المواطنة والعدالة الاجتماعية لبناء الدولة الحديثة

عزالدين مبارك
ezd.mbarek@gmail.com

2022 / 4 / 21

لا يمكن بناء الدول بالجدل العقيم والتمنيات والولاءات المذهبية والحزبية بل بالفعل العقلاني الحرّ والمسؤول ضمن منهجية واضحة تأخذ بناصية العلم والحداثة وتهدف بالاساس الى تمكين المواطن من العيش الكريم وحمايته من الاخطار والتجاوزات والتوزيع العادل للثروة.
وللوصل للهدف المنشود بأقل التكاليف وفي فترة قصيرة من الزمن يمكننا اعتماد تمشي موضوعي لا يقطع مع الماضي والانجازات التي تحققت خلاله والمضي قدما في بناء الدولة الحديثة بآليات معاصرة ومن ضمنها الحوكمة الرشيدة والمواطنة والعدالة الاجتماعية.
فلا يمكن لعاقل ان يهدم بيديه ما بناه الاخرون بتضحيات جسام بدعوى انهم لا يتبنون مشروعهم الفكري او لم يشاركوا في انجازه كما لا يمكن منطقيا البداية من الصفر بحثا عن التفرد والتجديد وقد يكلف هذا الفعل المجموعة الوطنية الكثير من الجهد والمال.
وأخطر ما يهدد الدولة التونسية هو عدم وضوح الرؤيا حول المشروع المجتمعي الذي نريده هل هو مشروع حداثي تقدمي على المنوال السابق والمرتبط أساسا بالمفاهيم المعاصرة في الاقتصاد وحقوق الانسان الكونية والحرية الشخصية والديمقراطية السياسية ام مشروع سلفي مبني على الفكر الاسلامي المحض والخلافة وأسس الشريعة ونبذ القوانين الوضعية والمفاهيم الحديثة في عالم السياسة الاقتصاد أم هو مشروع هجين بين الاتجاهين.
واغلب الظن أن محك الصراع الحزبي الآن هو بالأساس حول هذا المشروع وهل في النهاية سيحصل الحسم لفائدة شق دون الآخر أم سيكون هناك تعايش بين الطرفين لكن إلى متى؟ والخوف كل الخوف من أن ينزلق الصراع بحكم قلة التجربة الديمقراطية ببلادنا الى متاهات لا يحمد عقباها كأن يتجه الأمر لاستعمال العنف والاغتيالات والفوضى.
وكي لا تضيع مصالح الشعب سدى في ظلّ التجاذبات الحزبية يتجه الرأي الحصيف إلى تحصين كينونة الدولة وعدم المساس بمؤسساتها على الاقل خلال المرحلة الانتقالية لأنها الوحيدة القادرة على حماية المواطن وتقديم الخدمات الدنيا له وذلك بتأسيس مقاييس جديدة كانت غائبة في العهود السابقة ومنها:
1 . الحوكمة الرشيدة
للقضاء على الفساد والتقليص من مضاره الاجتماعية والاقتصادية وارساء قواعد الشفافية على مستوى القرار الاداري والانتاج والتوزيع يجب تصور آليات جديدة من الحوكمة الرشيدة من أهم عناصرها كفاءة العناصر البشرية واستقلاليتها المهنية والأدبية والمكاشفة الحينية عن طريق اعلام حر ونزيه ثم المراقبة الفورية والمحاسبة وحماية المراقبين والمرشدين عن التجاوزات والضغوطات وأساليب الترهيب والترغيب.
2ـ دولة المواطنة
لا يمكن بناء دولة حديثة دون ان يكون فيها المواطن كريما ومحترما وسيدا فهيبة الدولة من هيبة المواطن الذي ينتظر من دولته ان ترعاه الرعاية اللازمة وتقدم له الحماية الكافية والخدمات الضرورية دون أن يتسول ذلك ويذل نفسه على أبواب المسؤولين وعلى قارعة الطريق.
فالمواطن المقهور والذي لا يجد قوت يومه أو البطال الحامل لشهادة ولا يجد عملا وإحاطة ويترك لحال سبيله عرضة للاخطار والفساد والاجرام لا يعترف بطبيعة الحال بما يجادل فيه أهل السياسة من ديمقراطية وحرية وانتخابات وهو في كل الأحوال مشروع جاهز للاحتراق او الانتحار او حتى الارهاب. فلا يمكن الانتظار من هؤلاء احترام هيبة الدولة او الامتثال للقانون وهم يمثلون بالضرورة خطرا على المجتمع وان كانوا صنيعة هذا المجتمع الاناني الجحود فمن يعتلي كرسي المسؤولية يتناسي من كانوا سببا في تبوئه تلك المكانة فيهتم بشؤونه الخاصة ولا يلتفت إلى المعدمين من ابناء وطنه.
فالدولة الحديثة ملك مشاع للجميع وليست غنيمة يتقاسم ثروتها الخلان والأصحاب لخدمة مجموعة معينة دون غيرها كضيعة خاصة او رزق موروث فمن يصبح مسؤولا فيها عليه التجرد من كل الضغائن والاحقاد والمحسوبية ويقوم بعمله بنزاهة وشفافية من أجل المواطن لا غير.
3ـ العدالة الاجتماعية
البلاد التونسية تنتمي إلى الدول النامية حيث مازال يعشّش فيها الفقر والبطالة والتفاوت الجهوي مبعث تأزم وتخلف اجتماعي واقتصادي كما ان ثرواتها محدودة وبالتالي فإن عنصر التضامن بين افرادها يعد شيئا مهما وفارقا فلا يمكن والحال كذلك ان تتخلى الدولة عن دورها الاجتماعي ورعايتها للضعفاء والمهمشين بل عليها الانحياز الايجابي لهم وذلك بتوفير موارد الرزق لهم وتمكينهم من بعث مشاريع خاصة تساهم في الدفع بالاقتصاد الوطني وتبعد عنهم غوائل الحاجة والفقر.
وهذا لن يتم دون اعادة النظر في التوزيع العادل للثروة بتصور جديد للجباية بحيث يتم فرض نسب مستحقة ومتفاوتة على اصحاب الثروات الطائلة وغير المصرح بها ومحاربة التهرب الضريبي مع إعفاء اصحاب المداخيل الضعيفة من هذا الواجب.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن