديوان، ص 62 .
76. الميلودي الشعري، مرجع سابق، ص 12، 13 .
77. المرجع السابق، ص 14 .
78. الديوان، ص 5 .
79. الديوان، ص 17 .
80. الديوان، ص 20 .
81. الديوان، ص 33 .
82. الديوان، ص 79 .
83. الميلودي الشعري، مرجع سابق، ص 15 .
84. المرجع السابق، ص 15 .
85. الديوان، ص 20 .
86. الديوان، ص 27 .
87. الديوان، ص 32 .
88. الديوان، ص 73 .
89. الميلودي الشعري، مرجع سابق، ص 17 .
90. الديوان، ص 20 .
91. الديوان، ص 13 .
92. الديوان، ص 62 .










المصادر والمـراجـع
1. القرآن الكريم .
2. الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف، القاهرة : الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى 1992م .
3. أفق الخطاب النقدي، دراسات نظرية وقراءات تطبيقية، القاهرة : دار شرقيات للطباعة والنشر 1996م.
4. بديع التراكيب في شعر أبي تمام، منير عبد القادر سلطان، الإسكندرية : منشاًة المعارف 1997م .
5. البديع في شعر المتنبي، منير سلطان، الإسكندرية : منشأة المعارف 1997م .
6. البلاغة والتحليل الأدبي، د. أحمد أبو حاقة، بيروت : در العلم للملايين، الطبعة الثانية 1993م .
7. تاريخ الأدب العربي، العصر الإسلامي، شوقي ضيف، القاهرة : دار المعارف 1989م.
8. خلاصة تاريخ الأندلس، شكيب ارسلان، بيروت : دار القلم 1983م .
9. الخيميائي، من روائع الأدب العالمي، باولو كويلو، بيروت : شركة المطبوعات للتوزيع والنشر 1998م.
10. ديوان أبي الطيب المتنبي، تحقيق : د. درويش الجويدي، بيروت : المكتبة العصرية للطباعة والنشر 1994م .
11. ديوان الخبيئة، قصائد ومقطعات. د. علي يونس, القاهرة : مكتبة الآداب، 2016م .
12. ديوان عمرو بن معدي كرب الزبيدي، تحقيق : مطاع الطرابيشي، دمشق : مجمع اللغة العربية، الطبعة الثانية 1985م .
13. الرمز الشعري، عاطف جودة نصر، بيروت : دار الأندلس، الطبعة الثالثة، 1983م .
14. سيف الدولة الحمداني، محمد فريد جحا، دمشق : مطبوعات وزارة الثقافة 2007م .
15. شعر محمد عبد الغني حسن، دراسة فنية، زينب فؤاد عبد الكريم، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية البنات جامعة عين شمس 1991م .
16. صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، الرياض : مكتبة طيبة 1998م .
17. الصورة الفنية عند النابغة الذبياني، خالد محمد الزواوي، بيروت : مكتبة لبنان 1992م.
18. الصورة الفنية في الحديث النبوي الشريف، أحمد ياسوف، دمشق : دار المكتبي، الطبعة الأولى 2002م .
19. الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثامن الهجري، علي البطل: بيروت : دار الأندلس، الطبعة الثانية 1981م .
20. الصورة الفنية في الشعر الغرناطي، أيمن محمد ميدان، القاهرة : دار المعارف 2000م.
21. الصنعة الفنية في شعر المتنبي، د. صلاح محمد عبد الحافظ، القاهرة : دار المعارف 1983م .
22. العنوان وسيموطيقا الاتصال الأدبي، د. محمد فكرى الجزار، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998م .
23. قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، محمد زكي العشماوي، القاهرة : دار الشروق، الطبعة الأولى 1994م .
24. مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد الخامس والعشرون، العدد الثالث، يناير – مارس 1997م .
25. مجلة فصول " مجلة النقد الأدبي "، القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب العدد الأول 1980م .
26. معيار النظار في علوم الأشعار، عبد الوهاب بن إبراهيم الزنجاني، القاهرة : دار المعارف 1991م .
27. موسيقى الشعر، إبراهيم أنيس، القاهرة : مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة الثانية 1952م .
28. موسيقى الشعر العربي، د. محمد سعد محمد السيد، القاهرة : عالم نور للإعلان (د.ت).
29. الميلودي الشعري بين نصين لابن الرومي وأحمد شوقي، د. علي يونس، القاهرة : مكتبة الآداب، الطبعة الأولى، 2017م .
30. النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال، القاهرة : دار نهضة مصر للطباعة والنشر 1977م .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن