كتاب شروط النهضة تأليف مالك بن نبي

مصطفى العبد الله الكفري
moustafa.alkafri@gmail.com

2022 / 4 / 6

عرض وتحليل وتقديم: الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
يعالج مالك بن نبي في مؤلفاته المبكرة مثل كتاب شروط النهضة مشكلة الاستعمار مهمومة بقضية بناء الدولة وفقا للنموذج الإسلامي. تمثل الأفكار في العالم الإسلامي لدى مالك بن نبي البدايات لحل مشكلة الدولة. حيث يرى أن هناك ثلاثة عناصر للحضارة وهي الإنسان، والمادة (التراب)، والزمن (الوقت). فهو مشغول نظرياً بإرساء معالم الحضارة كأساس قاعدي للدولة في مجتمعاتنا. وهذا يعني أن بناء أي دولة مشروط بهذه العناصر الثلاثة.
يتحدث كتاب شروط النهضة من تأليف الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي عن قضايا التاريخ والحاضر والمستقبل، فيبدأ بأنشودة رمزية لكل منها، ثم يحاول أن يرسم لنا دور الأبطال في السياسة والفكرة الوثنية، بعدها ينقلنا من التكديس إلى البناء، ويحدثنا عن شروط الدورة الخالدة وعناصرها وتوجيهها ومبدئها الأخلاقي وذوقها الجمالي في بناء الحضارة، كما يناقش وحلل موضوع الاستعمار والشعوب المستعمرة والمعامل الاستعماري والأهم معامل القابلية للاستعمار.
مشكلة الفكر العربي المعاصر:
تتمثل مشكلة الفكر العربي المعاصر في عدم بلورته، وتطويره لمفهوم، أو لمفاهيم الدولة خارج الأطر الموروثة عن الغرب، أو الموروثة عن العصر الذهبي للإسلام البعيد، والذي لم يجد في وقتنا من يتطابق معه معرفيا، وأخلاقيا وروحيا داخل المجتمعات العربية. مفاهيم الدولة المختلف حولها لا توجد إلا في النماذج الناجزة مسبقا. والتشبث بهذا النوع من الفكر الماضوي يفصح عن سمة خاصة بالثقافة السائدة عندنا، وهي أن الذي يفكر فينا هو الماضي ونماذجه، وليس الحاضر في بحثه عن صيغ جديدة للمجتمع والدولة.

الناتج الحضاري = إنسان + تراب + وقت:
يرى مالك بن نبي: إن (كل ناتج حضاري تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية: ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت). وبناء على هذا التحليل لتركيب الحضارة يستنتج ابن نبي أن مشكلة النهضة الحضارية ترتبط بثلاث مشكلات متشابكة هي: مشكلة الإنسان، ومشكلة التراب (المادة)، ومشكلة الزمان (الوقت).
1 - المشكلة الأولى يرى أن أية حضارة تبدأ من الإنسان؛ أما المادة فمهما كان مقدارها وقيمتها تبقى مجرد كم مكدس لا يمكن أن يثمر حضارة إلا بالاستعمال الصحيح لها من قبل الإنسان الحي. وهنا تبدو ضرورة التغيير النفسي ليصبح الإنسان غنيا بأفكاره لا بأشيائه.
2 - أما التراب أو (المادة) فالمشكلة هنا لا تتحدد بندرة المادة أو وفرتها، بل بكيفية التعاطي معها. حيث يشير ابن نبي إلى أنه في القرن التاسع عشر كانت مكانة الدول والشعوب تقاس بمقدار مصانعها وأساطيلها ومدافعها ورصيدها من الذهب والفضة؛ غير أن القرن العشرين شهد تحولاً نوعياً في قياس القوة، ولم يعد المعيار شيئياً بل فكرياً.
3 - أما المشكلة الثالثة الزمان (الوقت) فهي تتمثل في الزمان بوصفه ذاك النهر القديم الذي يعبر العالم بصمت، حتى انه لا يُنتبه إليه، بل تتناساه الحضارات في لحظة غفلتها. حتى إذا وقعت الواقعة وأصبح الوقت شرطاً ضرورياً للمحافظة على البقاء، أو تحصيل الثراء، أو النعم الفانية تناهى إلى سمع الناس صوت الساعات الهاربة.
الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل:
(الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل ... فهو يمر خلال المدن، يغذي نشاطها بطاقته الأبدية، أو يذلل نومها بأنشودة الساعات التي تذهب هباءً، وهو يتدفق على السواء في أرض كل شعب، ومجال كل فرد، يفيض من الساعات اليومية التي لا تغيض، ولكنه في مجال ما يصير " ثروة "، وفي مجال آخر يتحول عدماً. فهو يمرق خلال الحياة، ويصب في التاريخ تلك القيم التي منحها لما أنجز فيه من أعمال).
كما يولي ابن مالك أهمية كبيرة لفكرة التوجيه، فيقول: (وحاصل البحث أن قضية الفرد منوطة بتوجيهه في نواح ثلاث أولاً: توجيه الثقافة، ثانياً: توجيه العمل، ثالثاً: توجيه رأس المال). وبالتالي فإن فكرة التوجيه تعني له (قوة في الأساس وتوافقاً في السير ووحدة في الهدف، وتجنب الإسراف في الجهد وفى الوقت).
تحتل الثقافة عند مالك بن نبي مركزاً أساسياً في البناء الحضاري، ومواجهة التخلف لقهره وتجاوزه. فهو يدعو إلى تحديد تعريف الثقافة على ضوء حالتنا الراهنة، وحسب مصيرنا. ويحدد لنا العناصر الجوهرية اللازمة للثقافة وهي:
1- الدستور الخلقي.
2- الذوق الجمالي.
3- المنطق العملي.
4- الصناعة بتعبير ابن خلدون، أي التقانة.
وتشكل هذه العناصر القاعدة الأساسية لأية نهضة حقيقية. وللذوق الجمالي مكانة خاصة لأنه لا ينفصل عن الأخلاق، والممارسة العملية في مجال الإنتاج المادي والفكري والفني، فالأخلاق مرتبطة بالمجتمع. فالأخلاق تعتبر رديفا لعمليات تكوين الروابط بين الأفراد في أي مجتمع. يستحق عنصر التوجيه الجمالي الذي يتمسك به مالك بن نبي كبعد أساسي للثقافة وللدولة أكثر من وقفة تحليلية. فالجماليات تكتسي أهمية اجتماعية، (إن للجمال أهمية اجتماعية هامة، إذ ما اعتبرناه المنبع الذي تنبع منه الأفكار، وتصدر عنه بواسطة تلك الأفكار أعمال الفرد في المجتمع. والواقع أن أزهد الأعمال – في نظرنا – له صلة كبرى بالجمال). كما أن قوة التماسك (مرتبطة في أصلها بغريزة الحياة في جماعة عند الفرد، والتي تتيح له تكوين القبيلة والعشيرة والمدنية والأمة).
(الإطار الحضاري بكل محتوياته متصل بذوق الجمال، بل إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة، فينبغي أن نلاحظه في نفوسنا، وأن نتمثل في شوارعنا وبيوتنا ومقاهينا مسحة الجمال نفسها، التي يرسمها مخرج رواية في منظر سينمائي أو مسرحي).
درجة رقي الدولة المعاصرة وتقدمها وأخلاقها:
وتقاس درجة رقي الدولة المعاصرة وتقدمها وأخلاقها بمستوى ونوعية الجماليات في هذه الدولة. كما أن انحطاط الأخلاق يتزامن بانحطاط الذوق الجمالي في كافة المجتمعات. كما أن المعمار وتشكيل الفضاء، واختيار الموقع عناصر تلعب أدوارا حاسمة في تشكيل نفسيات الأفراد داخل أي مجتمع.
ويتذمر مالك بن نبي ويشكو من خلل في هذا المنطق في مجتمعاتنا. ويحدد هذا الخلل في مصطلح هو اللافاعلية حيث يؤكد: (إننا نرى في حياتنا اليومية جانباً كبيراً من اللافاعلية في أعمالنا، إذ يذهب جزء كبير منها في العبث والمحاولات الهازلة وإذا ما أردنا حصراً لهذه القضية فإننا نرى سببها الأصيل في افتقادنا الضابط الذي يربط بين عمل وهدفه، بين سياسة ووسائلها، بين ثقافة ومثلها، بين فكرة وتحقيقها: فسياساتنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا، وإن ذلك كله ليتكرر في كل عمل نعمله وفى كل خطوة نخطوها).
يمثل افتقاد مجتمعاتنا للمنطق العملي، وللفاعلية مشكلة كبرى لم تعالج حتى الآن علاجا جديا. لذلك فإن أزمة الدولة والمجتمع لدينا تنبع من كونها تفتقد إلى الفاعلية، وإلى الدستور الخلقي، والذوق الجمالي، والمنطق العملي، والمنهجية العلمية في التعاطي مع قضايا التنمية وبخاصة تنمية الإنسان. وبذلك لا يناقش مالك بن نبي صراحة مشكلة الدولة، بل هو معنى بالشروط الحضارية للمجتمعات الإسلامية ككل. ورغم ذلك، فإنه يمكن لنا أن نستعمل توصيفه لمعالم وشروط الحضارة كأسس للدولة المعاصرة والمجتمع الحديث.

مالك بن نبي من ضحايا الحرمان من الهوية، يرى القارئ الفطن جروحَ الاستعمار الفرنسي للجزائر نازفةً في كتاباته، ترتسمُ في أعماله صورُ مقاومة مواطنيه للاستعمار. شيء من كتاباته يمثّل الخلفيةَ النظرية للمقاومة الجزائرية في حرب التحرير. قرّاؤه تترسخ في ضمائرهم أشواقُ الهوية، ويتّقد في مشاعرهم الحنينُ للماضي، وأحلامُ استرداد زمان الانتصارات والأمجاد في العصر الإسلامي الأول، وما تلاه في “عصر الموحدين”، لأن ابنَ نبي يرى سقوطَ دولة الموحدين نهايةَ الدورة التاريخية لحضارة الإسلام.
كان مالك بن نبي يتمتع بفطنة وذكاء ورهافة حس، فكان يلاحظ ويحكم على ما يحدث في المجتمع الجزائري آنذاك، من جراء الوجود الاستعماري منذ قرابة القرن بما أحدثه من تمييز واغتصاب الأملاك وعدم المساواة. واتَّجه منذ نشأته نحو تحليل الأحداث الَّتي كانت تحيط به. وقد أعطته ثقافته المنهجية الَّتي جمع فيها بين الثقافة الغربية والإسلامية قدرة على إبراز مشكلة العالم المتخلِّف باعتبارها قضيَّة حضارة أوَّلاً وقبل كلِّ شيء. فألف كتبه جميعها تحت عنوان (مشكلات الحضارة). كان مالك بن نبي تلميذاً نجيباً لعلماء مهمين مثل ابن خلدون، والشيخ عبد الحميد بن باديس وغيرهم، وكان يردِّد دوماً بأنَّ بناء الإنسان في وطنه أشدُّ أهميَّة من بناء الآلة.
الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
كلية الاقتصاد – جامعة دمشق



كتاب شروط النهضة

عدد الصفحات: 160
اللغة: العربية
منشورات دار الفكر



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن