الفصل بين السلطات بين الواقع والطوح في الدول العربية

سرود محمود شاكر
sroodmahmooed2050@gmail.com

2021 / 12 / 24

يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات أحد المبادىء الأساسية التي ترتكز عليها النظم الديمقراطية، وهو مبدأ رئيسي للديمقراطية في جوهرها ، تماما على نحو يماثل في ذات الأهمية مبدأ سيادة الأمة و الشعب. إن هذا المبدأ يستمد جذوره من الفلسفة الإغريقية، حيث اعتبر أفلاطون بأن وظائف الدولة يجب أن توزع بين هيئات مختلفة بالتوازن والتعادل حتى لا تنفرد هيئة واحدة بالحكم وتمس بالسلطة والشعب، مما قد يؤدي إلى وقوع انقلاب أو ثورة. ومن لسان أفلاطون وأرسطو تلقفه كل من لوك ومونتيسكيو وروسو، فانتقل بعد ذلك إلى الميدان التطبيقي على آثر الثورتين الفرنسية والأمريكية .
ولا بد ان نذكر المفكر الفرنسي الشهير ” مونتيسكيو ” حيث فضل حسن صياغة مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث : التشريعية ، التنفيذية و القضائية ، في كتابه ” روح القوانين ” ، الذي ألفه عام 1748 ، و الذي كان تأثيره على النظام الديمقراطي في فرنسا كبيرا جدا مثلما تأثرت أيضا بالمفكر ” جون جاك روسو ” في كتابه العقد الإجتماعي .
إن أهمية مبدأ الفصل بين السلطات تتجلى من خلال بساطة وسهولة التطبيق السليم له حسب الاصول السياسية، فهو يؤدي الى عدم تداخل السلطات. ومن خلال الرقابة التي تقوم بها كل سلطة على الاخرى يحد من المخالفات والأستيلاء علي السلطة من جهة واحدة.ووفق منطق هذا المبدأ، فإنه لا يجوز لشخص واحد او هيئة واحدة ان يجمع السلطتين التشريعية والتنفيذية، حتي لا تنعدم الحرية السياسية وتسير مصالح الدولة سيرا حسنا وتصان الحريات الفردية وتحول دون استبداد الحكام . وان فصل السلطات لا يعني الفصل التام المطلق وانقطاع اواصر الصلة بينها بحيث تشكل كل سلطة (جزيرة معزولة) أو دولة داخل دولة.
والجدير بالذكر هنا ان الدولة ظاهرة سياسية وقانونية تعني جماعة من الناس يقطنون رقعة جغرافية معينة بصفة دائمة ومستقرة ويخضعون لنظام معين، والدولة مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على اقليم جغرافي محدد ويخضعون لتنظيم معين، والدولة عبارة عن الشخص المعنوي الذي يرمز إلى شعب مستقر على إقليم معين حيث هناك حكاماً ومحكومين وحيث يكون لهذا الشخص سلطة سياسة ذات سيادة. وإن السلطة هي ظاهرة ملازمة لكافة المجتمعات البشرية حتى الفوضوية منها هي تظهر في المجتمعات السياسية من أجل المحافظة على الوجود الجماعي، وحماية سكان المجتمع والدفاع عنه، والدليل على ضرورة السلطة أنه كلما ضعفت السلطة نشأت مكانها أخرى، والسلطة السياسية هي المعيار المميز للدولة عن غيرها من الجماعات السياسية التي لم تصل بعد إلى مستوى الدولة، كالقبيلة والعشيرة، كما أنها تميز الدولة عن غيرها من الوحدات الأخرى.ان مبدأ الفصل بين السلطات، في اطار الدولة، يشكل الضمانة العليا للحريات العامة والحقوق الفردية، ويعتبر أيضا الضمانة للتوازن بين السلطات الموكول إليها القيام بوظائف الدولة ” تشريع ، إدارة، قضاء ” وذلك لمنع تمركز السلطة في يد شخص واحد أو حتى مؤسسة واحدة. ومبدأ الفصل بين السلطات أيضا هو مبدأ ضروري لتنظيم المهام و ضمان تقسيم الأعمال بشكل مستمر بين مختلف أجهزة الدولة، فالسلطة التنفيدية لا يمكن أن تمارس من قبل جمعية موسعة .نجد أيضا أن التشريع سيكون ناقصا إذا ارتبط بعمل الحكومة بمفردها لأنها سوف تجعله لصالحها ولخدمة مآربها.
ان مبدأ الفصل بين السلطات يؤدي الى تحقيق شرعية الدولة، فهو يعد وسيلة فعالة لكفالة الاحترام القوانين وحتي تطبيقها، واذا اجتمعت السلطات الثلاث سوف تخلع عن القانون حدته وعموميته، لأنه وبالضرورة إذا تركزت سلطة التشريع والتنفيذ في يد واحدة سوف يعمل على تشريع القوانين التي تحقق مصلحته و كذلك لو تركزت وظيفة التشريع سوف يعمل ويوقعنا أمام واقع مرير يتعرض إليه الشعب وهو نتيجة خلع صفة العموم والتجريد عن القانون، وهو ما يعني سن و تنفيذ القوانين سيكون لمصلحة الحاكم أو الملك، و ليس لمصلحة الدولة و شعبها، لأنه لا توجد سلطة تردعه بما أنه قد سيطر على كل السلطات و جعلها أداة من أدوات الإستبداد في يده .
مما لا شك فيه ان مبدأ الفصل بين السلطات مطبق الى حد كبير في الديمقراطيات الغربية، وهذا كلام لا يختلف بشأنه اثنان، لكن السؤال: الى اي حد مطبق في الدول العربية؟
في الدولة العربية المعاصرة، هذا المبدأ متواجد في معظم الأنظمة المعاصرة من الناحية القانونية الدستورية، أما كواقع فلا نلاحظ له وجود فعلي، لا في الملكيات ولا في الجمهوريات رغم أننا نمتلك اتحادا للبرلمانات العربية الصورية التي لا تتعدى في جوهرها وظيفة الغرف التسجيلية.ففي الدول العربية بصفة عامة، نجد أنه رغم إقرار دساتير هذه الدول لمبدأ الفصل بين السلطات بشكل مباشر أو غير مباشر فإن هذا الإقرار لا يعني إعمال هذا المبدأ وتطبيقه في الواقع، فموقع المبدأ في هذه الأنظمة يخضع لأوضاع كل دولة، وللأسس النظرية والقيم والمثل العليا لمجتمعاتها ولظروفها السياسية والاجتماعية وحتى للمرافق النظرية، مما يؤكد هشاشة هذه الأنظمة وضعفها وبنيوية وهيكلة نظمها الدستورية، فدساتيرها لا تعكس الواقع السياسي ولا ما يحدث في الواقع، فمسألة تنظيم السلطة في الدول العربية تتحكم فيها بالدرجة الأولى الممارسة الفعلية للسلطة، والأوضاع الخاصة بهذه البلدان.
وفي ماذكرناه علينا الأخذ ببعض التوصيات الواردة ادناه وذلك للوصول إلى مبدأ الفصل بين السلطات
١ ان تخضع الدولة للقانون لتحقيق مصالح الافراد وحماية حقوقهم ضد تعسف السلطة واستبدادها. فدولة القانون هي الدولة التي تخضع وتتقيد في جميع مظاهر نشاطها باحكام القانون أي أن جميع سلطات الدولة لايمكنها أن تتصرف الا في حدود احكام القانون.
٢ تامين وحدة السلطة في الدولة من خلال الفصل الافقي للسلطات (تشريعية، تنفيذية، قضائية).
٣ ان فكرة توازن السلطات من خلال منظومة الكبح والموازنة أي عن طريق ايجاد اليات تمكن السلطة التشريعية من مراقبة نشاطات السلطة التنفيذية فيما تمنـح الاخيرة ممثلة برئيسها استخدام حق النقض ضد قرارات السلطة التشريعية في حين تقف السلطة القضائية كحكم بين الطرفين.
٤ ان فكرة التوازن له عدة تبعات على مستوى تنظيم السلطات وتفعيل الرقابة الدستورية في إطار حيادها من أجل ضمان عدم انتهاك الحقوق والحريات المكفولة دستوريا.

اخيرا ان غياب هذا المبدأ قد ادى بنا في الدول العربية الى ما حصل من ثورات منذ عام 2011، فهل تتعلم انظمتنا من الدرس فتبني دولة يحكمها مبدأ سيادة القانون ومبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ المسائلة ومبدأ الحكم تكليف وليس تشريف؟
هذا ما نتطلع اليه وهذا دورنا كمثقفين في علم القانون وحقوق الانسان



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن