مفهوم الموازنة العامة للدولة

مصطفى العبد الله الكفري
moustafa.alkafri@gmail.com

2022 / 4 / 24

تعد وثيقة الموازنة العامة للدولة من أهم الوثائق التي يجب أن يعنى بها الاقتصاديون وبخاصة أعضاء الهيئة التدريسية في كليات الاقتصاد في الجامعات السورية والقيام بتحليل بياناتها والكشف عما وراء أرقامها الكثيرة من سياسات اقتصادية واجتماعية، وتوضيح ما وراء هذه السياسات من انحيازات طبقية. كما أن تدقيق أرقام الموازنة يتيح فرصة جيدة لاختبار صدقية ما تطرحه الحكومة من شعارات مثل الاهتمام بالبعد الاجتماعي وحماية محدودي الدخل ورعاية الفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية، وذلك بالبحث عن مدي تجسيد أرقام الموازنة لهذه الشعارات من زاوية ترتيب أولويات الإنفاق العام، ومن زاوية أسلوب تدبير التمويل اللازم لهذا الإنفاق. كما أن تحليل بيانات الموازنة من هاتين الزاويتين سوف يبين أي فئات الشعب تحظى باهتمام الدولة وتستفيد أكثر من غيرها من الإنفاق العام، وأي الفئات تتحمل أكثر من غيرها عبء تمويل هذا الإنفاق، وكيف يتوزع هذا العبء بين الأجيال الحاضرة والأجيال المقبلة- وهذا أمر وثيق الصلة بقابلية النمو والتنمية المستدامة وإلى أي مدى تعيد الموازنة توزيع الدخل بين مختلف فئات المجتمع.
ما المقصود بالموازنة العامة للدولة؟
• ما الفرق بين الموازنة والميزانية؟
• ما هي أهم مكونات الموازنة؟
• ما هي القواعد الواجب الالتزام بها عند وضع الموازنة؟
• ما المقصود بالحساب الختامي للموازنة؟
أولاً - الموازنة ومشروع الموازنة والميزانية:
الموازنة العامة للدولة هي بيان تفصيلي بالمصروفات العامة المقدرة لمختلف الوحدات التابعة للدولة (وتسمي أيضاً استخدامات أو نفقات) والإيرادات العامة المقدرة والمتوقع تحصيلها من مختلف المصادر (وقد يطلق عليها الموارد العامة)، لسنة مالية قادمة، وهي – في حالة سورية- تبدأ في أول كانون الثاني من السنة المقبلة وتنتهي في 31 كانون الأول من السنة ذاتها. كما يتضمن البيان ما يتوقع تحقيقه من عجز (عندما تزيد المصروفات على الإيرادات) أو فائض (عندما تزيد الإيرادات على المصروفات) في نهاية السنة المالية، وكيفية تمويل العجز المتوقع. أي أن أرقام الموازنة هي أرقام تقديرية، وليست أرقاماً فعلية.
الحكومة هي السلطة التنفيذية لإعداد الموازنة العامة للدولة:
وتتولى الحكومة (السلطة التنفيذية) إعداد الموازنة العامة للدولة، ثم تقدمها للاعتماد أو التصديق عليها من مجلس الشعب (السلطة التشريعية). وطالما أن الموازنة لم تعتمد من مجلس الشعب، فإنه يطلق عليها: مشروع الموازنة، حيث تفيد كلمة “مشروع″ أننا أمام بيان غير نهائي يحتمل القبول أو الرفض أو التعديل من جانب السلطة التشريعية. وبعد مناقشة مشروع الموازنة وإقراره في مجلس الشعب، فإنه يصدر في وثيقة يطلق عليها: الموازنة العامة للدولة. وهذه الموازنة تعد أداة للتخطيط المالي، بمعنى أنها تحدد ما يستهدف تحقيقه من مصروفات وإيرادات ارتباطاً بخطة عمل يجري تنفيذها خلال سنة مالية مقبلة. كما أن الموازنة تعد أداة للرقابة المالية، بمعنى أنها تشكل المرجعية عند الرقابة على التنفيذ من جانب أجهزة الدولة المختلفة، حيث تتم مساءلة جهات التنفيذ عن تجاوز ما هو محدد بالموازنة من نفقات أو عجزها عن تحقيق ما هو مستهدف من إيرادات، أو على الأقل مطالبتها بتقديم تفسيرات أو مبررات لاختلاف ما تحقق عما كان مستهدفاً.
الفرق بين الميزانية والموازنة:
(وطبقاً للتعريف السابق للموازنة، فإنها تنطوي على مفهوم مختلف عن مفهوم الميزانية. ذلك أن الميزانية مصطلح محاسبي ينطبق على الوحدات الأصغر من الدولة كالشركات والهيئات العامة والخاصة، وهو يتمثل في تقرير عن المركز المالي للوحدة (ويطلق عليه أيضاً قائمة المركز المالي) يرصد ما تحوزه من أصول وما يقع عليها من التزامات (وحقوق مساهمين في حالة شركات المساهمة)، وذلك في نهاية السنة المالية).
ثانياً - المكونات الرئيسية للموازنة:
تتحدد الموازنة عادة بثلاثة مكونات رئيسية وهي المصروفات العامة، الإيرادات العامة، العجز أو الفائض:
1 - المصروفات العامة، وتضم الأجور وتعويضات العاملين، ونفقات شراء السلع والخدمات، والفوائد على الديون، والدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، والمصروفات الجارية الأخرى، والاستثمارات.
2 - الإيرادات العامة، وتضم الإيرادات الضريبية (الضرائب العامة، وضرائب الدخل على الأرباح، وضرائب المبيعات، والرسوم الجمركية، وغيرها من الضرائب والرسوم)، إضافة إلى المنح، والإيرادات الأخرى (مثل فائض شركات وهيئات القطاع العام، وفوائض شركات قطاع الأعمال العام، وإيرادات أخرى متنوعة).
3 - العجز أو الفائض، أي الفرق بين المصروفات والإيرادات. ويطلق على الفرق بين المصروفات والإيرادات العجز النقدي للموازنة. وعندما يضاف إلى العجز النقدي صافي حيازة الأصول المالية (وهو الفرق بين مساهمات الدولة في رؤوس أموال بعض الهيئات والشركات وما تقدمه من قروض لبعض الجهات، وبين المتحصلات المتمثلة في الأقساط المسددة من القروض ومن حصيلة بيع بعض الأصول المالية المملوكة للدولة) نصل إلى ما يطلق عليه: العجز الكلي للموازنة.
ويتم تمويل العجز الكلي في الموازنة عادة من ثلاثة مصادر رئيسة:
الأول: القروض المحلية من خلال ما تصدره الدولة من أذون وسندات خزانة.
الثاني: القروض والمنح الخارجية.
الثالث: صافي حصيلة الخصخصة.
ثالثاً - قواعد حاكمة لإعداد الموازنة:
حين يتم اعداد الموازنة العامة للدولة يتعين الالتزام بالقواعد الخمس التالية:
1 - قاعدة السنوية، حيث تعد الموازنة عن سنة مالية قادمة.
2 - قاعدة وحدة الموازنة. ويقصد بها إدراج جميع نفقات وإيرادات مختلف الوحدات التابعة للدولة في الموازنة العامة للدولة.
3 - قاعدة العمومية. يجب أن تشمل الموازنة تقديرات النفقات والإيرادات بأكملها، أي دون إجراء مقاصة بين بعض أبوابها أو بنودها وبعضها الآخر، وذلك ضماناً للشفافية، وللتمكن من إحكام الرقابة على جميع النفقات والإيرادات.
4 - قاعدة عدم التخصيص. أي عدم جواز تخصيص إيراد ما لنفقة بعينها. بحيث يجب أن تصب جميع الإيرادات في وعاء واحد ينفق منه على جميع الاستخدامات.
5 - قاعدة أولوية النفقات. ويقصد بها أن الأصل في إعداد الموازنة هو البدء باحتياجات المجتمع وتحديد ما تتطلبه من نفقات، ثم البحث بعد ذلك عن طرق تدبير الموارد اللازمة لتغطية هذه النفقات.
أما الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة فهو عبارة عن بيان يتضمن المصروفات الفعلية والإيرادات الفعلية للدولة عن سنة مالية منتهية سبق إعداد موازنة عامة لها. وتوضح مقارنة الحساب الختامي بالموازنة بنود النفقات التي زاد أو نقص الصرف الفعلي عليها عما كان مقدراً في الموازنة، وبنود الإيرادات التي زادت أو نقصت عن المستهدف لها في الموازنة، وكذلك ازدياد العجز الكلي الفعلي أو نقصانه عما كان مقدراً في الموازنة.
الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
كلية الاقتصاد - جامعة دمشق



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن